ملخص
ترمب ينجح في جر بيل وهيلاري كلينتون إلى جلسات استجواب حول ملفات إبستين، في خطوة تعد إذلالاً سياسياً لخصمه القديمة. وبينما يحاول الجمهوريون استغلال القضية، يجد آل كلينتون أنفسهم مضطرين إلى الدفاع عن إرثهما في لحظة حرجة تعصف بكبار النخب على جانبي الأطلسي.
مر 25 عاماً منذ آخر مرة جلس فيها أحد أفراد عائلة كلينتون في البيت الأبيض، ومع ذلك لا يزال الزوجان الديمقراطيان المخلصان للحزب يحتلان عناوين الصحف.
أرغم نشر ملفات إبستين بيل وهيلاري إلى الإدلاء بشهادتيهما في تحقيق أمام الكونغرس. ويشكل هذا الحدث الفاصل هزيمة موجعة لزوجين كانا، قبل شهر واحد فحسب، متمسكين بشدة بموقفهما الرافض للإدلاء بشهادتيهما، باعتباره ضربة قوية ضد التلاعب بالنظام القضائي في عهد "ماغا".
كثيراً ما اتسم أسلوب الزوجين كلينتون السياسي شبه الملكي بميل إلى الخلط بين مصالحهما الخاصة والمسألة الوطنية، وقد وجها رسالة مطولة إلى السيد كومر، رئيس لجنة الرقابة في مجلس النواب، لشرح ترددهما الأولي في الإدلاء بشهادتهما أمام لجنة يترأسها جمهوري متشدد وفي عضويتها آخرون مقربون من ترمب، فقالا "على كل شخص أن يقرر متى يكون قد شهد ما فيه الكفاية أو سئم مما يجري وأصبح مستعداً للكفاح من أجل هذا البلد ومبادئه وشعبه، بغض النظر عن العواقب. وبالنسبة إلينا، حان هذا الوقت الآن".
ومع ذلك، ها نحن ذان - من المقرر أن تمثل هيلاري أمام اللجنة اليوم عبر اتصال من بعد، بينما سيمثل زوجها غداً [يومي الخميس والجمعة الماضيين]. وفي كلمتها الافتتاحية، التي نشرتها على وسائل التواصل الاجتماعي، قالت إنها "لم تكن على علم" بجرائم إبستين، ودعت إلى استجواب ترمب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إن العداوة بين ترمب وهيلاري تحديداً تمتد إلى المستوى الشخصي. عام 2016، رأت حلمها بأن تصبح أول امرأة تتولى الرئاسة وترسخ سيطرة عائلتها على السلطة في الولايات المتحدة يتلاشى تحت وطأة حملة ترمب التي قلبت المشهد السياسي الأميركي رأساً على عقب.
وقد سعت جاهدة، إبان الحملة الانتخابية التي لم تلتزم بأي حدود أو قيود آنذاك، للتخلص من آثار تعليق متعجرف أدلت به، حين وصفت مؤيدي ترمب بأنهم "حفنة من الأشخاص البائسين" ذوي الآراء المتطرفة، في حين عززت حملة ترمب نظريات المؤامرة والهجمات على "هيلاري الفاسدة" ضمن حملة انتخابية أسفرت عن هزيمتها.
كما كتبت حينها، في تلك الانتخابات "كان الفوز بمتناولها ولكنها أضاعته". أن تجبر اليوم على مواجهة جديدة أمام الرأي العام بضغط من خصمها اللدود، الذي عاد إلى البيت الأبيض الذي كثيراً ما رغبت به، لا بد من أن يكون وقعه مؤلماً.
لا شك أن محاولة إجبار زوجين كثيراً ما كان دونالد ترمب مهووساً بهما، باعتبارهما تجسيداً لفكر التقدمية الدولية الذي يكرهه، على الإجابة عن أسئلة متطفلة حول أي تعاملات شخصية أو مؤسسية مع المجرم المدان بالاعتداء الجنسي، هي بمثابة طعم سياسي للجمهوريين المؤيدين لترمب.
