Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوكرانيات وهنود على خط الجبهة

تقنيات بسيطة لكنها فعالة في ميدان الحروب... تحجز مواقعها بين صخب الطائرات وهدير الدبابات والمسيرات والنياشين في "دفاع الرياض"

ملخص

تعيد مشاهد اللوجيستيات متناهية الصغر أمام عمالقة التسلح إلى الأذهان المقولة الشهيرة للجنرال روبرت أتش بارو، قائد سلاح مشاة البحرية الأميركية السابق، يوم أكد خلال عام 1979 أن "الهواة يتحدثون عن التكتيكات، فيما المحترفون يدرسون اللوجيستيات".

بينما سرقت المقاتلات الكورية بسحر عروضها البهلوانية مني رفيقي وهي تبرز عضلاتها بعيداً من غريمها "كيم جون" شمال الرياض، كأنها تنافس رقصات فتيان فرقة الـ"بي تي أس" العائدين للتو من التجنيد الإجباري في "سول"، غادرت صخب المكان بحثاً عن "الجندي المجهول" الذي كثيراً ما سمعنا عنه في أجواء الحروب ولم نره أبداً.

لكن مهمة البحث عن المجاهيل في زحمة الصواريخ العابرة والمسيرات والذكاء الاصطناعي والمدرعات والدبابات، وحشود الجنود المزخرفين بالنياشين كأنهم في أجواء حرب وتحضير لعظائم الأمور، لم يكن سهل المنال.

 فلئن قاوم الصحافي هيبة "أف 35" الرابضة خلف الستار وشقيقتها الكبرى "أباتشي" أو إن شئت "دبابة السماء" كما اختزلها مقاتل سعودي يقدمها إلى الزوار بـ"لسان المجرب" صولاتها في الميدان، فإن المهنة لن تغفر إفلات وزير الدفاع الصومالي، الذي مر مسرعاً مطوقاً بالضباط من كل الدرجات وألوان التيجان البحرية والبرية والجوية، وسط حشد دولي وإقليمي على سواحل بلاده، فيما ينسج هو خيوط المواقف مع جارته الكبرى على البحر الأحمر في "معرض الدفاع العالمي 26"، الذي التقى على هامشه وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان وآخرين.

خلف ذلك تبرز مفارقة "الجندي المجهول"، فخلف هذا البريق التقني المعقد والعسكري المهيب، تفرض "اللوجيستيات البسيطة" حضورها كعنصر حاسم في حماية الأرواح وحسم بقاء الجنود في الميدان. هنا، لا تُقاس القوة بحجم المبنى، وإنما بالمعنى ومدى فاعلية أدوات قد تبدو متواضعة، لكنها أثبتت أنها "الحد الفاصل" بين الموت والحياة.

إذ تعيد مشاهد اللوجيستيات متناهية الصغر أمام عمالقة التسلح إلى الأذهان المقولة الشهيرة للجنرال روبرت أتش بارو، قائد سلاح مشاة البحرية الأميركية السابق، يوم أكد خلال عام 1979 أن "الهواة يتحدثون عن التكتيكات، فيما المحترفون يدرسون اللوجيستيات". تلك هي الحكمة التي وجدت "اندبندنت عربية" ترجمتها العملية في أجنحة دول مثل أوكرانيا والهند وتركيا، حيث يتحول "حزام مطاطي" أو "قطعة قماش للتمويه" إلى أدوات حماية أو "جندي مجهول" لا يكاد يرى، على رغم فاعليته على الأرض.

"عصبة النجاة"

داخل الجناح الأوكراني، تلتقي "اندبندنت عربية" الطبيبة يوليا هالوشينكو متخصصة طب الطوارئ، التي تستعرض عصبة وقف النزف (SICH-Tourniquet)  التي تزن 105 غرامات فحسب، إلا أن معناها في نتاج تجربة الطبيبة التي صهرتها نيران الحرب المستعرة، بميزان الأطنان وحياة أعداد من الناس في المدن الأوكرانية.

 توضح يوليا أن النزف الحرج في الأطراف يعد السبب الأول للوفيات التي يمكن تجنبها في الميدان، حيث "يمكن للمصاب أن يفقد حياته في غضون ثلاث إلى خمس دقائق فقط".

