Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تعيد هوليوود إنتاج أسطورة الجندي الخارق؟

فيلم للأسترالي باتريك هيوز حول صراع بقاء دموي بين الإنسان والتكنولوجيا

لقطة من الفيلم (نتفليكس)

ملخص

القيمة التحليلية للفيلم لا تكمن فقط في ضعفه السردي أو التقني، بل في بنيته الأيديولوجية. هنا، لا يقدم العمل مجرد قصة عن جنود يقاتلون كائناً فضائياً، بل يعيد إنتاج خطاب طويل حول "الجندي الخارق".

نادراً ما يقدم فيلم مثل War Machine نفسه بوصفه تجربة تستحق التأمل، بقدر ما يفرض حضوره كمنتج مألوف منذ اللحظة الأولى، كأنه مُصمم ليشاهد لا ليُفكر فيه. هذا العمل، من إخراج الأسترالي باتريك هيوز وبطولة الأميركي آلان ريتشسون، لا يخفي انتماءه إلى تقليد طويل من سينما الخيال العلمي العسكرية، بل يكاد يكتفي بالاستقرار داخله.

إذ يستدعي بوضوح أفلاماً مثل Predator وThe Terminator  وAliens، لا ليعيد تأويلها، بل تدويرها. والنتيجة عمل يبدو متماسكاً على مستوى الصياغة، لكنه يفتقر إلى أي طموح مفاهيمي، فيلم يعمل بكفاءة، لكن من دون أن يقول شيئاً جديداً.

على مستوى البناء السردي، يلتزم الفيلم الذي تبثه "نتفليكس" بمنطق يكاد يكون خوارزمياً. فالبطل المعروف فقط بالرقم "81"، يُمنح خلفية محدودة قائمة على الصدمة، وهي حيلة سردية باتت تُستخدم كاختصار جاهز للدلالة على العمق النفسي في سينما الأكشن المعاصرة. تجربته في قندهار إلى جانب شقيقه لا تعمل بوصفها استكشافاً فعلياً للحزن، بقدر ما تؤدي وظيفة ميكانيكية تتمثل في تحفيز استرجاعات متكررة.

هذه الانقطاعات، بدلاً من أن تثري العالم السردي، تُفتته، مولدة إيقاعاً متعثراً يتأرجح بين التأمل والاستعراض. أما مشاهد التدريب اللاحقة في كولورادو، التي يُفترض أنها تؤسس لعلاقات الشخصيات ورهانات العمل، فتتحول إلى عروض متكررة للقدرة على التحمل، خالية من أي توتر درامي حقيقي.

الروبوت

عندما ينتقل الفيلم إلى صراعه المركزي، أي مواجهة آلة فضائية، يأتي هذا التحول مفاجئاً من دون أن يكون تحويلياً. الكائن المعادي، الذي يستحضر بصرياً الروبوتات العسكرية أكثر من "الآخر" العضوي، يفتقر إلى الكثافة الرمزية التي ميّزت نماذج سابقة في هذا النوع.

ففيPredator، على سبيل المثال، كان الكائن الفضائي صياداً ومرآة في آن، يكشف هشاشة التفوق التكنولوجي البشري. أما هنا، فتعمل الآلة بوصفها تهديداً أداتياً خالصاً، تحكمه معادلة مبسطة من الرصد والاستهداف والتدمير. حضورها يولد الحركة، لا المعنى.

من الناحية التقنية، يُظهر الفيلم قدراً من الكفاءة، لا سيما في تصميمه الصوتي. فالبعد السمعي في War Machine   يُعد من أكثر عناصره فاعلية، حتى وإن ظل في النهاية محدود الأثر الجمالي.

أزيز الآلة، ودوي الانفجارات، والملمس الصوتي العنيف لارتطام الأجساد، كلها تُقدَّم بوضوح يعزز إحساس الفورية في مشاهد الأكشن. هناك تركيز واضح على الترددات المنخفضة، مما يخلق تجربة مشاهدة جسدية تكاد تكون ملموسة.

غير أن هذه الكثافة الصوتية تفتقر إلى التنويع. فالمشهد الصوتي، شأنه شأن الصورة، يغدو رتيباً مع مرور الوقت، معتمداً على التصعيد لا على التلوين. وبهذا المعنى، يعكس الفيلم نزعة أوسع في سينما الأكشن المعاصرة، حيث يُستعاض عن التعقيد السردي أو الدلالي بالإفراط الحسي.

 

 

لذلك، يمكن وصف المستوى العام للفيلم بأنه غير متكافئ. يُظهر هيوز قدرة على إخراج مشاهد الحركة، خصوصاً تلك التي تتضمن تفاعلاً جسدياً مع البيئة. بعض المقاطع، مثل عبور تضاريس خطرة تحت التهديد، تُنفَّذ بدرجة من الوضوح المكاني باتت نادرة في الأعمال المشبعة رقمياً.

غير أن هذه اللحظات تُقوَّض بسيناريو يتأرجح بين الابتذال والسخرية غير المقصودة. يغرق الحوار في الكليشيهات، عاجزاً عن بناء أصوات مميزة للشخصيات أو الحفاظ على توتر درامي. كما أن اعتماد الأرقام لتعريف الشخصيات يزيد من هذه المشكلة، محولاً إياها إلى وحدات متشابهة داخل آلة قتالية أكبر.

