ملخص
من شأن قتل خامنئي، وهي المهمة التي قال مسؤول إسرائيلي إن الغارات نفذتها، أن يوجه ضربة قوية للجمهورية الإسلامية التي يقودها منذ عام 1989، بعد عقد من الزمن من صعوده إلى أهم منصب جاءت به الثورة الدينية التي أطاحت نظام الشاه.
جاء بين الأهداف الأولى للضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران، أمس السبت، مقر الزعيم الأعلى الإيراني علي خامنئي، العدو اللدود للغرب الذي سحق المعارضة في الداخل ونسج شبكة من التحالفات في أنحاء المنطقة.
وقال مصدر مطلع، إن خامنئي نُقل مسبقاً إلى مكان آمن خارج طهران، لكن "رويترز" لم تتمكن من التحقق بعد من وضعه، إذ أظهرت صور بالأقمار الاصطناعية أضراراً كبيرة لحقت بمقره في طهران قبل إعلان إيران رسمياً عن مقتله.
ومن شأن قتل خامنئي، وهي المهمة التي قال مسؤول إسرائيلي إن الغارات نفذتها، أن يوجه ضربة قوية للجمهورية الإسلامية التي يقودها منذ عام 1989، بعد عقد من الزمن من صعوده إلى أهم منصب جاءت به الثورة الدينية التي أطاحت نظام الشاه.
أخطر أزمة في حكم خامنئي
نجا خامنئي (86 سنة) من ضغوط خارجية من قبل، وحتى قبل هجوم أمس السبت، كان يواجه أخطر أزمة خلال حكمه المستمر منذ 36 عاماً ويحاول إطالة أمد المفاوضات مع الولايات المتحدة في شأن البرنامج النووي الإيراني.
وأمر خامنئي هذا العام بالفعل بحملة ضد الاحتجاجات، وصفت بأنها الحملة الأكثر دموية منذ الثورة الإسلامية عام 1979، قائلاً إنه "يجب وضع حد لتصرفات مثيري الشغب"، قبل أن تطلق قوات الأمن النار على المتظاهرين الذين رددوا هتاف "الموت للديكتاتور!".
تراجع النفوذ
مع إضعاف الضربات الإسرائيلية لجماعة "حزب الله" في لبنان وإطاحة بشار الأسد في سوريا، تراجع نفوذ خامنئي في الشرق الأوسط. وطالبت الولايات المتحدة بتخلي إيران عن أفضل ورقة ضغط استراتيجية متبقية لدى بلاده، ألا وهي ترسانتها من الصواريخ الباليستية.
ورفض خامنئي حتى مناقشة التخلي عن برنامج الصواريخ، الذي تعده طهران وسيلة الردع الوحيدة المتبقية لديها في مواجهة أي هجوم إسرائيلي، في موقف ربما كان من العوامل وراء الضربات الجوية الأحدث على إيران.
ومع تعزيز الحشد العسكري الأمريكي، اعتمدت حسابات خامنئي على شخصية تشكلت من خلال الثورة وأعوام من الاضطرابات والحرب مع العراق وعقود من المناوشات مع الولايات المتحدة وتركز من كل الصلاحيات والسلطات في يده.
ورغم تولي مسؤولين منتخبين إدارة الشؤون اليومية، ظل لخامنئي القول الفصل في ما يتعلق بأي أمور سياسية رئيسة، بخاصة تلك المتعلقة بالولايات المتحدة. وإحكام خامنئي قبضته على نظام حكم رجال الدين المعقد في إيران، إلى جانب الديمقراطية المحدودة، يضمن عدم قدرة أي جهة أخرى على تحدي قراراته.
منصب الزعيم الأعلى
كان ينظر إلى خامنئي كثيراً في بداية حكمه على أنه ضعيف وغير مؤهل لخلافة مؤسس الجمهورية الإسلامية الراحل آية الله روح الله الخميني الذي كان يتمتع بشعبية كبيرة وكاريزما.
ولأنه لم يكن قد حصل بعد على لقب (آية الله) عند تعيينه زعيماً أو مرشداً أعلى، واجه خامنئي صعوبة في ممارسة السلطة عبر المرجعية الدينية كما كان متوقعاً في نظام حكم رجال الدين.
