ملخص
لا يقتصر تفرد مسلسل ’حكاية نرجس‘، على أداء بطلته ريهام عبدالغفور، وإنما يتمتع بعناصر فنية غاية في الدقة والجودة، إضافة إلى استناده إلى قصة حقيقية حول امرأة عاقر دأبت على خطف الأطفال بمساعدة زوجها وتربيتهم على أنهم أبناءها، إذ سادت حالة من الجدل بين المشاهدين كونهم يرفضون هذا الفعل ويحتقرونه ويتعاطفون مع ذوي الصغار، لكنهم في الوقت نفسه يلتمسون الأعذار للبطلة التي عاشت مرفوضة ومنبوذة وتحاول تعويض النقص الذي صدره لها المجتمع، لتحقق حلمها بالعيش كأنثى كاملة وفقاً للمعايير السائد والقاسية
أن تقدم عملاً مستنداً إلى جريمة واقعية، ليس ضمانة مطلقة للنجاح وجذب اهتمام المشاهدين، فمهما كان الحدث صادماً ومريباً يجب أن يكون هناك اجتهاد مواز يجعل الدراما جديرة بالمتابعة، ففي موسم دراما رمضان المصري لعام 2026 امتلأت الشاشات بأعمال تتخذ من ملفات القضايا أساساً لها، لكن قائمة المتفوقين تقلصت تماماً، وجاء على رأسها مسلسل "حكاية نرجس".
ففي حين كان الجمهور يتابع مع الحلقات جنباً إلى جنب أرشيف الجانية الحقيقية، ويتصفح فيديوهاتها وأقوالها وأفعالها وقصتها مع خطف الأطفال واستعارة حياة الأمومة الكاملة، قبل أن يهوى عالمها فجأة. فإن هذه التفاصيل لم تنقص أبداً من جرعات التشويق شيئاً، إذ إن الاعتناء بالتفاصيل وإتقان صنعة الفن جعل الجمهور متماهياً تماماً مع شخصيات المسلسل، فالمهم هو كيف تصيغ تلك الحكاية وتعيد تقديمها، لأن المفاجأة ليست في البداية أو النهاية، إنما في تقنيات السرد وإتقان التمثيل وذكاء زوايا التصوير، وصنع حالة من الإثارة من من دون استيراد أفكار دخيلة على بيئة الأحداث، إنما من صميم حياة الشخصيات وطبيعة المجتمع.
فن الحكي هنا والتمهيد للقصة وبناء تاريخ الشخصية بإقناع وهدوء وسلاسة هو ما جعل المشاهدين يلتمسون الأعذار للبطلة التي يرفضون سلوكها الإجرامي تماماً، فالأمر غير متعلق بتبرير الأفعال إنما بتفهم الدوافع مع الرغبة في أن تكون العواقب على قدر الجريمة، إنها حالة قد تبدو مربكة وتدعو إلى التساؤل والحيرة في بعض الأوقات مع إلقاء اللوم على معايير المجتمع الفاسدة إنسانياً، وهذا بالضبط تماماً ما ينبغي أن تفعله الدراما، التفكير وإعادة الحسابات والبحث عن تفسيرات وتحليل نفسيات البشر.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
مسلسل "حكاية نرجس" واحد من أهم أعمال موسم دراما رمضان في مصر هذه السنة بطاقم تمثيل شديد الموهبة، تتقدمهم ريهام عبدالغفور مع حمزة العيلي بثنائية شديدة الانسجام، ودورين سيظلان في الذاكرة طويلاً.
أمومة لكن مستعارة
التفاعل الكبير الذي تحظى به شخصية نرجس في الشارع، وارتفاع نسبة مشاهدة المسلسل تدريجاً على كل منصات المشاهدة، يقول إن صياغة الحكاية تسير في الطريق الصحيح، فمهما كانت سلوكيات البطل وأخلاقياته هناك علاقة بنيت على أساس متين بينه وبين الجمهور، تماماً مثلما يحدث في مسلسلات وأفلام مطاردات الشرطة للصوص، إذ يجد المشاهد نفسه متعاطفاً ومنخرطاً مع البطل الخارج عن القانون على رغم تصالحه التام مع ضرورة أن ينال عقابه، فهو في صف الإنسان الذي استعرضت القصة كل جوانب حياته وكيف وجد نفسه في طريق مسدود، بينما هو كمتفرج مقتنع تماماً أنه قد يكون ضحية لهذا الشخص بكل بساطة، ولهذا حماية لنفسه ولمجتمع يدفع في سبيل القبض عليه من دون أن ينقص هذا من حزنه عليه شيئاً، علاقة معقدة تكشف عن جانب نفسي ساحر للدراما التي تهتم بدواخل النفس مثلما تهتم بالتصاعد والتشويق، من دون أن تحول الحلقات إلى محاضرات أو تتعامل مع المشاهد على أنه غير مؤهل للحكم على الأشياء، وبحاجة إلى النصح والمواعظ المباشرة.
