Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أمعاء الصوماليين "مضطربة" كحال بلادهم

مشكلات الجهاز الهضمي تصيب أكثر من 48% من السكان بسبب الصدمات والمواد الغذائية الفاسدة

الصومال يشهد فوضى تجارية في أسواق المحاصيل الأساسية (غيتي)

ملخص

الصومال بات في مقدم دول منطقة شرق أفريقيا في الإصابات بمشكلات الجهاز الهضمي والقولون العصبي، وتؤكد الإحصاءات أن هذا الاضطراب يصيب أكثر من 48% من المجتمع الصومالي من الجنسين، مع تركز لافت في الفئة العمرية الشابة وحتى سن الـ50، وهذه النسبة المرعبة تضع الصومال أمام تحد صحي غير مسبوق.

خلف واجهات المباني المرممة في العاصمة الصومالية مقديشو، وضجيج الأسواق التي تحاول استعادة عافيتها من بين رماد الحروب، تختبئ أزمة صحية صامتة باتت تنهك القوة الإنتاجية للمجتمع، فلم تعد الصدمات النفسية الناتجة من ثلاثة عقود من الصراع المسلح تقتصر على الكوابيس أو العزلة الاجتماعية، بل انتقلت لتستوطن أجساد المواطنين عبر "متلازمة الأمعاء المتهيئة" (القولون العصبي)، التي تحولت من اضطراب عابر إلى ظاهرة وبائية تطاول قرابة نصف المجتمع الصومالي، في بلد يصارع للبقاء على قيد الحياة.

لا تتوقف أزمة القولون العصبي عند حدود الألم الجسدي بل تمتد لتضرب مفاصل الاقتصاد الصومالي الهش في بلد يعتمد فيه أكثر من 80 في المئة من السكان على العمل اليومي غير الرسمي، ليصبح المرض لصاً للوقت والمال، إذ تشير التقديرات المحلية إلى أن العامل المصاب بالقولون العصبي يضطر إلى التغيب عن عمله بمعدل 25 إلى 40 يوماً في العام مما يقلل إنتاجيته، وهذا النزف في ساعات العمل يترجم إلى خسائر بملايين الدولارات على مستوى الدخل القومي.

صدارة مؤلمة

تكشف البيانات الميدانية التي جمعتها "اندبندنت عربية" من مراكز صحية في العاصمة مقديشو أن الصومال بات في مقدم دول منطقة شرق أفريقيا في الإصابات بمشكلات الجهاز الهضمي والقولون العصبي، وتؤكد الإحصاءات أن هذا الاضطراب يصيب أكثر من 48 في المئة من المجتمع الصومالي من الجنسين، مع تركز لافت في الفئة العمرية الشابة وحتى سن الـ50، وهذه النسبة المرعبة تضع الصومال أمام تحد صحي غير مسبوق، إذ يتحول الألم النفسي "غير المرئي" إلى مرض عضوي ينهش أمعاء جيل كامل ولد في أتون النزاع.

اختزان الصدمات

في تحليل معمق للرابط البيولوجي بين الصراع والجسد يرى الباحث في الصحة الغذائية أحمد حسن، أن "ما يشهده الصومال هو حالة من (التجسيد الجسدي) للأزمات السياسية، وما نشهده اليوم في العيادات الصومالية ليس مجرد أعراض عضوية بل هو صراخ فسيولوجي لجيل سحق نفسياً"، موضحاً "نواجه ظاهرة يطلق عليها علمياً (جسدنة الصدمة) فعندما يعيش الإنسان في بيئة تفتقر إلى الأمان ويستنشق غبار التفجيرات يومياً، ويدخل جهازه العصبي في حال الكر والفر المستمرة، هذا الوضع يؤدي إلى إغراق الأمعاء بهرمونات الإجهاد مثل الكورتيزول، مما يسبب خللاً في الميكروبيوم (البكتيريا النافعة)، فتتحول الأمعاء من جهاز للهضم إلى ساحة معركة داخلية".

 

يشير حسن إلى حرمان الأطفال في الصومال من الاحتياجات الأساسية والفرص التعليمية والمهنية التي تعزز النمو النفسي السوي، إذ إن الطفل الذي يرى العنف لا ينساه عقله بل يخزنه في جهازه الهضمي، "لذا فإن تحسين مشكلات الأمراض الهضمية يبدأ بمعالجة الصحة العقلية أولاً، ونحن بحاجة إلى استراتيجية وطنية تدرك أن استقرار البطون يبدأ من استقرار الأوطان".

