Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

حدود التدخل الفرنسي ودوافعه في حرب الشرق الأوسط

أمر إيمانويل ماكرون حاملة الطائرات شارل ديغول ومجموعتها القتالية بما في ذلك الطائرات والفرقاطات المرافقة بالإبحار نحو البحر المتوسط

حاملة الطائرات شارل ديغول (مواقع التواصل)

ملخص

التفكير الفرنسي في مجال العلاقات الدولية تحكمه مبادئ القانون الدولي، غير أن دور باريس يبقى دوراً دولياً بحكم مكانتها كقوة عالمية تمتلك سلاحاً نووياً ولها مصالح واسعة عبر العالم.

في ظل التصعيد المتسارع الذي يشهده الشرق الأوسط، تتزايد التساؤلات حول طبيعة الموقف الفرنسي وحدود انخراط باريس في النزاع القائم. وبين المخاوف من اتساع رقعة الحرب، يبرز نقاش قانوني واستراتيجي حول دور فرنسا، وبخاصة في ضوء مكانتها الدولية كقوة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن. فكيف ومتى يمكن أن تتدخل باريس في الحرب الدائرة؟ وما حدود هذا التدخل وتأثيره؟ وماذا عن شبكة مصالحها في المنطقة؟

رسائل ردع

أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حاملة الطائرات شارل ديغول ومجموعتها القتالية، بما في ذلك الطائرات والفرقاطات المرافقة، بالإبحار نحو البحر المتوسط، في خطوة تعكس مستوى القلق الفرنسي من تداعيات الوضع الراهن في الشرق الأوسط.

وفي خطاب تلفزيوني، شدد على ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة في ظل إغلاق مضيق هرمز وتهديد قناة السويس وممرات الشحن في البحر الأحمر، جراء اتساع رقعة الصراع. وأشار إلى أن فرنسا أرسلت فرقاطة إلى قبرص وأسقطت طائرات مسيرة في أجواء حلفائها في دول الخليج العربي، في إشارة واضحة إلى انخراط عسكري دفاعي محدود حتى الآن.

الدور الفرنسي في الشرق الأوسط

يقول المتخصص في مجال القانون الدولي مجيد بودن إن فرنسا لن تتدخل بأية صورة من الصور في الحرب القائمة داخل الشرق الأوسط، مؤكداً أن الموقف الفرنسي يستند إلى اعتبارات قانونية واستراتيجية واضحة.

وأشار إلى أن التفكير الفرنسي في مجال العلاقات الدولية تحكمه مبادئ القانون الدولي، غير أن دور باريس يبقى دوراً دولياً بحكم مكانتها كقوة عالمية تمتلك سلاحاً نووياً ولها مصالح واسعة عبر العالم، مما يفرض عليها الحفاظ على تلك المصالح وصون علاقاتها مع الدول الأخرى. وبناءً على ذلك، شدد على أن فرنسا لن تقدم على أية ضربة عسكرية في سياق النزاع الدائر.

وبين أن لفرنسا شبكة من العلاقات والاتفاقات الدولية مع عدد من دول الشرق الأوسط، من بينها اتفاقات أمنية مع الإمارات العربية المتحدة والأردن والعراق، فضلاً عن علاقات تعاون متعددة الأوجه مع مختلف دول المنطقة. وتفرض هذه الاتفاقات على باريس التزامات بحماية مصالحها الاستراتيجية وضمان أمن مواطنيها، إلى جانب دعم الدول الصديقة في إطار التعاون الثنائي السياسي والمالي والثقافي.

وأضاف بودن أن فرنسا أعلنت عزمها الدفاع عن مواطنيها الموجودين في المنطقة، والذين يقدر عددهم بنحو 400 شخص، لا سيما في منطقة الخليج العربي. وأكد أن حماية المواطنين في الخارج واجب دستوري تلتزمه الدولة الفرنسية، إذ يتعين عليها تأمين سلامة رعاياها في أي مكان من العالم.

وأوضح أن هذا الالتزام يندرج ضمن ما يعرف بالحماية القنصلية، التي تتيح لكل مواطن طلب مساعدة بلاده عند الحاجة، إضافة إلى الحماية الدبلوماسية التي تشمل الدفاع عن مصالح المواطنين وممتلكاتهم في الخارج.

ولخص المتخصص في مجال القانون الدولي بالتأكيد أن فرنسا ملتزمة احترام القواعد المنصوص عليها في الاتفاقات الدولية المبرمة مع دول المنطقة، غير أن هذه الحماية تظل ذات طابع دفاعي وليست هجومية. وأشار إلى أن باريس ستعمل على حماية قواعدها ومصالحها في المنطقة، بما في ذلك وجودها البحري في الخليج العربي، الذي تمر عبره نحو 20 في المئة من إمدادات النفط والغاز العالمية.

وحول تأثير هذا التدخل، يرى المتخصص في القانون الدولي أن قانون المعاهدات يفرض التزامات محددة على باريس، ولن تتراجع فرنسا عن تعهداتها، لاسيما تلك المقطوعة للدول الصديقة. إن الوفاء بهذه الالتزامات من شأنه أن يعزز الثقة الدولية في السياسة الفرنسية ويرسخ روابط الصداقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويشير بودن إلى أن فرنسا تتعامل بصورة ليس فيها تدخل في الشؤون الداخلية لدول ولا في النزاعات بين أطراف، وتحصر هذا التدخل في الحماية وبخاصة أن مسألة الثقة في الوعد الفرنسي وفي الكلمة الفرنسية وفي الالتزام الفرنسي. ويوضح بودن أن فرنسا استنتجت هذه السياسة كذلك مما حدث في الساحل الصحراوي الأفريقي، حيث كانت هنالك هجمة من بعض الدول لأسباب منافسة، ولكن لم تكن منافسة تحترم قواعد الدبلوماسية.