وبعد صراع طويل للخروج من عباءة معلمه، تمكن أخيراً من فرض نفسه عن طريق تشكيل جهاز أمني قوي يعمل له وحده. وظل خامنئي لا يثق في الغرب، بخاصة الولايات المتحدة، التي اتهمها بالسعي للإطاحة به.
وفي خطاب حاد كعادته بعد احتجاجات يناير (كانون الثاني) الماضي، ألقى بمسؤولية الاضطرابات على ترمب، وقال "نعتبر الرئيس الأميركي مجرماً لما ألحقه من خسائر بشرية وأضرار وافتراءات بالأمة الإيرانية".
لكن رغم تشدده الأيديولوجي، أبدى خامنئي من قبل استعداداً للتنازل عندما يكون بقاء الجمهورية الإسلامية على المحك.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويسمح مفهوم "المرونة البطولية"، الذي ذكره خامنئي لأول مرة في عام 2013، بتقديم تنازلات تكتيكية لتحقيق أهدافه، على غرار اختيار الخميني خلال عام 1988 الموافقة على وقف إطلاق النار بعد استمرار الحرب مع العراق لمدة نحو ثمانية أعوام.
وشكل تأييد خامنئي الحذر للاتفاق النووي الإيراني الذي أبرم مع ست قوى عالمية خلال عام 2015 لحظة أخرى من هذا النوع رأى فيها أن تخفيف العقوبات ضروري لتحقيق الاستقرار الاقتصادي وإحكام قبضته على السلطة.
وانسحب ترمب من هذا الاتفاق خلال ولايته الأولى في 2018، وأعاد فرض عقوبات صارمة على إيران التي ردت بالمخالفة تدريجاً للقيود المتفق عليها على برنامجها النووي.
مفتاح القوة
لجأ خامنئي مراراً إلى الحرس الثوري الإسلامي وقوات "الباسيج"، وهي قوة شبه عسكرية تضم مئات الآلاف من المتطوعين، في أوقات الضغط المتزايد لقمع المعارضة.
وقمع الحرس الثوري وقوات "الباسيج" الاحتجاجات التي اندلعت بعد إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً في 2009 وسط اتهامات بتزوير التصويت.
وخلال عام 2022، اتسمت قرارات خامنئي بنفس القدر من القسوة في اعتقال وسجن وإعدام محتجين أغضبهم موت الشابة الكردية مهسا أميني أثناء احتجازها لدى السلطات. كما سحق الحرس الثوري وقوات "الباسيج" أيضاً الجولة الأحدث من الاحتجاجات في يناير الماضي.
ويعود جزء كبير من قوته أيضاً إلى المؤسسة المالية الضخمة شبه الحكومية المعروفة باسم (ستاد)، التي تخضع لسيطرة خامنئي المباشرة. ونمت هذه الإمبراطورية، التي تبلغ قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، نمواً هائلاً خلال فترة حكمه، واستثمرت مليارات في الحرس الثوري.
يرسم باحثون خارج إيران صورة لخامنئي بأنه كان متمسكاً بفكر معين ويفضل السرية ويخشى الخيانة، وهو قلق تفاقم بسبب محاولة اغتيال في يونيو (حزيران) عام 1981 بقنبلة مخبأة في جهاز تسجيل صوتي أصابته بشلل في ذراعه اليمنى.
يقول خامنئي في سيرته الذاتية الرسمية إنه تعرض للتعذيب الشديد خلال عام 1963، عندما كان يبلغ من العمر 24 سنة، حين قضى أولى فترات سجنه العديدة بسبب نشاطه السياسي في ظل حكم الشاه.
وبعد الثورة الإسلامية، وبصفته نائباً وقتها لوزير الدفاع، أصبح خامنئي مقرباً من الحرس الثوري خلال الحرب التي دارت بين عامي 1980 و1988 مع العراق، والتي أودت بحياة نحو مليون من الجانبين.
وفاز بالرئاسة بدعم من الخميني، لكنه كان اختياراً مفاجئاً ليخلفه عندما توفي الزعيم الأعلى، إذ افتقر وقتها للشعبية وللمؤهلات الدينية المطلوبة.
وقال كريم سجادبور من مؤسسة "كارنيغي للسلام الدولي"، إن "صدفة تاريخية" حولت "رئيساً ضعيفاً إلى زعيم أعلى ضعيف في البداية ثم إلى أحد أقوى خمسة إيرانيين في الـ100 عام الماضية" قبل مقتله في الضربات الإسرائيلية أمس على طهران.