الواقعة الحقيقية تكشفت أحداثها في تسعينيات القرن الماضي، من خلال شخصية عزيزة (ابنة إبليس)، كما لقبت التي احترفت سرقة الرضع بعد إيهام من حولها بأنها حامل، إذ تنسبهم إلى نفسها وتربيهم كما أبنائها، الشخصية التي ظهرت بعد أن أدت عقوبتها في وسائل الإعلام بعد ذلك بعقدين من الزمان تقريباً، وهي تنفي التهم وتعيش الوهم تماماً، على رغم إثبات تحاليل الحمض النووي أن من تنسبهم إلى نفسها في الوثائق ليسوا أشقاء وليسوا أبناءها، حيث بدت برباطة جأش واستماتة في الإنكار وسوق الحجج التي سرعان ما ثبت تناقضها.
هنا يأتي دور الفن في رسم عالم متكامل يرى قصة عزيزة التي تتحول في المسلسل إلى نرجس، إنها المرأة التي نبذها الرجال والأمهات والحماوات وحتى الأشقاء والأقارب، فهي لا تكشف عن نفسها بسهولة وتبدو عنيدة تعشق المناطحة، وفوق كل ذلك عاقر، ويا له من عيب لا يغتفر في بعض الأوساط والمجتمعات التي تعتبره وصماً لا يزول وتبريراً لكل أشكال الإجحاف.
البحث عن القبول المجتمعي
يستقر في قلبها وعقلها هذا النقصان الذي يشوه نفسيتها ويترجم من ضمن ما يترجم جسمانياً في مرض الثعلبة الذي يجعل شعرها يتساقط، تحاول نرجس إخفاء فراغات شعرها بالحجاب وبطرق التصفيف الخادعة، وبرسم حاجبين كثيفين، كما تملأ فراغات أنوثتها أيضاً، التي أقنعها المجتمع أنها ستظل ناقصة ما لم تنجب طفلاً، حفرة عميقة تحاول أن تعيد بناءها بأن تشيد أسرة متكاملة العناصر لترقى لمعايير المجتمع، وتتخلص من المعايرة، حتى لو سلكت طريق الإجرام الذي دعمته بسلسلة من الكذب، الذي لن تنكشف ثغراته بسهولة، بدءاً من الحديث بثقة وقوة وثبات حول سلامتها من أية مشكلات تمنع الحمل على رغم أن طلاقها الأول كان لهذا السبب، ثم البطن المزيفة وصولاً إلى ادعاء عوارض الحمل المزعجة، وحتى صراخ الولادة الكاذب، لكن ما لا يبدو مزيفاً أبداً هو مشاعرها الجارفة ناحية الصغار المخطوفين، فحتى بعد أن قبض عليها كان كل ما يزعجها هو عدم تمكنها من إسعاد الطفل في عيد ميلاده.
تبدو تناقضات النفس البشرية شديدة الوضوح هنا، امرأة لا تتورع عن حرق قلوب الأمهات، في مقابل أن تنعم بلحظات أمومة تتيح لها بأن تشبه الجميع، وتمشي في المسار المرسوم مهما كانت طريقة التفكير والتدقيق المجتمعي هذه تحمل عوراً أخلاقياً، ومع ذلك تبدو شديدة الحنان مع الصغار المسروقين، فقد تماهت بصورة كاملة مع الفكرة واعتبرتهم أبناء رحمها، إنه التناقض الذي يظهر بقوة في التعامل مع الزوج الذي سيطرت عليه وأحكمت قبضتها بكل قوة، وأصبح عوني (حمزة العيلي)، طفلاً مطيعاً غير متمرد يساعدها في سرقة الأطفال، بعد أن خدعته وأوهمته أنه السبب في عدم الإنجاب، تدلـله وتراعيه وتهدهده وتتعامل معه بأمومة أيضاً تعوضه عن الأم التي لفظته، بل تمنحه أيضاً طرفاً صناعياً جديداً ليستمر هو الآخر في مدارة النقص الجسدي المتمثل بالنسبة إليه في ساقه المبتورة، إنهما ثنائي مرفوض من الأقربين يكملان بعضهما بعضاً بعناصر مزيفة ومسروقة.
