ملخص
خلال الحرب العالمية الثانية ورداً على الهجوم الياباني في "بيرل هاربر"، أُعيد تفعيل الفرقة في الـ13 من فبراير (شباط) 1942 لتصبح الفرقة 82. وصدرت أوامر بدخولها الخدمة الفعلية خلال الـ25 من مارس (آذار) 1942 داخل معسكر كلايبورن في لويزيانا، تحت قيادة الجنرال عمر برادلي
قوات أميركية "إضافية" إلى الشرق الأوسط. الأمر ليس جديداً والحدث ليس فريداً، لكنه يستحضر مخاوف من نوع خاص ويستوجب حذراً وحرصاً يضافان إلى حزمة الوجل السائدة، وتثير ذكريات يقول بعضٌ إنها سيئة، ويصفها خبراء بأنها تمثل تاريخاً معاصراً من التدخل المباشر والقرارات المتأرجحة بين حتمية إظهار القوة وضبط المجريات بناءً على توازنات أميركا، وبين ضرورة الاستفادة من تجارب سيئة أو مريرة أو متسرعة سابقة.
وتؤكد عدة تقارير أن وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون) أرسلت آلاف الجنود من الفرقة 82 المحمولة جواً إلى الشرق الأوسط. وكان التصريح قد سبقه حديث عن أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدرس نشر جنود أميركيين إضافيين بأعداد كبيرة داخل المنطقة. وخلص خبراء ومحللون إلى أن خطوة إرسال جنود أميركيين تفتح خيارات عدة، بينها زيادة التصعيد، بل واحتمالات دخول قوات من المشاة الأراضي الإيرانية.
حتى اللحظة، تظل الأعداد المتوقعة غير معروفة والوجهة في الشرق الأوسط غير محددة، أو بالأحرى غير معلنة. الجنود المتوقع وجودهم في خضم الصراع داخل الشرق الأوسط كانوا متمركزين في قاعدة "فورت براغ" بولاية نورث كارولاينا الأميركية. لكن ماذا عن الفرقة 82؟ وماذا نعرف عنها؟ وكيف كان حضورها في الشرق الأوسط؟ وأبرز محطاتها.
هؤلاء ليسوا جنوداً مقاتلين عاديين، بل من الفرقة 82 المحمولة جواً التابعة لفرق النخبة، وهو ما يعني كثيراً. تأسيس هذه الفرقة يعود إلى عام 1917، حين جرى تشكيل الفرقة 82 في الجيش الوطني الأميركي لدعم دخول أميركا الحرب العالمية الأولى. وبحسب موقع الفرقة التابع للجيش الأميركي، فقد جرى تنظيمها في معسكر غوردون القريب من أتلانتا داخل ولاية جورجيا.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن المعسكر نفسه لم يعد موجوداً، فإنه توجد لوحة تذكارية للفرقة والمعسكر الأصلي في موقع مطار بيتش ترى في جورجيا. وخلال الحرب العالمية الأولى، بذلت القيادة الأميركية جهوداً لسبغ تسميات وألقاب على الفرق والوحدات العسكرية بغرض تعزيز روح الفريق والترابط بين الجنود، ولم تكن الفرقة 82 استثناءً.
القائد العام للفرقة وقتها العميد دبليو. بي. بورنهام أجرى مسابقة بالتعاون مع أفراد الفرقة وسكان أتلانتا، وصحيفة "أتلانتا جورجيان" لاختيار اسم مناسب لها. وكانت الفرقة تضم عدداً من المهاجرين الذين لا يجيدون الإنجليزية، وضمت أفراداً من الولايات الأميركية كافة، وهو ما كان أمراً فريداً خلال هذا الوقت، فتمت تسميتها فرقة الأميركيين. وكان شعار الفرقة الأصلي يتمثل في مربع أحمر داخله دائرة زرقاء على صورة حرفي AA مزدوجين باللون الأزرق. وكانت الفرقة 82 إحدى أوائل الفرق الأميركية السبع التي وصلت إلى بريطانيا، وشاركت في القتال داخل فرنسا.
حربان عالميتان وثالثة باردة
وخلال الـ27 من مايو (أيار) 1919، جرى تسريح الفرقة بعد عودتها إلى أميركا عقب انتهاء الحرب العالمية الأولى، قبل أن يُعاد تشكيلها ضمن الاحتياط المنظم. وأصبح مقرها المبنى الفيدرالي داخل كولومبيا في كارولاينا الجنوبية.
وخلال الحرب العالمية الثانية ورداً على الهجوم الياباني في "بيرل هاربر"، أُعيد تفعيل الفرقة في الـ13 من فبراير (شباط) 1942 لتصبح الفرقة 82. وصدرت أوامر بدخولها الخدمة الفعلية خلال الـ25 من مارس (آذار) 1942 داخل معسكر كلايبورن في لويزيانا، تحت قيادة الجنرال عمر برادلي. وخلال الخامس من أغسطس (آب) 1942 أعيد تنظيمها وأطلق عليها اسم الفرقة 82 المحمولة جواً. وكانت الفرقة 82 أول فرقة أميركية تحصل على هذا الاسم. أما الرقم 82، فيأتي نتيجة التسلسل الرقمي لفرق الجيش الأميركي أثناء هذا الوقت.
وتوالى ضلوع الفرقة 82 في عمليات عسكرية عدة، من شمال أفريقيا حيث تدرب أفرادها على الهجوم المحمول جواً على جزيرة صقلية عام 1943، إلى إيطاليا خلال عام 1943 للمساعدة في تأمين الحلفاء، إلى المشاركة ضمن عمليات داخل كل من بريطانيا ونورماندي وهولندا وبلجيكا عامي 1944 و1945، وألمانيا عام 1945 حيث اكتسبت أحد أسمائها وهو "حرس شرف أميركا"، بعد تمكنها من إجبار 146 ألف جندي من الجيش الألماني على الاستسلام غير المشروط.
ومن الحربين العالميتين إلى الحرب الباردة، وقيام الفرقة بدور "قوة الدفع الاستراتيجية خلال الستينيات. وقامت بتدريبات مكثفة طوال أعوام الحرب الباردة لتُصنف من قبل الجيش الأميركي كـ"قوة الرد السريع الاستراتيجية للبلاد". وشاركت ضمن عدد من التدريبات في أميركا، وكذلك داخل غرينلاند وألاسكا وأميركا الجنوبية وتركيا وأفريقيا.
ومن محاربة الأعداء ودعم الحلفاء إلى مناهضة الأفكار السياسية العدائية، وعمليات قامت بها الفرقة في الدومينيكان (إحدى دول الكاريبي) عام 1965، ووصول قوات الفرقة 82 حيث جرى قمع التمرد الشيوعي، ومنها إلى فيتنام خلال العام التالي لدعم العمليات الأميركية هناك وتنفيذ مهام قتالية في منطقة هوي فو باي، قبل أن تتجه جنوباً نحو سايغون وخوض عدد من المعارك. واستمرت الفرقة في عملياتها داخل فيتنام 22 شهراً قبل أن تعود إلى أميركا.
وتوجهت إلى جزيرة غرينادا المتناهية الصغر "لمساعدة الحكومة الديمقراطية لدحر انتفاضة شيوعية" وذلك عام 1983. وخلال عام 1989، عاودت قوة "كل الأميركيين" دورها القتالي للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية في بنما، وذلك لإطاحة حاكم بنما العسكري السابق الراحل إيمانويل نورييغا، الذي كان ملقباً من قبل الإدارة الأميركية بالديكتاتور، وجرى بالفعل تفكيك النظام.
ومن بنما إلى حرب الخليج عام 1990 وبحسب موقع الفرقة التابع للجيش الأميركي، "فإنه بعد تسعة أيام من غزو العراق للكويت خلال الثاني من أغسطس 1990، أصبحت الفرقة 82 طليعة أكبر انتشار للقوات الأميركية منذ حرب فيتنام. وكانت الوحدة الأولى التي تنتشر في السعودية وتحديداً خلال الثامن من أغسطس قوة مهام تابعة للواء الثاني، وسرعان ما تبعتها بقية الفرقة. وبدأت تدريبات مكثفة استعداداً لمواجهة المظليين للجيش العراقي المدرع بشدة في الصحراء".
إلى بغداد وأفغانستان
وتركز تدريبهم على الدفاع الكيماوي وتكتيكات مكافحة الدروع وتمارين المناورة بالذخيرة الحية. وكان شعار المظليين "الطريق إلى الوطن يمر عبر بغداد". وفي الـ16 من يناير (كانون الثاني) 1991، بدأت عملية عاصفة الصحراء بقصف مكثف لأهداف عراقية. وبدأت الحرب البرية بعد ستة أسابيع خلال الـ23 من فبراير، ونفذت الفرقة 82 مناورات التفافية في عمق العراق. وتشير معلومات الجيش الأميركي على موقعه إلى "إنه في حرب برية قصيرة استمرت 100 ساعة، توغلت الفرقة 82 المحمولة على مركبات في عمق العراق، وأسرت آلاف الجنود العراقيين، واستولت على أطنان من المعدات والأسلحة والذخائر. وبعد تحرير الكويت، بدأت الفرقة 82 بالانتشار عائدة إلى فورت براغ، وعاد معظم أفرادها بحلول نهاية أبريل (نيسان) 1991.
ومن حرب الخليج إلى حرب الإرهاب، والتغيرات الكبرى التي طرأت في أميركا عقب هجوم الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001، ودعوة الرئيس السابق جورج دبليو بوش الجيش الأميركي لمحاربة الإرهاب العالمي، وهي الدعوة التي أدت إلى انتشار فرقة "بانثر" وغيرها من وحدات الفرقة 82 داخل أفغانستان لدعم عملية الحرية الدائمة، وهو الاسم الذي أطلقته أميركا على المرحلة الأولى من حربها ضد الإرهاب في أفغانستان.