لكنها أيضاً علامة على أن الثنائي كلينتون ما عاد قادراً على فرض إرادته. فقد انقسمت قيادات الحزب الديمقراطي في البداية حول مسألة تأييد رفض الزوجين كلينتون للإدلاء بشهادتيهما، لكنها أيدت في النهاية مطلب الشفافية الكاملة بعد الكشف عن الفظائع التي تضمنتها ملفات إبستين وفضح كثيرين في بريطانيا ودول أخرى. والآن، يحرص أعضاء لجنة الرقابة من الحزب الديمقراطي على التأكيد بأنهم لا ينوون طرح أسئلة "سهلة" على الثنائي.
حتى الآن، تصر هيلاري كلينتون على أنه لا تربطها أي علاقة شخصية بإبستين، بينما يتمسك بيل كلينتون برواية معتادة مفادها أن علاقته الوحيدة بالمتحرش الجنسي والاتجار بالبشر الراحل كانت من خلال التبرعات للجمعيات الخيرية والرحلات الجوية التي كان يقدمها له بصفته متبرعاً لهذه القضايا. وسيشدد على أنه قطع علاقته بإبستين قبل أن يدان المتبرع بتهم التحرش الجنسي بقاصر عام 2009.
لكن التكهنات بأن العلاقات مع إبستين لم تكن محض رسمية تزداد قوة مع نشر صور تظهر الرئيس السابق وهو يسترخي في حوض جاكوزي إلى جانب غيلاين ماكسويل، التي كانت تيسر لإبستين الحصول على خدمات جنسية، وتقضي الآن عقوبة سجن طويلة لدورها في تمكينه من ارتكاب جرائمه.
لا تتضمن الوثائق المنشورة أي شيء يدين الرئيس السابق أو يشير إلى أي نشاط غير قانوني. لكن الغضب الشعبي الذي أثاره محتوى الوثائق المنشورة يعني أن الزوجين كلينتون قد وجدا نفسيهما في موضع لا يريدانه، أي في مرمى نيران حراك جمهوري يسعى إلى رسم صورة روابط مشينة بين إبستين والأثرياء الديمقراطيين، وإبعاد الأنظار عن الأسئلة المحرجة المتعلقة بصداقة المتحرش بالأطفال الراحل مع دونالد ترمب.
بالنسبة إلى الزوجين كلينتون، اللذين يبلغان الآن السبعينيات من العمر ولا يزالان يشاركان بشكل نشط في "مبادراتهما العالمية" في مختلف القارات، فإنها معركة من أجل إرثهما وسمعتهما. وهما لا يزالان محط إعجاب وتقدير كبيرين من قبل اليسار الوسط الذي يتذكر الجوانب الإيجابية لقيادة كلينتون، مثل العلاقات عبر الأطلسي، وجاذبيته الشخصية، وقدرته على الفوز في الانتخابات.
وقد تستر معجبوه على عيوبه، لكن سلوكه الاستغلالي تجاه النساء الأصغر سناً، مثل مونيكا لوينسكي وغيرها قبلها، لن يغتفر له بسهولة الآن كما حدث في ذلك الوقت، وهذا ينسحب أيضاً على الاتهامات السابقة التي تعود إلى فترة توليه منصب حاكم ولاية أركنساس. فضلاً عن أن ميل هيلاري إلى التقليل من أهمية هذه الأمور واعتبارها مجرد مشكلات شخصية لن يقبل.
كذلك فإن تورط المانحين الأثرياء، الذين يدعمون مجموعة واسعة من المشاريع العالمية عبر مؤسسة كلينتون، قيد التدقيق أيضاً، لأن التداعيات الهائلة التي نتجت من نشر ملفات إبستين (أو في الأقل الأجزاء التي سمحت وزارة العدل بنشرها) قد سلطت الضوء على أسلوب كلينتون المزمن في السعي إلى الجمع بين علاقاته مع عالم الأثرياء والقضايا التقدمية.