فخ التعاطف
يتطور الأمر مع نرجس التي استبد بها هوس الأمومة، ليصبح هوساً بسلب أمومة الأخريات وتشكيل عصابة أسرية مع زوج شقيقتها الذي يحظى بمقت المشاهدين، الذي أدى دوره ببراعة تامر نبيل، إذ يبدو سحر الدراما مرة أخرى، فلا أي مبررات عاطفية وراء سلوك زوج الأخت الطامع غير الجدير بالثقة، لكن تبقى تساؤلات عدة حول خيارات التناول التي ربما كان يجب أن تمنح مساحة أكبر لإبراز مأساة الطرف الذي سرقت منه أطفاله، ليعطي المشاهد فرصة للتعاطف، فإذا كان السيناريو قد اهتم بتقديم خلفيات حياة البطلة التي حولها التنمر والضغوط والشعور بالدونية والألم النفسي إلى مجرمة، فكان يمكن أن يمنح الضحايا صوتاً أيضاً، كي لا يبدو التعاطف وكأنه يسير بقدم واحدة.
الارتباك أيضاً في صياغة أسباب اقتناع الزوج بأن يذهب هو للكشف الطبي، بدلاً منها حتى تتمكن من تزوير فحوصه ليبدو أمام نفسه وكأنه مصاب بعطب عدم الإنجاب، إضافة إلى عطب العرج، كان يمكن العمل عليه ليبدو منطقياً بصورة أكبر.
اللافت أنه كلما كان المشروع متكاملاً وعلى مستوى عال أصبحت التفاصيل السلبية مهما كانت صغيرة مقارنة ببقية أعمال الموسم يسلط عليها الضوء، لأن معايير الجودة تكون أعلى، ويضاف إلى هذه التفاصيل كذلك عدم الدقة في اختيار الملابس، أو في طريقة استعراض شخصيات العائلات الذين خدعتهم البطلة لسرقة أطفالهم الرضع، فإذا كانت قضايا مثل الاحتياج المادي والتخفي عن طريق ارتداء النقاب وإهمال الأمهات وحتى الأمية، تستحق لفت الانتباه فإن التنفيذ أيضاً شابه بعض الاستعجال.
لقطات ترسم لوحات
بخلاف عناصر التمثيل القوية التي تكتمل بأداءات لافتة لسماح أنور وأحمد عزمي ودنيا ماهر وعارفة عبدالرسول وبسنت أبو باشا وغيرهم، تأتي الكتابة التي يقف عليها محمد إسماعيل أمين وعمار صبري لتعطي للحكاية بعداً إنسانياً، لكن من يستحق التوقف هو المخرج سامح علاء في تجربته التلفزيونية الأولى بعد تجارب سينمائية قصيرة حصل فيها على إشادات وجوائز، أبرزها السعفة الذهبية بمهرجان كان السينمائي عن فيلمه "ستاشر" عام 2020، وصوته الفني المختلف جعله ينجح في تسكين الأدوار وفي قيادة الممثلين. وهنا ينبغي القول إنه مهما كانت قدرات الممثل فحسن الاختيار يكمل إبراز موهبته، إذ وضع سامح علاء مع نص نابض بالحياة هو بالأساس فكرته، بصمته على الشخصيات التي لا يتعامل معها على أنها كائنات أحادية غير متعددة الأبعاد، ويختار قالباً درامياً شديد الحساسية.
وعلى رغم أن اسم المسلسل "شديد التقليدية" والكسل، فإن دلالات الأسماء جاءت معبرة للغاية عن الأجواء الدرامية، وفي الوقت نفسه تنتمي إلى البيئة المحيطة بلا أي افتعال، وكذلك عناصر أخرى أصبحت تصنع على عجل وبروتينية شديدة مثل البوستر الدعائي، وأحدهما يحمل تكويناً معبراً للبطلين المنهزمين يجلسان في أسى، والثاني جاءت فيه ظل البطلة ليقول كل شيء عن خيالاتها وأوهامها التي حولت دنيتها إلى جحيم، إذ يظهر في الخلفية شبحها، وهي تحمل طفل رضيع لم تمنحها إياه الحياة إلا عن طريق السرقة، إذ يقدم المخرج صورة شاعرية على رغم القتامة الشديدة التي تغلف حيوات الشخصيات حتى في طبيعة مقتنياتهم المنزلية التي لم تنم عن احتياج مادي، بل عن فقر في التذوق ورغبة في الانغلاق والتخفي ربما، فتبدو الألوان شحيحة والنور بعيداً.
وعلى رغم أن كادرات سامح علاء تعبر عن ثقافة ومخزون فني عميق ورفيع، فبدت تكوينات لقطاته وكأنها لوحات كاملة، فإنه كان واعياً وحريصاً على ألا ينجرف وراء غواية اللوحات الصماء إنما للمنطق والعاطفة والصدق والمواءمة، ليبقى "حكاية نرجس" من الأعمال التي يمكن العودة لها مراراً واكتشاف مدى إتقانها، بل يبدو ومعه مسلسلات مثل "عين سحرية وأصحاب الأرض وعرض الطلب وفرصة أخيرة والنص التاني"، وقد أنقذ الموسم الدرامي الفقير فنياً بلا شك، على رغم تفاوت المستويات والجماهيرية.