مففخات غذائية

على الجانب الآخر من الأزمة يبرز التهديد الغذائي كعامل حاسم لا يقل خطورة عن الرصاص، يوضح مدير مستشفى البر عبدالله حسين، أن الصومال يعيش حالاً من "الارتهان الغذائي" الخطر، ويدفع اليوم ضريبة مزدوجة، واحدة مقابل انهيار الإنتاج المحلي وأخرى بسبب العولمة غير المراقبة، مضيفاً "قبل ثلاثة عقود كانت البلاد تنتج ما يقارب 40 في المئة من غذائها، أما اليوم فنحن نستورد الموت في المعلبات، إذ أدى القتال المستمر وأزمة المناخ إلى اعتمادنا بنسبة 90 في المئة على القمح المستورد من روسيا وأوكرانيا، وعندما تعطلت سلاسل الإمداد ارتفعت الأسعار، مما فتح الباب لما يمكن تسميته بالتهريب الإجرامي للمنتجات المقلدة والمنتهية الصلاحية" .

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونبه حسين لرصد حالات لمراجعين يعانون تهيجاً معوياً حاداً نتيجة تراكم السموم والمعادن الثقيلة الموجودة في أغذية رديئة تدخل البلاد بلا رقابة، "إذ جعل بعض الموردين شرق أفريقيا مكباً للمنتجات التي ترفضها الموانئ الدولية"، مطالباً بإنشاء مختبرات فحص جزيئي فورية "فالتشخيص السريري وحده لا يكفي عندما تكون المادة الغذائية نفسها مفخخة كيماوياً وتؤدي إلى اضطراب وتقلصات عضلات جدار المعدة".

نزف الإنتاجية

لا تتوقف فاتورة الأمعاء المتهيئة عند عتبات المستشفيات بل تمتد لتضرب مفاصل الاقتصاد الصومالي الهش، ففي ظل غياب التأمين الصحي الشامل يضطر الموظف المصاب بالقولون العصبي إلى التغيب عن عمله بمعدل يزيد بثلاثة أضعاف عن أقرانه مما يعطل دورة الإنتاج في بلد يحتاج إلى كل ساعة عمل لإعادة الإعمار، إذ تشير تقديرات محلية إلى أن كلفة الأدوية المسكنة ومضادات الحموضة والتقلصات تستنزف جزءاً كبيراً من دخل الأسرة الصومالية، وهي في الغالب أدوية تعالج "العارض" ولا تعالج "المرض" المرتبط بالبيئة النفسية والغذائية الكلية .

مناطق الظل

من جهته كشف مصدر في جهاز حماية المستهلك عن وجود فوضى تجارية في أسواق المحاصيل الأساسية، إذ إن غياب المعايير الوطنية للرقابة أدى إلى انتشار زيوت وحبوب مشبعة بمواد حافظة محظورة دولياً تسهم في تفاقم حالات الالتهاب المعوي المزمن لدى الشباب وتزيد من حدة أعراض القلق والتوتر المرتبطة بالقولون العصبي، وأن العلاج الحقيقي لا يكمن في العقاقير الطبية وحدها بل في صفقة وطنية تشمل تشديد الرقابة على "الموانئ" ودعم الصحة العقلية لضحايا الصراع وتحفيز الزراعة المحلية لاستعادة "السيادة الغذائية".

 

وأكد المصدر أن "هناك تقارير دورية عن دخول شحنات من الدقيق والزيوت واللحوم المعلبة التي يتم التلاعب ببياناتها الجمركية وتواريخ صلاحيتها في الموانئ غير الرسمية أو عبر الحدود البرية السائبة، وهذه المنتجات تحوي مواد حافظة محظورة دولياً ومتبقيات كيماوية تسبب تهيجاً مزمناً للأمعاء، كذلك فإن الخطر يكمن في ظروف التخزين تحت درجة حرارة تتجاوز 40 درجة مئوية في مخازن تفتقر إلى أدنى معايير السلامة، مما يحول الغذاء إلى سموم بطيئة تسهم مباشرة في رفع نسب الإصابة بآلام البطن المزمنة" .

إن مأساة "القولون العصبي" في الصومال هي صرخة جسدية ضد واقع سياسي واقتصادي مرير، ولا يبدأ الحل من الصيدلية وحسب، بل عبر تحسين الرقابة على الأغذية المستوردة لمنع السموم والمواد المقلدة، وتوفير مراكز دعم نفسي متخصصة لضحايا الحروب، وتحقيق استقرار سياسي ينعكس على الهدوء النفسي للمواطن، فأمعاء الصوماليين هي المرآة التي تعكس واقع البلاد المضطربة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير