كل 12 ساعة، يولد في لبنان طفل يعاني مشكلة تهدد الحياة في القلب ويحتاج إلى تدخل فوري حفاظاً على حياته، كما يشخص أكثر من 700 مولود سنوياً بمرض القلب الخلقي، في وقت يحتاج 400 منهم إلى تدخل جراحي أو غير جراحي. في نسبة كبيرة من الحالات، يمكن أن تكون حياة الطفل مهددة بالخطر، وتستدعي حالته تدخلاً جراحياً سريعاً لإنقاذه، مما يشكل صدمة للأهل الذي يترقبون لحظة ولادة طفلهم من دون أن يتوقعوا وجود مشكلة مماثلة لديه، والأصعب أن كلفة هذه الجراحات تصل إلى عشرات آلاف الدولارات وتتخطى إلى حد كبير الإمكانات المادية لكثيرين من الأهل، فيجدون أنفسهم غارقين في حيرة قاتلة، عندما يرغمون على اتخاذ القرار الحاسم الذي يتعلق بحياة طفلهم الذي يمكن أن يخسروها، فإما أن يؤمنوا هذا المبلغ الكبير من المال لإنقاذ حياة الطفل خلال ساعات أو أن تكون حياته مهددة بالخطر وقد يفقدها خلال أيام معدودة. في أسبوع التوعية حول تشوهات القلب الخلقية، يشدد الأطباء على أهمية تشخيص حالات مماثلة خلال الحمل ليكون من الممكن التدخل بفاعلية وبأسرع وقت ممكن عند الولادة.
الاستعداد للمشكلة ينقذ الحياة
"لا تعد التشوهات الخلقية في القلب من المشكلات التي لا يمكن الوقاية منها، لكن على الأقل يمكن للأهل التحضر لها وتلقي المتابعة الطبية اللازمة خلال الحمل ليكون من الممكن التدخل بفاعلية مباشرة عند الولادة من دون تأخير تجنباً لارتفاع مستويات الخطر"، هذا ما أكدته الطبيبة الاختصاصية في أمراض القلب لدى الأطفال في مستشفى الجامعة الأميركية ببيروت ورئيسة عيادة قلب الجنين مريم عرابي، مشيرة إلى "أنه في نسبة 10 في المئة من الحالات، قد تكون هناك حاجة إلى جراحة مباشرة عن الولادة أو خلال ساعات أو أيام، وفي حال تشخيص الحالة خلال الحمل من الممكن التحضر لها واللجوء إلى المتابعة الطبية اللازمة، كما يكون الفريق الطبي والأهل مستعدين للتعاطي مع الحالة بالشكل المناسب، كما أن ذلك يستدعي حصول الولادة في أحد المستشفيات المجهزة لاستقبال هذه الحالات، فنقل الطفل من مستشفى إلى آخر مجهز بعد ولادته يمكن أن يهدد حياته أحياناً ولا يمكن إنقاذه".
وبحسب عرابي، "لا يمكن معرفة ما إذا كان الطفل سيولد مع انخفاض حاد في مستويات الأوكسيجين بشكل مسبق، ولا بد من تقديم الرعاية اللازمة بأسرع وقت ممكن، وثمة حالات يمكن فيها إعطاء دواء للحامل في حال اكتشاف مشكلات معينة في كهرباء القلب لدى الجنين، مما يساعد على معالجة الحالة، كما يمكن إعطاء الطفل دواء بعد الولادة في مشكلات أخرى محتمل أن تظهر. لكل هذه الأسباب، يعتبر التشخيص قبل الولادة مثالياً في مثل هذه الحالات، بما أن نسبة 10 في المئة من الأطفال الذين يولدون بتشوهات خلقية في القلب، يحتاجون إلى تدخل مباشر عند الولادة إما بالقسطرة أو بالجراحة. وفي نسبة 90 في المئة من الحالات، يحصل التشخيص خلال العام الأول، ومن ضمنهم تبقى نسبة تضم من لا تشخص المشكلة لديهم إلا لاحقاً في مرحلة الرشد. ويمكن لطبيب الأطفال أن يشخص هذه المشكلة التي لا تظهر أعراض واضحة لها، في المتابعة الدورية، لدى سماعه صفيراً في الصدر أو عارضاً آخر يمكن أن يلفت نظره ويستدعي إجراء مزيد من الفحوص، مع الإشارة إلى أن ثمة حالات معينة تستدعي إجراء صورة لقلب الجنين أثناء الحمل للتأكد من عدم وجود مشكلة في القلب، لا سيما في حال تعرض الأم لمواد معينة أو أدوية خلال الحمل يمكن أن تؤثر على قلب الجنين وتسبب تشوهاً لديه، وإذا لم يتمكن الطبيب النسائي من التأكد من العناصر التي تؤكد صحة قلب الجنين، وفي حال ولادة طفل من حمل سابق لديه تشوه في القلب، ولدى وجود حالات مماثلة في العائلة فتجرى عندها صورة قلب الجنين في كل حمل، وإن كانت الصورة التي يجريها الطبيب النسائي سليمة، وفي حال ظهور مشكلات في الكلى أو الرئتين لدى الجنين".
أسباب غير معروفة غالباً
أضافت الطبيبة الاختصاصية في أمراض القلب لدى الأطفال أن "تشوهات القلب الخلقية تعد من أكثر التشوهات الخلقية شيوعاً، وهذا لا يعني أنها من الحالات الشائعة، فهي موجودة بنسبة واحد في المئة على مستوى العالم وليست لها أسباب معروفة في معظم الحالات، إنما أحياناً، قد تكون هناك علاقة للتعرض لمواد معينة أو أدوية خلال الحمل، أو يمكن أن يرتبط ظهور حالات مماثلة بالتغذية ووجود عناصر غير صحية فيها، أو التعرض للتلوث في المحيط، هي أمور تسهم في ظهور التشوهات الخلقية في القلب، وما يمكن أن يحصل أنه في مرحلة تكوّن الجنين، أحياناً في الشهر الأول، يحصل خلل جيني معين ويؤدي إلى هذه المشكلة. في معظم الحالات، يكون التدخل الطبي أو الجراحي ممكناً ويتخطى الطفل هذه المشكلة ويعيش حياة طبيعية، علماً أن التشوهات الخلقية في القلب تقسم بين تلك البسيطة التي يمكن أن يكون فيها ضيق في الصمام أو ثقب صغير، وقد لا تستدعي أي تدخل طبي، والتشوهات المعتدلة التي يمكن أن تستدعي التدخل أو لا، بحسب المتابعة الطبية. فمن الممكن الاكتفاء بتوصيات للمريض، بألا يبذل جهداً كبيراً، ويعيش حياته وكأن المشكلة غير موجودة، لكن الحالات الشديدة الحدة تستدعي الجراحة والمتابعة الطبية، ويمكن بعدها ممارسة حياة طبيعية في معظم الحالات أو في حالات قليلة يمكن متابعة الحياة بأنشطة أقل، أما في الحالات التي لا يجري التشخيص فيها أبداً، فغالباً ما تكتشف المشكلة عند التعرض لحادثة سواء في مرحلة الطفولة أو في مرحلة الرشد، أثناء القيام بجهد فتكون النتيجة التوقف المفاجئ للقلب، كما حصل، منذ أيام قليلة، مع الشاب محمد علي دعبول أثناء مشاركته في سباق الماراثون، بما أنه لا تظهر مؤشرات سابقة للمشكلة"، وشددت على أن "هذا ما يستدعي التشديد على أهمية الفحص الدوري لدى طبيب الأطفال الذي يمكن أن يكتشف مشكلة مماثلة، يضاف إلى ذلك أن ثمة مشكلات تحصل مع العمر مثل التضخم في القلب أو الانسداد تحت الصمام الأبهر أو لحمية في القلب بعمر 15 سنة أو أكثر، أما الفحوص الخاصة بالقلب للأطفال، فلا تسبب أي ألم ولا تعرضهم للأشعة".
جراحة مكلفة لسبب
يمكن أن تصل كلفة جراحة القلب للأطفال إلى 50 ألف دولار، وتلك المبالغ المطلوبة من الأهل، التي يتوجب عليهم تأمينها سريعاً لا تكون متوافرة غالباً لديهم، وعن السبب وراء ارتفاع تكاليف الجراحة، أوضحت عرابي أنها جراحة دقيقة تتطلب تجهيزات معينة ومعدات خاصة بالأطفال وتخصصاً في جراحة القلب، إضافة إلى تدريب الفريق الطبي بشكل معين لمثل هذه الحالات، "وهذه العناصر تجعل جراحة قلب الأطفال من الجراحات المكلفة فعلاً، وإن تفاوتت هذه التكاليف إلى حد ما بين مركز وآخر"، وبحسب عرابي "لولا وجود جمعيات تساند الأهل وتتولى تغطية تكاليف هذه الجراحة، لما كان من الممكن إنقاذ حياة هذا العدد الكبير من الأطفال في لبنان، فوجود الجمعيات أساسي في دعم الأهل في مثل هذه الحالات".
تجارب ومعاناة
تتحدث ساندي الحايك عن التجربة القاسية التي مرت بها مع ابنتها ريبيكا، مشيرة إلى أنها اكتشفت أن ابنتها مصابة بتشوه خلقي في القلب في الشهر الخامس من الحمل، وبعد تحويلها إلى طبيبة متخصصة في أمراض القلب لدى الأطفال، تبين أن ثمة مشاكل عدة تعانيها ريبيكا في قلبها، وكانت هناك متابعة لها خلال الحمل. لذلك، عندما ولدت أخذت مباشرة منها ولم تتمكن من رؤيتها حتى، ونُقلت إلى الحاضنة لأنها كانت تعاني مشكلة في التنفس، وقد انخفضت مستويات الأوكسجين لديها. وخضعت الطفلة إلى التمييل في القلب بعمر الأسبوع ومكثت شهراً كاملاً في المستشفى كونها كانت صغيرة الحجم بسبب مشكلات قلبها، وهي تعاني مشكلات في التنفس. بعد أشهر قليلة، توجهت الحايك إلى مستشفى "الجامعة الأميركية" حيث يمكن أن تتلقى ريبيكا المتابعة المتخصصة، وتدخلت جمعية "برايف هارت" مباشرة لفتح ملف للطفلة وتقديم كل المساعدة اللازمة عند الحاجة. وتؤكد والدتها اليوم أنه لو لم تتأمن تكاليف الجراحة لما كان من الممكن توفير هذه المبالغ الضخمة، كما أن تأجيل الجراحة يشكل تهديداً لحياتها، فالمسألة هنا حياة أو موت.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لم يمضِ وقت طويل قبل أن تتدهور حالة ريبيكا عندما أصيبت بالإنفلونزا. فانخفضت مستويات الأوكسجين لديها، وكادت عائلتها تخسرها لو لم تنقلها مباشرة إلى المستشفى. كانت هناك ضرورة ملحة لإجراء الجراحة وهي لا تزال بعمر أربعة أشهر لأن أي فيروس يشكل تهديداً لحياتها، والأصعب أن الطفلة الصغيرة احتاجت إلى عملية ثانية في اليوم نفسه بسبب مضاعفات مرتبطة بالجراحة. وعلى رغم ما تعرضت له وخروجها سالمة من العمليتين، لم تتحسن حالة ريبيكا إلى حد كبير لأن قلبها كان متعباً، ولديها مشكلات في الشرايين. لذلك، في عمر عام ونصف العام، خضعت إلى جراحة جديدة عندما تخطى وزنها 10 كيلوغرامات، وتم زرع شريان لها بعد أن ظهرت مشكلات أخرى. لكن كون عضلة القلب كانت قد تعبت جداً، لم يكن اللجوء إلى عملية تصحيحية أخرى بعدها ممكناً، ولا تزال العائلة في مرحلة ترقب مع المتابعة الطبية لحالتها، "كان من المفترض أن تجرى الجراحة الإضافية لريبيكا خلال خمس سنوات إلا أنها لم تجرَ لها حتى الآن. وكون وضعها ثابتاً ومستقراً من الممكن تأجيلها، ويكون ذلك أفضل لها حتى تكبر وتتحسن عضلة القلب وتزيد قوة."
حياة طبيعية مع متابعة طبية
على رغم كل ما مرت بها ريبيكا، فإنها تعيش حياة طبيعية مع متابعة طبية دقيقة، بانتظار أن تجرى الجراحة لها، لكنها تعاني النحول، إضافة إلى أنها تتعب سريعاً وقد تنخفض مستويات الأوكسجين لديها بحدة أحياناً. لذلك، هي تحاول القيام بأنشطة على قدر ما يتحمل جسمها وما لها من طاقة.
من جهته، تحدث محمد كساب عن ابنته مهى التي عانت كثيراً ولا تزال، بسبب مشكلة في القلب، حتى إنها بعد ولادتها لم يتوقع لها الأطباء النجاة، حتى في حال خضوعها لجراحة، إلا أنها كانت أقوى من الموت وأقوى من التوقعات، واستطاعت بجسمها الصغير أن تتغلب على المرض وعلى كل التحديات. وأكد والدها أنه لم تظهر لدى ابنته أي مشكلة قبل ولادتها، بل بعد الولادة بساعات، فتحوّل لونها إلى الأزرق، وكشفت الفحوص أنها مشكلة في القلب وأنها تعاني تشوهاً خلقياً كبيراً فيه. فكانت بداية رحلة مهى وعائلتها مع معاناة طويلة ومضنية. وبعد التوجه إلى مستشفى "الجامعة الأميركية" حيث أجريت لمهى جراحة طارئة لأن حالتها لم تكن تحتمل الانتظار، كما أن نتائجها لم تكن مضمونة، وقد توقع لها الأطباء العذاب حتى بعد الجراحة. أجريت لها ثلاث عمليات وكانت الأخيرة الأصعب لأنها عانت مضاعفات بسببها، وتوقع الأطباء ألا تعيش، "تحضّرنا لفكرة أن الرب أعطى والرب يأخذ، لأن التوقعات كانت تنبئنا أن مهى لن تنجو. لكن قدر الله أن تقوى على المرض وتتغلب عليه بإرادة العيش الجبارة لديها، وفرغت الرئتان من السوائل التي فيها ونجت بمعجزة إلهية".
تخطت مهى كل التحديات، لكن عند الولادة، بسبب انخفاض مستويات الأوكسجين في الدماغ تأخر النمو لديها، إلا أن ذكاءها لم يتأثر بل استطاعت أن تتابع دراستها مع تحسن ملحوظ بعد خضوعها للجراحة، وتمارس نشاطات بقدر ما تسمح لها صحتها وجسمها. لا ينكر والدها أن مهى بقيت مدللة، وتخاف على نفسها كثيراً، على رغم صغر سنها وإن كان نشاطها طبيعياً، ومن المتوقع أن تحتاج مهى إلى جراحة أخرى في عمر 11 سنة، بحسب وضعها.