وتوالت العمليات داخل المنطقة، فخلال فبراير 2003 انتشرت القوات ضمن عملية حرية العراق، ونفذت الفرقة عمليات قتالية في أنحاء العراق كافة. وبقي اللواء الثاني في العراق مواصلاً تنفيذ مهامه القتالية. وبحلول نهاية أبريل 2004، كانت قوات الفرقة 82 عادت إلى قاعدتها في فورت براغ بكارولاينا الشمالية.
وفي سبتمبر من العام 2004، عاودت الفرقة 82 انتشارها داخل أفغانستان لدعم فرقة العمل المشتركة على هامش الانتخابات الأفغانية. وخلال ديسمبر 2004، انتشرت كتائب تابعة للفرقة 82 في العراق "لتوفير بيئة آمنة ومستقرة لأول انتخابات وطنية حرة في تاريخ البلاد، ليتمكن 8 ملايين عراقي من الإدلاء بأصواتهم"، وهو ما تكرر خلال سبتمبر وديسمبر 2005، ويناير 2006.
وشهد عام 2007 ذروة الوجود العسكري الأميركي بصورة عامة في العراق، بعدما جرى إرسال قوات إضافية تمركز معظمها داخل بغداد ومحيطها للسيطرة على العنف الطائفي.
وتكررت عودة الإرسال للقوات الأميركية، وبينها وحدات وأفراد من الفرقة 82 إلى العراق وأفغانستان خلال الأعوام التالية، إلى أن انتهى الوجود الأميركي العسكري في أفغانستان بصورة مفاجئة ومباغتة خلال أغسطس (آب) 2021، وتعود "طالبان" لتتسلم حكم البلاد.
وكان للفرقة 82 دور تفخر به الإدارة الأميركية في محاربة "داعش" وذلك ضمن التحالف الدولي لدحر التنظيم، خلال عامي 2014 و2015. ويقول الجيش الأميركي إن الحملة "نجحت في إبطاء زخم هجمات ’داعش‘".
وضلعت الفرقة في العمليات المكثفة لدحر تنظيم "داعش" بين عامي 2016 و2024، سواء "للمساعدة في إعادة بناء قوات الأمن العراقية لاستعادة الموصل من مقاتلي التنظيم، أو لتقديم المشورة للقوات العراقية أو تمكينهم من تحرير بلدهم".
يشار إلى أنه خلال ديسمبر (كانون الأول) 2019 انتشرت قوات من الفرقة كقوة رد سريع في العراق، بعد التهديدات التي استهدفت السفارة الأميركية في أعقاب تصاعد التوترات مع إيران.
حضور ليس جديداً
حضور الفرقة 82 في الشرق الأوسط ليس جديداً. الخبرة طويلة والحضور متكرر، لكن تظل ردود الفعل والمواقف تجاه وجود قوات أميركية على الأرض في المنطقة محل قلق وتخوف.
مخاوف اتساع رقع الحروب والصراعات التي تشهد حضوراً لقوات أميركية تفرض نفسها، وذلك في ضوء الدروس الكثيرة من التاريخ المعاصر. تكرار ما يعرف بـمستنقعات الحروب البرية مثل العراق وأفغانستان يستدعي القلق. الرسائل التي يجري استخلاصها من اللجوء لنشر هذه القوات تراوح ما بين فشل الحلول الدبلوماسية وضغوط المفاوضات، وكذلك الحروب غير الممتدة المقتصرة على مواقع بعينها، أو درجات محدودة من تبادل إطلاق النيران، حتى الصواريخ والمسيرات العابرة لحدود الدول المتحاربة.
اللافت أن إرسال مزيد من القوات الأميركية، لا سيما بما يعرف بـ"قوات النخبة" أو الفرقة 82 المحمولة جواً، تثير المخاوف على جانبي الأطلسي. سكان الشرقين الأوسط والأدنى، باستثناء إسرائيل، تنتابهم مشاعر مختلطة تجاه الوجود العسكري الأميركي داخل المنطقة.
في الشرق الأوسط، باستثناء إسرائيل، خليط متناقض ومشاعر متعددة ومعقدة وأحياناً متضاربة تتمثل في درجات من المعارضة، مع الحاجة إلى التحالف من أجل التأمين والردع، وشعور بعدم الثقة الكاملة في النيات الأميركية، مع الاضطرار العملي والعقلاني للتحالف بغرض تعظيم التأمين، إضافة إلى استحضار مستمر لوقائع الحضور العسكري الأميركي في أماكن صراع مثل أفغانستان والعراق وسوريا وما آلت إليه الأوضاع، مع مخاوف من انتشار رقعة عدم الاستقرار الإقليمي.
ويقابل إرسال القوات الأميركية إلى خارج أميركا بصورة عامة، وإلى الشرق الأوسط خصوصاً، بخوف وقلق كبيرين في الداخل الأميركي.
استطلاعات الرأي الأميركية بعد حرب إيران تشير إلى تزايد نسبة الأميركيين المتخوفين من الآثار الممتدة لحرب إيران عليهم وعلى أسعار الوقود. وتزيد معدلات المطالبة بإنهاء الحرب وعدم إطالة أمدها، مقترنة بشعور الأميركيين السلبي بصورة عامة في شأن إرسال مزيد من القوات الأميركية إلى المنطقة.