ملخص
أعاد تزامن مواسم الصوم بين أبناء الطوائف اللبنانية، من المسلمين والمسيحيين، إحياء ذاكرة التعايش، التي شكلت الهوية اللبنانية المتنوعة، إذ يتجاوز أبناء المناطق المختلطة الأشكال الفلكلورية والاحتفالية لتلك المناسبات الدينية والثقافية، إلى جزء من الحياة اليومية لأبناء أحياء عاشوا، وتعلموا، ونشأوا معاً، كاتبين قصة عمرها مئات السنين.
حين يتزامن الصوم المسيحي مع شهر رمضان تتحول مدينة طرابلس في شمال لبنان إلى مساحة روحية مشتركة، تتقاطع فيها الطقوس الدينية مع العادات الاجتماعية، وتذوب الفوارق أمام مشهد يومي عنوانه الصبر والتقشف والتضامن، في مدينة غالباً ما تختزل بصورتها المحافظة أو بتنوعها الطائفي، يبرز هذا التلاقي كوجه آخر لطرابلس، وجه العيش الواحد.
في الأحياء القديمة من الزاهرية إلى الميناء تتجاور الكنائس والمساجد، ويختلط صوت الأجراس بنداء الأذان. الصائمون من الطائفتين يتشاركون المعنى ذاته للصوم، وإن اختلفت تفاصيله: الامتناع، الصلاة، مراجعة الذات، وأعمال الخير. وفي البيوت، تتشابه موائد الإفطار وإن اختلف توقيتها، فتجتمع العائلات حول أطباق تقليدية تحضر في المناسبتين، من الشوربات والفتوش إلى الحلويات التي لا تغيب عن أي موسم روحي.
وقد خط أبناء المدينة قصة من التعايش والتفاعل مع الاختلاف الديني والثقافي والاجتماعي تعود إلى مئات السنين، التي تتجدد كل عام في أجواء المشاركة بالطقوس والاحتفالات التي تسبق موسم الصوم الكبير لدى الطوائف المسيحية الشرقية، وموائد الإفطار الرمضانية.
تختصر الناشطة سوزان طبلية المشهد بأن "الميناء ليست منطقة أو مدينة بالمعنى المتعارف عليه للكلمة، إنها أشبه بالقرية التي يعرف أهلها بعضهم بعضاً، يتفاعلون ويتعايشون، وكأنهم أسرة واحدة، وهي أكثر من مجرد لحظات مجاملة عابرة، لأنها تتحول إلى سلوك يومي"، حين "يتحول التعايش ومشاركة الأعياد والمناسبات إلى جزء من هوية أبناء المدينة وانتمائهم لعائلتها".
ومع بدء شهر رمضان وموسم الصوم تتحول الأزقة المتفرعة عن دوار غروبي في المنطقة إلى واحات للتفاعل والفرح، حيث ازدانت الشوارع بالأضواء والزينة، ويستقطب شارع السهر "مينو" الزائرين للمشاركة في الأمسيات الرمضانية، والسهرات التي تمتاز بـ"الفتلة المولوية".
مائدة المحبة للجميع
الجمعيات الأهلية بدورها تجد في هذا التزامن فرصة لتعزيز مبادرات مشتركة، من توزيع الحصص الغذائية إلى تنظيم أمسيات روحية وحوارات دينية، ويؤكد ناشطون أن التلاقي بين الموسمين يرسخ ثقافة التضامن في مدينة عانت أزمات قاسية، إذ يتحول الصوم إلى مساحة للتكافل تتجاوز الانتماءات.
وأبعد من الطقوس الاحتفالية العابرة، التي قد يغلب عليها الطابع الشكلي الجميل، والجذاب للسياح وأبناء المنطقة الباحثين عن اقتناص لحظات الفرح. تعد تجربة مائدة المحبة التي أطلقتها "جمعية فكر بغيرك" رائدة في مجال الخدمة والتكافل الاجتماعي، وهي تتخذ أبعاداً عميقة خلال شهر رمضان، إذ يتسابق أبناء الطوائف المختلفة على تحضير وتقديم الطعام للعائلات المتعففة والفقيرة. داخل المطبخ يسابق فريق الطبخ الساعة، لإنجاز قائمة الإفطار على الموعد، حيث تدقق "حبوبة" وهو اللقب الذي يطلقه زوار المائدة على "الشيف حبيبة" التي تطلع على إعداد تفاصيل القائمة، وتقديم الأطباق على أفضل صورة ممكنة، فهي قبل أن تستقبلنا داخل المطبخ تصر على الإجراءات الوقائية، إذ تلزم الداخلين بوضع العوازل على رؤوسهم، كذلك تصر على لبس المتطوعين الكفوف.
يكسر قدوم أشبال الكشاف لتأدية الخدمة الاجتماعية الهدوء في ساحة المائدة، حيث تشارك الأفواج الكشفية الموزعة على الميناء وطرابلس وفق برنامج زمني معد مسبقاً. وعندما تحين الساعة الثالثة من بعد الظهر، تفتح الأبواب لاستقبال المسجلين، إذ يحصل هؤلاء عادة على وجبات من الشوربة والسلطة وطبق رئيس، إضافة إلى الحلوى والتمر والخبز، وأحياناً الفاكهة في حال قام المتبرعون بتقديمها، ذلك أن المبادرة تقوم على تلقي الهبات والمساعدات العينية لا المالية.