أجبر الزوجان اللذين اعتادا فرض شروط النقاش على التحدث من بعد إلى لجنة لتبرئة نفسيهما. وهذا انقلاب لم يكونا راغبين بالقيام به، ولم يفعلا ذلك إلا بعدما تشدد الكونغرس في موقفه، مع احتمال إجراء تصويت مشترك بين الحزبين قد يعتبرهما مذنبين بتهمة ازدراء عملية التحقيق. كان ترددهما الأولي في الإدلاء بشهادتيهما رد فعل مفهوماً على عملية كشف المعلومات التي قادتها إدارة ترمب. لكن الوضع السياسي شهد تطورات جديدة. ويحتاج الديمقراطيون إلى نماذج جديدة لتعزيز قضيتهم.
في ظل الأزمة الحالية، التي استقالت بسببها عدة شخصيات بارزة من جانبي المحيط الأطلسي، من بينها اليوم رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، بورج بريندي، ورئيس جامعة هارفرد لاري سامرز، من مناصبها العامة بسبب صلاتها بإبستين، بدا أن رفض الثنائي السياسي القوي الكشف عن الصلة بينه وبين تبرعات إبستين لحملته الانتخابية في تسعينيات القرن الماضي كأنه محاولة للتهرب.
حتى مثولهما أمام اللجنة بهذه الصورة قد خضع لمفاوضات صعبة في اللحظة الأخيرة لتجنب إعطاء انطباع سلبي بأن هذه الجلسة هي في الحقيقة "محاكمة" للزوجين كلينتون. سيحضر الجلسة محاميان عينهما الزوجان، مع فريق دعم من الباحثين، وسيقومان بتسجيل شهادتيهما من منزلهما في شمال ولاية نيويورك، بدءاً بهيلاري الخميس وزوجها الجمعة.
كان ذلك بدوره مفاوضة شائكة، إذ كثيراً ما شاب خطاب الزوجين كلينتون غموض حول ما إذا كانا في جوهرهما "الثنائي الرئاسي" السابق أم شخصين منفصلين لكل منهما مساره. وأصرت فرقهما القانونية على ألا يظهرا معاً. ويقول أحد مساعدي الحملة السابقين: "سيبدو الأمر كما لو أن عائلة ماكبث تحاكم" [في إشارة إلى مسرحية شكسبير]، مضيفاً: "وهذا بالضبط ما يريده ترمب".
ومع ذلك، يمكن للزوجين كلينتون أن يخوضا اللعبة السياسية أيضاً، وقد توصلا إلى تسوية في شأن الحدود التي يمكن للجنة الرقابة في مجلس النواب الخوض فيها، ضمن اتفاق يحدد شروط مشاركتهما. وسوف يثيران قضية "سوء الإدارة المزعوم في التحقيق الذي أجرته الحكومة الفيدرالية في شأن إبستين وماكسويل" (وهو تلميح إلى نهج ترمب الانتقائي والحزبي المتحيز) وسيسألان عن السبل التي يمكن للحكومة الفيدرالية أن تتبعها من أجل مكافحة شبكات الاتجار بالبشر لأغراض جنسية بشكل أفضل.
ولكن توجد منطقة خطرة: وهي كيف استمال إبستين وماكسويل الآخرين لحماية نفسيهما من التحقيق في أفعالهما المشبوهة - ولماذا لم يلاحظ كثير من الأشخاص الأذكياء وذوي النفوذ وجود أي شيء غير طبيعي، أو اختاروا عدم ملاحظته. وهذا الأمر يضع نظاماً كاملاً من السلطة والشبكات ووسائل المراوغة قيد المحاكمة، ولا يقتصر الأمر بتأكيد الزوجين كلينتون وحدهما ولا عليهما بصورة أساسية، ولكنه يشملهما الآن بشكل لا مفر منه.
آن ماكلفوي شريكة في تقديم المدونة الصوتية السياسة مع سام وآن على موقع بوليتيكو.
© The Independent