ملخص
اعتمد المسلسل على عنصر التشويق المتصاعد في كل حلقة. واختار السرد غير التقليدي ومحاكاة التطور الدرامي بطريقة تكنيكية متطورة تشبه السينما العالمية، مرتكزاً على عدم تقديم حكاية بوليسية تقليدية، ومحاولاً نبش منطقة رمادية بين النوايا الحسنة والنتائج الكارثية. وزادت إثارة الدراما لأنها تمثلت في السلطة غير المرئية وقوة من يرى من دون أن يُرى.
هل يمكن أن يتحوّل فعل الخير إلى جريمة حين يقوم على التجسس وانتهاك الخصوصية؟ سؤال فرض نفسه منذ عرض المسلسل المصري "عين سحرية" بطولة عصام عمر وباسم سمرة وسماء إبراهيم وفيدرا، ومن تأليف هشام هلال وإخراج السدير مسعود.
شكّل المسلسل واحدة من أكثر التجارب الدرامية إثارة للجدل هذا الموسم، ليس بسبب أحداثه المشوّقة فحسب، بل لأنه يضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي شديد الحساسية، وفي الوقت نفسه يفتح ملفاً يمكن أن يمس الجميع في ليلة وضحاها، وهو خطر التلصص ونشر مقاطع مصوّرة خاصة أو أسرار حسّاسة من شأنها الإضرار والتشهير وتدمير السمعة.
بطل العمل عادل شاب فقير كادح مات والده في السجن في أثناء قضاء عقوبة بعد ارتكابه جريمة، ويحمل عادل المُعدم عبء والدته وشقيقه المريض بداء السرقة، ويسعى لتأمين حياتهما بقدر المستطاع وسط مشكلات وقهر مجتمعي وتنمر ونظرة دونية بسبب تاريخ والده.
يحترف عادل تركيب الكاميرات الصغيرة لتأمين البيوت والشركات، وذات مرة تطلب منه سيدة تركيب كاميرا في منزلها، فيفاجأ الشاب عند التلصص على المرأة بأنها قتلت زوجها وعشيقته، فيشعر بالتورط في جريمة قتل شاهدها بعينه عن طريق اختراق خصوصية السيدة والتلصص عليها، وهنا يجمعه القدر بشخص غامض يُدعى زكي يطلب منه تحت التهديد، أن يتعاون معه في وضع خطط وكاميرات للتجسس على شخصيات مهمة تمارس أنواعاً مختلفة من الفساد من أجل كشفهم وتحقيق العدالة التي قد يفشل القانون في تنفيذها بسبب عدم كفاية الأدلة.
يقنع زكي الشاب عادل بأن مهمتهما هي جمع الأدلة، لمساعدة القانون في القصاص والتطهير المجتمعي. وتتوالى الأحداث ويتورّط عادل في تركيب كاميرات لعديد من الشخصيات المهمة، وتتصاعد الأمور نحو منعطفات خطيرة تهدد حياة الجميع.
اعتمد المسلسل على عنصر التشويق المتصاعد في كل حلقة. واختار السرد غير التقليدي ومحاكاة التطور الدرامي بطريقة تكنيكية متطورة تشبه السينما العالمية، مرتكزاً على عدم تقديم حكاية بوليسية تقليدية، ومحاولاً نبش منطقة رمادية بين النوايا الحسنة والنتائج الكارثية. وزادت إثارة الدراما لأنها تمثلت في السلطة غير المرئية وقوة من يرى من دون أن يُرى.
التجسس بديل العدالة
سيطر الجدل وانقسمت الآراء بين من يبرر العمل بمنطق الغاية تبرر الوسيلة، والضرورات تبيح المحظورات من جهة، وبين معارضين لفكرة اختراق الحياة الخاصة، ومبدأ التجسس أياً كان نبل الأهداف، لأن فكرة تركيب كاميرات مراقبة خفية بدعوى حماية الناس أو مساعدتهم، ثم الانزلاق تدريجاً إلى استخدام هذه التسجيلات سلاحاً للابتزاز أو التشهير أو حتى العقاب الاجتماعي هي قنبلة موقوتة تنفجر وتدمر كل من يفكر في الاقتراب منها.