 

 

ويضيف مجيد بودن أن هذه المنافسة كانت من روسيا والصين ومن تركيا ومن إيران والتي وقع استغلال الماضي الفرنسي والأشياء السلبية فيه ضد فرنسا، كأن فرنسا تتحمل مسؤولية ما يحدث في أفريقيا اليوم.

وضمن سياق متصل، يقول المحلل السياسي نبيل شوفان إنه حتى الآن تصر باريس على أن مشاركتها في الأزمة تأتي في إطار وضع دفاعي بحت، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إرسال تعزيزات عسكرية إلى المنطقة، بينها حاملة الطائرات شارل ديغول وأنظمة دفاع جوي ومقاتلات رافال، بهدف حماية المصالح الفرنسية وتأمين الملاحة الدولية.

ويرى أن هذا الانتشار العسكري يأتي بعد تصاعد التوترات عقب الضربات الأميركية والإسرائيلية ضد إيران، وما تبعها من ردود إيرانية استهدفت قواعد ومصالح غربية في المنطقة، فقد طاولت الهجمات منشآت عسكرية مرتبطة بدول أوروبية، بينها مواقع فرنسية في الخليج.

وشرح شوفان أن وزير الخارجية جان نويل بارو صرح بأن طائرات مسيرة استهدفت منشآت فرنسية في أبوظبي، مما أدى إلى أضرار مادية من دون وقوع ضحايا، وفي الحقيقة ليست فرنسا وحدها بل أوروبا نفسها وبحكم وجود قواتها في المنطقة وضرورة حماية رعاياها واعتمادها على الطاقة القادمة من الخليج، تجد نفسها منخرطة بصورة غير مباشرة في قلب هذا الصراع.

ويؤكد شوفان أنه يجب التذكير بأن جزءاً من الأراضي الأوروبية قد تأثر بالفعل، إذ استهدفت قواعد بريطانية تقع في جزيرة قبرص دون يقين في ما إذا كانت ستبقى هذه الضربات محدودة، أم أن الوضع سيتدهور.

ويقول "وعلى رغم أن بريطانيا لم تعد عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإنها تبقى شريكاً استراتيجياً، وانتقد دونالد ترمب البريطانيين بسبب ترددهم في السماح باستخدام قواعدهم، سواء في دييغو غارسيا أو في قبرص". وهدد إسبانيا، وأمر بوقف التعاملات التجارية معها بسبب رفضها استخدام واشنطن لقواعدها الجوية. كل ذلك يمكن اعتباره مؤشراً أولياً على أن أوروبا معنية بصورة مباشرة أو غير مباشرة بالنزاع."

ويفيد شوفان بأن إطالة أمد الحرب قد تمدد تداعياتها إلى دول مجاورة مثل تركيا والعراق، مما قد يطلق موجة هجرة ضخمة جديدة، شبيهة بتلك التي شهدتها أوروبا عام 2015، ولا تزال آثار تلك الموجة حاضرة في السياسة الأوروبية، خصوصاً في ألمانيا مع صعود حزب البديل من أجل ألمانيا في استطلاعات الرأي.

بالنسبة إلى فرنسا، فهي في اعتقاد شوفان لاعب فريد وخاص لأنها الدولة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي التي تمتلك سلاحاً نووياً سيادياً، وبخاصة عبر غواصاتها النووية.

أما بريطانيا، فيرى شوفان أنه على رغم امتلاكها سلاحاً نووياً، فهي لم تعد في الاتحاد الأوروبي ولا تتمتع باستقلال كامل في استخدامه بسبب ارتباطه بالولايات المتحدة، وهذا وضع يمنح فرنسا ورقة قوة استراتيجية لكنه يتطلب أيضاً حذراً شديداً، لأن الخطر يكمن في الانجرار إلى حرب لا تعنيها مباشرة، ولا بد من اليقظة قبل التدخل المباشر في حرب غير مؤكدة إذا قررت الولايات المتحدة الانسحاب بسبب نقص الذخيرة مثلاً.

ويفيد شوفان بأن فرنسا ترتبط بشراكة عسكرية مع قطر التي اشترت مقاتلات رافال، وبعلاقات دفاعية مع الإمارات العربية المتحدة حيث تمتلك قاعدة عسكرية.

ولدى فرنسا أيضاً وجود عسكري في الأردن ولبنان، وبخاصة ضمن قوات "اليونيفيل" التابعة للأمم المتحدة، وقد يكون الجنود الفرنسيون عرضة لهجمات من إيران أو من حلفائها مثل "حزب الله" وحتى أيضاً من إسرائيل التي حذرها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من التصعيد في لبنان.

ويكتسب لبنان أهمية خاصة في الحسابات الفرنسية بسبب علاقته التاريخية والسياسية مع باريس، التي تخشى أن يتحول لبنان إلى ساحة حرب واسعة تعرضه لأخطار كبرى، وسط مخاوف من انهيار الاستقرار في كامل الشرق الأوسط.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير