ملخص
ماذا وراء زيارة ماكرون للفاتيكان عشية زيارة البابا لاوون الجزائر؟
رسائل مبطنة وإشارات دفعت الرئيس الفرنسي إلى استعجال تنقله إلى الفاتيكان.
في وقت تواصل الجزائر التحضير لاستقبال البابا لاوون الرابع عشر الذي يزور البلاد غداً الإثنين، ظهر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته في ضيافة الفاتيكان، وعلى رغم ضيق دائرة التسريبات فإن التوجس أخذ حيزاً واسعاً، بخاصة أن التنقل الفرنسي الخاطف تزامن مع تحركات لأطراف داخلية وخارجية اتفقت على إثارة ملفات الحريات.
ماكرون في الفاتيكان؟
وقام الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الجمعة، بزيارة إلى الفاتيكان، التقى خلالها البابا لاوون للمرة الأولى بعد عام تقريباً على انتخابه، على انفراد لنحو ساعة، وهي مدة أطول بكثير من المعتاد لمقابلة بابوية. وعلى رغم أن ماكرون قال على منصة "إكس" بعد المحادثات، "نتشارك الاقتناع نفسه في مواجهة الانقسامات التي يشهدها العالم، يعد العمل من أجل السلام واجباً وضرورة، وستواصل فرنسا العمل من أجل الحوار والعدالة والأخوة بين الشعوب"، غير أن "الشكوك" كانت حاضرة بقوة حول حقيقة ما دار بين الطرفين، على اعتبار أن الوضع العالمي المضطرب، كان يمكن إثارته في وقت مسبق أو لاحق، من دون اختيار عشية زيارة البابا إلى الجزائر.
ولكن بالعودة إلى حوار رئيس أسقف الجزائر الكاردينال جون بول فيسكو، لوكالة الأنباء الجزائرية، ساعات قبل زيارة ماكرون، تظهر بعض الرسائل المبطنة والإشارات التي دفعت الرئيس الفرنسي إلى استعجال تنقله إلى الفاتيكان، حيث ولدى توقفه عند نقاط التلاقي بين الجزائر والكرسي الرسولي، أبرز الالتزام المشترك لكليهما بدعم الشعوب المستضعفة وتعزيز قيم التعايش والحوار. وبعدما ذكر أن البابا يحل بالجزائر بصفته رجل سلام حاملاً خطاباً يحتاج إليه العالم اليوم بشدة، أوضح أن هذا النداء للسلام سينبثق من حوار صادق ليجعل من الجزائر نقطة إشعاع لرسالة موجهة إلى الإنسانية جمعاء، مؤكداً أن الجزائر تظل نموذجاً يحتذى في التعايش.
وعلى صعيد يتعلق بملف الذاكرة، استذكر رئيس أساقفة الجزائر "حجم العنف الذي مارسه المحتل الفرنسي في الجزائر"، مشيراً إلى أن 130 عاماً من الاستعمار الفرنسي خلفت جراحاً عميقة وآثاراً لا تمحى، بخاصة ما اتصل منها بتداعيات التفجيرات النووية في جنوب الجزائر.
وقال بهذا الخصوص إن هناك جرحاً عميقاً لا يمكن تجاوزه بسهولة، معرباً عن أسفه "لغياب كلمة حق واضحة حول تلك المرحلة"، وعبّر عن أمله في أن يحصل الاعتراف الصريح بالمعاناة التي تكبدها الشعب الجزائري لطي صفحة الماضي، وكشف أنه دعا البابا ومختلف الجهات المعنية إلى "ضرورة تحمل القوى الاستعمارية السابقة لمسؤولياتها التاريخية".
حوار ورسائل تكشف المستور؟
ووفق ما جاء في الحوار، فإن تحرك الرئيس الفرنسي إلى دولة الفاتيكان ولقاءه البابا على انفراد لمدة تخطت الساعة من الوقت خلافاً للعادة، إنما يأتي لـ"شرح وتوضيح" بعض الملفات التي تعتبر نقاط خلاف بين الجزائر وفرنسا، بينها الاستعمار ومسألة الاعتراف بالجرائم الفرنسية في الجزائر وموضوع الحريات الدينية ودعم الشعوب المستضعفة وتعزيز قيم التعايش والحوار.
وجاءت زيارة ماكرون إلى الفاتيكان، تزامناً مع رسائل ثلاث منظمات حقوقية دولية إلى البابا لاوون، تطلب منه فتح ملفات التضييق على حرية التعبير وعلى ممارسة الشعائر الدينية، هي "هيومن رايتس ووتش" و"يوروميد رايتس" و"مينا رايتس غروب"، الأمر الذي زاد من الشكوك حول ضغط تحاول باريس ممارسته للحصول على مزايا وتحقيق مصالح، وعلى رأسها إطلاق سراح الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر بتهم الإرهاب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
تبريرات باريس
في المقابل، تتحدث أطراف فرنسية أن الرئيس ماكرون يستهدف استثمار علاقته الجيدة مع البابا، لتوجيه دعوة رسمية له لزيارة فرنسا، بعدما أخفق سابقاً في إقناع سلفه البابا فرنسيس بزيارة باريس وحضور إعادة افتتاح كاتدرائية نوتردام في عام 2024. وأضافت أن زيارة الفاتيكان جاءت لتعويض تأجيل قمة فرنسية - إيطالية إلى موعد لم يُحدد بعد، كانت مقررة في مدينة تولوز بين ماكرون ورئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، التي اعتبرت جهات أوروبية عدم تحقيقها بأنها فشل فرنسي بامتياز.
كذلك أبرز الإعلام الفرنسي أن زيارة ماكرون إلى الفاتيكان تكتسب أهمية استثنائية، لكونها تسبق بأيام قليلة الرحلة التاريخية للبابا لاوون إلى الجزائر، وهي الأولى من نوعها لحبر أعظم. ووسط هذه الأجواء، من المنتظر أن يحمل البابا رسائل فرنسية ضمنية، أبرزها ملف الصحافي كريستوف غليز، القابع في السجن منذ يونيو (حزيران) 2025.
الكنيسة: "الجزائر تُعد نموذجاً للتعايش بين الديانات"
وفي السياق، قال رئيس كاتدرائية القديس أوغسطينوس في عنابة، شرق الجزائر، الأب فريد ويكيسا، إن زيارة بابا الفاتيكان لحظة بالغة الأهمية، مضيفاً أنه "بزيارة البابا سيشهد العالم أجمع كرم الضيافة وحسن استقبال الشعب الجزائري"، و"نحن قادرون على العيش معاً بسلام".
من جانبه، أوضح رئيس دير أدرار، جنوب الجزائر، الأب خوسيه ماريا كنتال، أن زيارة البابا لاوون إلى الجزائر ستنقل رسالة مهمة خلال رحلته الأفريقية، تتمثل في تعزيز قيم التعايش ونشر الحوار بين الناس والثقافات المختلفة، مبرزاً أن "الجزائر تُعد نموذجاً في أفريقيا للتعايش بين الديانات، إذ تمثل رمزاً للتسامح بين الإسلام والمسيحية، ويظهر ذلك في تاريخها السياسي سواء القديم أو المعاصر، مما يعكس طبيعة المجتمع الجزائري القائمة على الانفتاح والتسامح". وتابع أن التعايش في الجزائر ليس مجرد خطاب نظري، بل واقع يومي يتجسد في الممارسات البسيطة، مثل المشاركة في أمور كثيرة والمبادرات المشتركة بين المسلمين والمسيحيين في الأنشطة الاجتماعية والبيئية، بما فيها الحملات التطوعية.