ومع توالي الأحداث في "عين سحرية" تزداد شبكة الكاميرات المزروعة في أماكن متعددة بدافع الحماية أو الفضول، وأحياناً بهدف السيطرة، فيتحول هذا النظام إلى أرشيف كامل لأسرار الناس، فكل لحظة مسجلة وقابلة للاستخدام ضد أصحابها عند الحاجة.
تفاعل الجمهور مع العمل منذ بداية الحلقات الأولى للمسلسل، ويبدو أن سر رد الفعل السريع والمباشر هو اقتراب شبح الاختراق والتلصص من الجميع، وانعدام المعايير أحياناً في الحكم بين الظالم والمظلوم. وشكّلت ازدواجية وتناقض المشاعر نقطة مهمة في التوحد مع العمل، فعلى رغم الرغبة المُلحة في كشف الفاسدين واختراق أسرارهم وتسجيل أدلة دامغة على تورطهم، يبقى الهاجس الداخلي في مخيلة كل شخص ماذا لو حدث ذلك لي في موقف ما وجرى التلصص عليّ من دون علمي واستخدام ذلك في يوم ما؟
وما زاد الجدل حول المسلسل وأبطاله أن العمل لا يصوّر الشخصيات كأشرار مطلقين، بل كأفراد يبررون أفعالهم بغطاء ملائكي، ومرجعهم الأساسي هو أنهم يفعلون ذلك من أجل الصالح العام، وهنا يرتدي الشر قناع الحماية، ولا يطل بوجهه الحقيقي القبيح.
منح ارتباك الأهداف وانتشار الخطر التكنولوجي لدرجة قد لا يفلت منها أحد "عين سحرية"، بناءً درامياً يعكس واقعاً معاصراً، فالكاميرات أصبحت في يد الجميع، ويمكن أن يستخدمها القوي والضعيف والفقير قبل الغني، لذلك لم يعتبر أحد فكرة المسلسل خيالاً بل واقع قد يحدث يومياً لأي شخص مهما كان بريئاً أو مذنباً.
توصيل فكرة بخطورة مسلسل "عين سحرية" كانت مرهونة بشكل أساسي بالاعتماد على ممثلين محترفين قادرين على توصيل مدى ارتباك الأبطال ودوافعهم الرمادية، وكان التحدي التمثيلي الحقيقي في الأداء هو تجسيد تلك الشخصيات وعمقها ومصداقيتها بكل ما تحمله من توتر أخلاقي.
وتمكّن البطلان الأساسيان عصام عمر وباسم سمرة من أداء شخصيتي عادل وزكي وعلاقتهما المحيرة بتكنيك هادئ ومميز ومختلف على الشاشة، فلا مجال للنحيب والأصوات المرتفعة وتعبيرات الشر المباشرة أو المبالغة في "كلاشيهات" الطيبين.
أجاد عصام عمر اللعب على أحبال الشخصية الرمادية المحيرة، فلم يبالغ في دموع الفقراء ومعاناتهم الداخلية، ولم يجنح للقسوة التعبيرية في التمهيد لتحوله نحو مسار الشر. إذ جسّد بهدوء وتحول تكتيكي في الأداء شخصية عادل التي تتورّط تدريجاً في عالم الجريمة، وتبدأ بدوافع بريئة، ثم تكتشف أنها أصبحت جزءاً من منظومة مراقبة لا يمكن الخروج منها بسهولة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ينتقل عصام بين الانفعالات بعمق مبنيّ على الانفعال الداخلي والتعبيرات البسيطة الكاشفة لما يحمله قلبه وعقله، وبحكم شخصية عادل المحيرة لم يكن من السهل أداء إحساسها بشكل واضح أو مباشر، بخاصة الغموض والتكتم الركيزة الأساسية لديه.