يضع روبير أيوب رئيس جمعية "فكر بغيرك" الخدمة في مائدة المحبة ضمن خانة "الرياضة الروحية اليومية" التي يقوم بها متطوعون لتقديم الطعام في كل أيام العام لمحتاجين من كل الطوائف والجنسيات، وهم يعملون وفق صيغة العائلة الواحدة. ويشير أيوب إلى "انطلاق مشروع مائدة المحبة عام 2018، حينها كان يقدم الخدمة لشريحة صغيرة من المجتمع، وبعد جائحة كورونا والانهيار الاقتصادي في لبنان، ازداد عدد المستفيدين من 43 شخصاً إلى قرابة 500 وجبة يومياً على مدى العام"، لافتاً "نقدم في رمضان أطباقاً إضافية مثل الشوربة والسلطات، لأن الجمعية تحصل على مساعدات عينية إضافية من المجتمع المدني الذي تعتمد عليه، مما يسهم في تقديم أطباق إضافية لزوار المائدة"، ويتمسك أيوب باعتماد الشروط الصحية والنظافة أثناء الطبخ، قائلاً "نطبخ للناس وكأننا نطبخ لعائلاتنا في منازلنا، ونلتزم أقصى شروط النظافة الممكنة، إضافة إلى مراقبة الجودة والنوعية لتكون الأفضل".
تفاعل اجتماعي
يعبر أيوب عن "سعادته" بسبب تحول زوار وأبناء المائدة إلى عائلة واحدة تضم مختلف الفئات والطوائف وحتى الجنسيات، ويضيف "من المفارقات أنه عندما طرحنا وضع برنامج يراعي التوزيع على اختلاف فترات الصوم وغير القادرين على الصوم لظروفهم الخاصة، إلا أنهم رفضوا وأصروا على أن يحصل التوزيع في وقته المعتاد، لأنهم بمثابة العائلة الواحدة التي يلتقي أفرادها يومياً على مدى العام"، مقدراً نسبة السوريين والفلسطينيين بـ18 في المئة من المستفيدين، وبعض منهم مولود في لبنان.
يتحدث أيوب عن تلقي الهبات العينية من المتبرعين، إذ تنشر الجمعية قائمة الطعام الأسبوعية وحاجاتها عبر صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي، متحدثاً عن "تفاعل كبير من قبل أبناء المجتمع الطرابلسي، الذين يمتازون بالكرم والتعاطي الإيجابي مع المبادرات الإنسانية"، كما يلفت إلى تسجيل فئات جديدة خلال العام الحالي، إذ دخلت عائلات "مكسورة على أقساط أبنائها الدراسية" على قائمة المستفيدين من الطعام المجاني، فهم يسعون إلى التوفير في ثمن الطعام لتسديد الديون والحاجات الأخرى.
طاولة أم جوزيف
تحفل مدن لبنان المختلطة بقصص التعايش بين أبناء الطوائف المختلفة، التي يستذكرها هؤلاء في كل عام مع دخول الشهر الفضيل ومواسم الصوم. يعود جوزيف ديربدروسيان تاجر مفروشات في طرابلس إلى خزائن الذاكرة، ففي عام 1973 انتقلت العائلة للعيش في منزلها ضمن منطقة التل، وشاءت الأقدار أن يكون جيرانهم من الطوائف الإسلامية، مستعيداً صور التعايش خلال نصف قرن من الزمن، حيث تشارك هؤلاء أيام الحرب الأهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975، واستمرت لغاية 1990.
ويستذكر "تشارك أبناء الطوائف المختلفة طاولة الإفطار الواحدة"، مشيراً "كانت العائلة تمتلك طاولة كبيرة بطول 240 وعرض 120 سنتمتراً، كان الجيران يستعيرونها لمناسباتهم المهمة، وكانوا يجتمعون حولها في كثير من موائد رمضان، وباتت تشتهر بطاولة أم جوزيف التي تحتضن المناسبات والخطوبات والأعراس". ويعبر جوزيف عن حنين شديد إلى أيام الماضي، و"طقس تبادل أطباق الطعام بين الجيران وتحديداً في شهر رمضان الغني بالنكهات"، يضيف "في أحد الأيام دعوت أصدقائي للإفطار، وكان من بينهم عالم للاجتماع، دخلنا إلى غرفة الطعام بانتظار موعد المغرب"، و"لم يلاحظ هؤلاء ضجة في مطبخ المنزل الذي يألفونه، وظن هؤلاء أن العائلة قد طلبت طعاماً من المطعم. ومع اقتراب موعد الأذان امتلأت الطاولة بالأطباق المختلفة الألوان، وقد أبلغني عالم الاجتماع أن لديه فضولاً لدراسة هذه الظاهرة الاجتماعية المميزة"، مشدداً على "تجذر طقوس التعايش والألفة على رغم مختلف الظروف، التي تظهر بصورة أوضح خلال المناسبات".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ليالي رمضان
حين يتزامن الصوم المسيحي مع شهر رمضان تتحول طرابلس إلى لوحة روحية واجتماعية غنية بالتفاصيل المشتركة، فإلى جانب الامتناع عن الطعام والتقشف، تتشابه الممارسات اليومية التي تعكس روح العبادة والتضامن في آن.