الدعاية الأميركية

ضمن هذا الإطار تتكشف الأبعاد الأيديولوجية للفيلم بوضوح أكبر. يندرج العمل ضمن تقليد راسخ في تمثيل الجيش الأميركي بهوليوود، تقليد طال تحليله في سياق أعمال مثل Top Gun  وأعمال أحدث.

ويستحق تصوير عملية التدريب تحديداً وقفة نقدية. فتركيز الفيلم المطول على تمارين التحمل الجسدي، من الغوص بأوزان ثقيلة إلى سيناريوهات البقاء القاسية، يصور جسد الجندي بوصفه موقعاً للتحول، وسيطاً يُعاد من خلاله تشكيل الأفراد العاديين ليصبحوا أدوات للقوة الوطنية. هذه العملية لا تُعرض بوصفها ضرورة فحسب، بل كقيمة أخلاقية بحد ذاتها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

غير أن القيمة التحليلية للفيلم لا تكمن فقط في ضعفه السردي أو التقني، بل في بنيته الأيديولوجية. هنا، لا يقدّم العمل مجرد قصة عن جنود يقاتلون كائناً فضائياً، بل يعيد إنتاج خطاب طويل حول "الجندي الخارق"، ذلك الكائن الذي يتجاوز حدوده البشرية ليصبح أداة مثالية للدولة. ويمكن تفكيك هذا الخطاب عبر خمس آليات مركزية تتداخل داخل الفيلم:

أولاً، فلسفة الرقم وإلغاء الذات. لا يكتفي الفيلم بعرض التدريب القاسي، بل يرسخ منطقاً يقوم على محو الفردانية. الجنود بلا أسماء، مجرد أرقام. هذه ليست تفصيلة شكلية، بل بنية فكرية، حيث يُعاد تعريف الإنسان بوصفه وحدة وظيفية داخل آلة أكبر. موت الجندي لا يُقدَّم كمأساة، بل كخلل تقني يمكن تعويضه. بهذا، يشرعن الفيلم فكرة القابلية للاستبدال، وهي إحدى ركائز الخطاب التعبوي العسكري.

 

 

ثانياً، الجسد بوصفه تكنولوجيا. في مواجهة آلة متقدمة، يقدّم الفيلم الجسد البشري، وتحديداً جسد الممثل آلان ريتشسون، كبديل تكنولوجي. التدريب هنا ليس إعداداً، بل ترقية. المشي تحت الماء، تحمل الألم، دفع الجسد إلى أقصاه، كلها تُعرض كعمليات تحديث بيولوجي. الجيش، وفق هذا المنطق، لا يحمي فقط، بل يعيد تصنيع الإنسان، يحوله إلى كيان يتجاوز حدوده الطبيعية.

ثالثاً، غسل الأخلاق عبر العدو غير البشري. اختيار آلة كعدو ليس بريئاً. فالعدو هنا بلا وجه، بلا لغة، بلا قضية. وبهذا، يُلغى أي سؤال أخلاقي. القتل يصبح عملية تقنية، لا تستدعي تردداً أو مراجعة. في هذا السياق، تتحول الحرب إلى فعل نظيف، خال من التعقيد الإنساني، ما ينسجم مع منطق دعائي يهدف إلى تبسيط العنف وتبريره.

رابعاً، عسكرة الصدمة. بدلاً من تقديم الصدمة النفسية كجرح يحتاج إلى شفاء، يعيد الفيلم توظيفها كوقود. ألم البطل لا يقوده إلى الشك، بل إلى مزيد من العنف. الحزن يتحول إلى طاقة قتالية. بهذا، تُعاد صياغة التجربة الإنسانية الأكثر هشاشة لتصبح أداة ضمن منظومة القوة، وهو ما يفرغها من بعدها النقدي.

خامساً، جماليات القوة. يعتمد الفيلم على إخراج بصري يضفي على العنف طابعاً جمالياً. الأجساد، الأسلحة، الحركة الجماعية، كلها تُصوَّر بتناغم بصري يجعلها جذابة. هذه الجمالية لا تكتفي بعرض القوة، بل تغري بها. المشاهد لا يرى فقط، بل يُدفع، بشكل ضمني، إلى الرغبة في الانتماء إلى هذا العالم المصقول بصرياً.

ضمن هذا الإطار، يصبح واضحاً أن War Machine لا يحتفي فقط بأسطورة الجندي الخارق، بل يكشف أيضاً حدودها. فالإفراط في التكرار، وغياب التعقيد، وتحويل كل شيء إلى وظيفة، يؤدي في النهاية إلى نتيجة معاكسة: تفريغ هذه الأسطورة من معناها. الجندي الخارق هنا ليس بطلاً بقدر ما هو قشرة، حضور جسدي بلا عمق. والعدو، بدوره، ليس تهديداً حقيقياً، بل ذريعة لاستمرار الفعل.

لذلك، فإن فشل الفيلم لا يكمن فقط في كونه متوقعاً أو مشتقاً، بل في كونه غير فضولي. إنه لا يسأل، ولا يشك، ولا يتوقف عند ما يعرضه. يقدم الحرب كاستعراض، والإنسان كأداة، والعنف كضرورة. وفي هذا، لا يعكس خيالاً مستقبلياً، بل يكرر ماضياً سينمائياً مستهلكاً، أكثر فراغاً، وأكثر آلية، وأقل قدرة على الإقناع.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما