جدل في الجزائر بعد غلق "كنائس بروتستانتية"

سجالات حول "حرية المعتقد" و"محاربة التبشير"

كنيسة السيدة الأفريقية في أعالي باب الوادي بالعاصمة الجزائرية (بلدية القصبة)

أعلنت سلطات محافظة تيزي وزو بمنطقة القبائل (100 كيلومتر شرق العاصمة) إغلاق 12 "كنيسة فوضوية في إقليم الولاية لعدم حصولها على تراخيص لممارسة نشاطها"، ودشنت عمليات "مداهمة" أماكن العبادة المعنية، ردوداً متباينة، لكن السلطات الجزائرية أعادت التأكيد على تطبيق قانون الشعائر الدينية لغير المسلمين بـ "حذافيره".

غلق 12 كنيسة "غير مرخصة"

بأمر من والي محافظة تيزي وزو محمود جامع (أعلى منصب في كل محافظة)، شمعت مصالح أمنية جزائرية العديد من أماكن العبادة الفوضوية المخصصة لمعتنقي الديانة المسيحية بالمنطقة، وأعلن بيان للمحافظة أن تلك الأماكن "تخالف نص القانون المنظم لممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين بالجزائر الصادر عام 2006"، ويمنع القانون أداء الشعائر الدينية غير الإسلامية خارج الأماكن المخصصة والمرخص لها من اللجنة الوطنية للشعائر الدينية.

ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن رئيس الكنيسة البروتستانتية بالجزائر القس صالح شلاح أن السبب الرسمي لهذا الغلق "هو ممارسة شعيرة دينية من دون ترخيص"، لكنه اعتبر هذا السبب "ذريعة"، مشيراً إلى أنه "منذ 2018 تم إغلاق 12 دار عبادة تابعة للكنيسة البروتستنتية بالجزائر" بينما "تم غلق ثلاثة يومي الثلثاء والأربعاء وتقع كلها بمحافظة تيزي وزو".

أضاف "نحن نعتبر أننا نحترم القانون"، مشيراً إلى أن لدى الكنيسة البروتستانتية 46 دار عبادة في 12 ولاية من أصل 48 في البلد وحوالى 10 آلاف مؤمن منضوون تحت جمعية معترف بها منذ 1974".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تغريدة تثير الجدل

وأثارت تغريدة للأستاذ الجامعي، ناصر جابي والناشط في الحراك الشعبي، على صفحته الخاصة بـ "فيسبوك" جدلاً مضاعفاً حول غلق تلك المواقع الدينية وعلاقتها بسكان المنطقة "الأمازيغ"، فقد كتب جابي يقول "استفزاز أبناء منطقة القبائل ومن ورائهم كل الجزائريين مستمر، فبعد منع الراية، جاء دور الكنيسة، على من يكون الدور يا ترى في الأيام المقبلة"؟

لكن جابي عاد وكتب مرة أخرى بعدما لاحظ عدد الردود "الغاضبة" من ربط المسيحية بمنطقة القبائل تحديداً فقال "ما كتبته على صفحتي أثار موجة تعليقات واسعة عبرت في بعض الاحيان عن تدنٍ واضح وانغلاق فكري لم أكن أتوقع انتشاره بهذا الحجم عندنا على الرغم من أن فكرتي كانت بسيطة، وهي تأييد لحق الجزائريين، كل الجزائريين، مهما كانت قناعتهم الفكرية أو الدينية في العيش المشترك بحرية وسلام في وطنهم".

وتابع "عبرت عن رفض استغلال هذه الاختلافات الموجودة في كل المجتمعات لخلق استقطابات سياسية لا تخدم الجزائر والجزائريين في هذا الوقت بالذات من قبل سلطة اكتشفت فجأة أن هناك كنائس غير مرخص لها في منطقة القبائل فقط".

غريب أمر بعض المثقفين

ورد النائب البرلماني السابق يوسف خبابة على منشور جابي وقال "غريب أمر بعض المثقفين يعتبرون أبناء منطقة القبائل طائفة مسيحية ويتحسرون على غلق كنائس غير مرخصة، هذا تزييف للحقيقة، فأبناء القبائل رجال أصلاء تاريخاً وحاضراً ومستقبلاً، وحملوا رسالة الإسلام منذ 14 قرناً، وحملوا راية الإسلام إلى أوروبا كما شاركوا في فتح فلسطين مع صلاح الدين وهم كذلك إلى يوم الدين".

وقال الأمين العام للمجلس الإسلامي الأعلى البروفيسور بوزيد بومدين "غلق محلات وقاعات غير مرخص لها لممارسة الشعائر الدينية الجماعية قد أثار لغطاً، في حين أن هذا الإجراء الأمني يحدُث من حين لآخر في ولايات الوطن، ومنها ولاية وهران من دون صَخب إعلامي، ولعل ذلك تزامن مع حالة الصدام بين السلطة والشارع في الجمع الأخيرة".