أما الممثل المخضرم باسم سمرة فجسّد شخصية زكي المحامي الغامض الذي سيربكك كثيراً فهم حقيقته ونواياه، فهو رجل يؤمن أن السيطرة تمنع الفوضى، وأن كشف الأسرار أفضل من تركها تنمو في الظلام، لذلك اعتمد أداؤه على الصمت والتهديد الضمني أكثر من الانفعال الخارجي، وعلى رغم أنه شخص يحمل قسوة ظاهرية فإنها مبررة داخلياً، كذلك له نقاط ضعف تكشف هشاشته الداخلية، بخاصة في ما يتعلق بابنته المريضة.
خلق التباين بين عادل وزكي صراعاً نفسياً في البداية، لكنهما اتفقا على الهدف نفسه كل بطريقته لتتعقد المسارات، وتتقاطع الطرق والمشاعر في بعض المنعطفات.
المشاهدة تجربة نفسية
استخدم المخرج السدير مسعود تكنيكاً إخراجياً ملائماً لهذه النوعية من الأعمال، حيث اعتمد على زوايا تصوير تشبه كاميرات المراقبة، واستخدم في كثير من المشاهد لقطات ثابتة طويلة وإضاءة باردة.
هذا الأسلوب يخلق حالة من عدم الارتياح المقصود، ويحوّل المشاهدة إلى تجربة نفسية لا مجرد متابعة أحداث، إذ يشعر المشاهد أنه شخصياً تحت المراقبة، ما رفع مستوى التشويق من دون الحاجة إلى مطاردات تقليدية.
وكان الابتعاد عن الميلودراما والتركيز على التوتر النفسي بدلاً من الصراخ والانفعالات متماشياً مع المدرسة التي اتبعها السدير مسعود في أعماله الناجحة مسبقاً مثل مسلسل "منعطف خطر" و"موعد مع الماضي" و"قيد مجهول".
التلصص واختراق الحياة الخاصة وتداول فيديوهات أو صور ليس قضية جديدة على الدراما العربية والعالمية، لكن المسلسل قدّم الأمر هنا كنوع من التحذير والكشف عن النوايا المجتمعية التي تتفشى بوحشية كلما زادت سطوة وسائل التواصل الاجتماعي، فتحوّل الأمر من سلوك فردي منحرف إلى رغبة قد تكون كامنة يصعب مقاومتها لدى شرائح مجتمعية واسعة. فالمرعب أن المجتمع نفسه أصبح متلصصاً عبر متابعة الفضائح وتداول المقاطع المسربة والحكم على الآخرين من دون معرفة السياق.
خطورة القضية في "عين سحرية" أنها وضعت المجتمع في مواجهة مفاجئة مع مخاوفه، فمع استفحال العصر الرقمي أصبح الجميع قادرين على لعب دور المخبر أو الناشر بضغطة زر. وصار التهديد بالنشر على مواقع التواصل الاجتماعي عقوبة في حد ذاته، ولم يعد الابتزاز يقتصر على المال أو النفوذ، بل إن الفضح أصبح العقوبة الأشد قسوة، فمقطع فيديو واحد، حتى لو كان مجتزأ أو خارج السياق قد يدمّر سمعة إنسان بالكامل، وعن طريق مقاطع مسربة يجري الإيذاء النفسي والاغتيال المعنوي لأصحابها، وهنا ليست الكاميرا هي الخطر الأساسي، بل المنصة التي تنشر المحتوى وتمنحه انتشاراً لا يمكن السيطرة عليه.
قسوة الطرح في "عين سحرية" لم يعتمد على الخيال بل يعكس واقعاً شهدته مصر والعالم خلال السنوات الأخيرة، إذ تحولت وسائل التواصل الاجتماعي إلى محكمة شعبية تصدر أحكامها من دون تحقيق أو دفاع. وقد يكون الهدف من التلصص هو الانتقام أو إسكات شخص ما أو إجباره على سلوك معين، وفي كل الحالات تصبح الصورة وسيلة عنف غير مرئي لا تترك جروحاً جسدية لكنها تدمر الحياة بالكامل. والمؤلم أن المسلسل لا يقدم هذه الحالات بوصفها استثناءات، بل كجزء من واقع متكرر يمكن أن يطاول أي شخص في عالم فقد القدرة على الاحتفاظ بالأسرار.