أول هذه التقاليد موائد المشاركة، إذ يحرص كثر على تبادل الأطباق بين الجيران من مختلف الطوائف، سواء كانت أطباق إفطار رمضانية كالشوربة والسمبوسك والحلويات، أو أطباق صيام مسيحية خالية من اللحوم، ويصبح تبادل الطعام رسالة محبة قبل أن يكون عادة اجتماعية.
ومن التقاليد المشتركة أيضاً تكثيف الأعمال الخيرية، إذ تنشط حملات توزيع المساعدات الغذائية والوجبات الساخنة، وتفتح أبواب الجمعيات والرعايا والمساجد لاستقبال التبرعات، الصدقة والزكاة في رمضان، وأعمال الرحمة والعطاء في الصوم المسيحي، تلتقي جميعها في خدمة العائلات المحتاجة.
كذلك تبرز الأمسيات الروحية التي تتخذ طابعاً هادئاً يجمع بين الصلاة والتأمل، ففيما تقام صلوات التراويح في المساجد تنظم القداديس في الكنائس.
ومن العادات اللافتة أيضاً تقليص مظاهر الاحتفال الصاخب، إذ يسود جو من الوقار والهدوء في المناسبات الاجتماعية، احتراماً لروح الصوم، كذلك يحرص أصحاب المطاعم والمقاهي على مراعاة خصوصية الصائمين.
أما في الأسواق فتتجلى صورة مشتركة أخرى، إذ تشهد حركة ناشطة قبيل الغروب، حيث يتبضع الناس لتحضير وجبات الإفطار أو الصوم، وتزداد مبيعات التمور والمكسرات والخضر، في مشهد يعكس وحدة الإيقاع المعيشي في المدينة.
ولا تغيب الزيارات العائلية وصلة الرحم، إذ يعد الموسمان فرصة لتقوية الروابط العائلية، وزيارة كبار السن، وإحياء قيم التسامح والمصالحة.
الاحتفاليات الاجتماعية والأمسيات العائلية
تشهد المناطق اللبنانية سباقاً على إقامة الاحتفاليات الاجتماعية والأمسيات العائلية في معرض موسم الصوم المسيحي وشهر رمضان المبارك، وتجتذب تلك الطقوس أبناء النسيج اللبناني المتعدد، إذ ينظرون إلى الأعياد بوصفها مناسبة لاجتماع العائلة والحفاظ على التماسك العلائقي. ويشكل الموسم الرمضاني فرصة لتنشيط بعض المرافق العامة في شمال لبنان، وتسويقها سياحياً من شارع "مينو" في الميناء إلى معرض رشيد كرامي الدولي.
في هذا السياق تتطرق المحامية سليمة أديب ريفي إلى تنظيم جمعية "طرابلس حياة أمسيات ليالي رمضان في قاعات المعرض الدولي، بعدما قامت بتنظيم ليالي الميلاد، إذ تتحدث عن "محاولة لإحياء الأنشطة والتنمية في المدينة والتخلص من وطأة الأزمات الاقتصادية وجائحة كورونا التي قيدت مختلف الخطط"، وتلفت "هذه السنة الثالثة، التي تنظم فيها الجمعية ليالي رمضان، والتي يقدم ريعها لكسوة الأطفال، إذ قدمت ملابس العيد لـ3534 طفلاًـ ونتطلع إلى زيادة المداخيل هذا العام لتأمين قسائم إضافية للعائلات المتعففة الموجودة ضمن قاعدة البيانات".
وتشير ريفي إلى "إقامة قرية رمضانية في المعرض، وهي تتضمن أكشاكاً لتقديم الطعام والحلويات، والأشغال اليدوية والزينة، والحرفيات، ناهيك بالأجواء التراثية التي تعيد إحياء عمل الحكواتي، والفتلة المولوية، والتواشيح الدينية، والألعاب الترفيهية للأطفال، وعازف العود"، معبرة عن سعادتها لإعادة الأجواء الرمضانية القديمة على مدى 10 ليالٍ التي تشكل فرصة للتفاعل الثقافي للمواطنين اللبنانيين من أقصى الشمال إلى الجنوب اللبناني، حيث تجتذب الأنشطة أبناء الطوائف المختلفة في المدن المتنوعة.
في طرابلس يصبح تزامن الصومين مناسبة سنوية لتجديد ثقافة العيش المشترك، فالطقوس قد تختلف، لكن القيم واحدة: الإيمان، والرحمة، والعطاء، والتقارب الإنساني الذي يعلو فوق كل اختلاف.