مواقف مؤيدة ومستنكرة

وقال بومدين "بعض الزملاء الجامعيين والإعلاميين في مواقف مؤيدة ومستنكرة، يخلطون فيها بين حرية التفكير وحرية ممارسة التدين الجماعي التي تخضع لقوانين منظمة صدرت عام 2006 بما فيها ممارسة المسلمين شعائرهم، فمواد الدستور تكفل الحق في العقيدة وممارسة الشعائر، فبناء المساجد ودور العبادة والكنائس تخضع لترخيص من وزارة الداخلية، وأداء أول صلاة جمعة في مسجد جديد يخضع كذلك لترخيص موقع من وزير الشؤون الدينية شخصياً".

ويوضح بومدين الذي شغل منصباً مهماً في وزارة الشؤون الدينية سابقاً في فترة إقرار قانون الشعائر لغير المسلمين "مشكلة الإدارة الجزائرية في تسيير الشأن الديني مع البروتستانتية وليس مع الكاثوليكية، ترى لماذا لا يشتكي الكاثوليك حتى وإن كان لهم انتقاد ولكن ليس باللهجة نفسها؟ وما هي العلاقة بين البروتستانت في منطقة شمال أفريقيا بالخصوص مع اليمين الجديد في الولايات المتحدة الأميركية"؟

أكثر من ذلك يقول بومدين "من ضمن قوانين حرية وحق ممارسة الشعائر الدينية لغير المسلمين تعيين رجال دين في وزارة الشؤون الدينية يتلقون رواتبهم وضمانهم الاجتماعي مثل الموظفين الجزائريين مع اشتراط الجنسية الجزائرية طبعاً، وختم "نعم وألف نعم للحريات الفكرية والدينية الفردية والجماعية وما أحوجنا إلى ذلك، ولكن ممارسة التدين الجماعي يحتاج للتقنين والضبط بما فيها الجماعات الإسلامية التي تريد أن تكون لها مساجدها.

الشعائر لغير المسلمين

خلال أربع سنوات التي أعقبت عام 2006 تاريخ إقرار قانون للشعائر الدينية لغير المسلمين، أثار الجدل دولياً حول عمليات غلق مستمرة لكنائس لا تملك الترخيص غالبيتها في منطقة القبائل، ودرجت تقارير دولية على نقد الحكومة الجزائرية، ومعظمها كان يصدر في التقرير السنوي لحقوق الإنسان لكتابة الدولة الأميركية، أو عن الاتحاد الأوروبي.

وتطور الخلاف الجزائري الغربي بعد أمر القضاء الجزائري ترحيل القس الأميركي هيو جونسون الرئيس السابق للكنيسة البروتستانتية في الجزائر بطلب من وزارة الداخلية.

والقس هيو جونسون تقاعد من رئاسة الكنيسة البرتستانتية في مايو (أيار) 2006، بعدما أقام في الجزائر منذ 45 عاماً، كما شهدت الجزائر قبله جدلاً آخر بعد الحكم على القس الكاثوليكي الفرنسي بيار فاليز في وهران (400 كيلومتر غرب العاصمة) بالسجن عاماً مع وقف التنفيذ، بتهمة "نشاطات دينية تبشيرية" بين مهاجرين غير شرعيين من الكاميرون.

وعقدت الجزائر لقاءات متعددة لمسؤولين غربيين مع نظرائهم في وزارة الشؤون الدينية والأوقاف لـ "طمأنة معتنقي المسيحية" ما أدى إلى تخفيف حدة تلك التقارير واختفائها تماماً، وصولاً إلى "مصالحة نهائية" في مراسم تطويب رهبان دير "تيبحيرين" في ديسمبر (كانون الأول) الماضي بوهران، بحضور وفد من الفاتيكان.

غلق إذاعات وكنائس

لا تملك الجزائر تقارير رسمية عن عدد معتنقي المسيحية في البلاد، لكنها بـ "خلفية أمنية" أبدت تشدداً واضحاً مع عمليات سمتها "تبشيرية خارج القانون" استهدفت منطقة القبائل في حد ذاتها، وفقاً لما ورد في تقارير أمنية سابقة اطلعت عليها "اندبندنت عربية". وأغلقت السلطات الجزائرية في سنوات خلت كنائس "غير مرخصة" وإذاعات مسيحية كانت تبث باللغة الأمازيغية.

ويعتقد، وفق أرقام صادرة عن وزارة الشؤون الدينية، وجود 32 كنيسة عبر المحافظات الجزائرية تنشط بشكل رسمي، قبل إضافة 16 على الأقل جميعها تلقت مراسلات رسمية لمطابقة نشاطها بأثر رجعي مع قانون الشعائر الدينية لغير المسلمين.

وقال المحامي عمار خبابة بخصوص هذا الملف "يجب أن نعرف أن الجزائر شهدت فوضى كبيرة في كل القطاعات بما فيه القطاع الديني، لذلك نحن أمام سوق موازية حتى في الملف الديني". ويضيف "البعض يرفع ذريعة المس بحرية الأديان وخير دليل هو اعتراف أسقف الجزائر، فالدستور والقانون يكفلان حرية العبادة، أما القانون فهو يطبق على المساجد والكنائس على حد سواء، بل إن هناك رقابة مشددة على الجمعيات الدينية الإسلامية نفسها، إذ تقدم محاضر للسلطات العليا عبر البلديات ومصالح الأمن، لذلك، فالغريب وبعض المثقفين كانوا يحلمون".