تقول هالوشينكو ضمن شهادتها الميدانية "في الميدان الأوكراني، نقول إن امتلاك هذه العصبة يعني فرصة بنسبة 100 في المئة للبقاء على قيد الحياة إذا ما طُبقت خلال الوقت المناسب. لقد باشرت حالات لمصابين كان النزف يهدد حياتهم فوراً، من بينهم سيدة في الـ45 من عمرها تعرضت لبتر ذراع كامل إثر هجوم بمسيرة، ولولا هذه الأداة التي صممت ليتمكن المصاب من تطبيقها بيد واحدة في أقل من 30 ثانية، لكانت في عداد الموتى". وتضيف الطبيبة أن هذه الأداة أثبتت فاعليتها حتى في الحياة المدنية، إذ استخدمت لإنقاذ شباب في مقتبل العمر تعرضوا لإصابات بليغة في الساقين جراء حوادث سير مروعة.

ويتكون الحزام من عصا ألمنيوم معدنية مقواة وشريط لاصق خاص حائز على براءة اختراع، مما يسمح لها بالعمل بكفاءة حتى في حال اتساخها بالدماء أو الزيوت أو الشحوم. وخضعت لاختبارات قاسية لضمان الحفاظ على ضغط ثابت (300-350 ملم) لمدة ساعتين في درجات حرارة متطرفة تراوح ما بين 40 درجة تحت الصفر و50 درجة مئوية.

وتكمل مديرة العمليات الدولية فكتوريا سميرنوفا هذا المشهد بواقعة توثق صلابة هذه اللوجيستيات البسيطة "أرسل لنا أحد الجنود رسالة يؤكد فيها أن العصبة المثبتة على سترة صدره استقبلت رصاصة مباشرة منعت اختراقها لجسده، ومع ذلك ظلت العصبة محتفظة بوظيفتها الطبية. لقد صممت لتكون جزءاً من جعبة الجندي التي تحميه وتنقذه في آنٍ".

ومع بساطة العصبة في شكلها الخارجي إلا أن الموقع الإلكتروني لها يصفها بأنها "تطور وقفزة هائلة لأوكرانيا التي كانت تجهيزاتها الطبية خلال عام 2014 متهالكة، مما أجبر الكيماويين والمتطوعين على ابتكار حلول محلية تفوقت في اختبارات الموثوقية على نماذج عالمية شهيرة".

 التمويه "متعدد الأطياف"

وعلى مقربة من صخب الآليات، تبرز تجربة هندية "نادرة" تقدمها شركة "عادل للمنسوجات"(ATPL) ، التي تشارك للمرة الأولى في الرياض لتعرض فلسفة "الاختفاء كدرع حماية". لا تقدم الشركة ملابس عسكرية مثل المعتاد، بل "منظومات إخفاء" ذكية تعتمد على نسيج مطلي بطبقات خاصة قادرة على تضليل أجهزة الاستشعار المتطورة.

 

 

ويشرح مدير العمليات في الشركة الهندية راغيش الأوكان لـ"اندبندنت عربية" أن مفهوم التمويه الحديث لم يعد مجرد ألوان تتناسب مع البيئة، بل أصبح تقنية متعددة الأطياف تتعامل مع المرئي والأشعة تحت الحمراء القريبة والحرارية، وحتى الرادار. ويقول الأوكان "نحن ننتج 5 ملايين قطعة سنوياً لجيوش دولية، ونركز على أن يكون النسيج مضاداً للبكتيريا ومثبطاً للهب ومقاوماً للرادارات في آن. التمويه هنا هو وسيلة لمنع وقوع الهجوم أصلاً عبر تقليل احتمالية الكشف للجنود والآليات على حد سواء".

وشاهدنا أثناء الجولة اهتمام وفود دولية وخاصة من أفريقيا بهذه التقنية على بساطتها، فهي تهدف إلى حماية الآليات والجنود من "عيون" المسيرات وأجهزة الرصد الحراري التي باتت تحكم الميادين الحديثة. ويرى الأوكان أن نجاح شركته في تزويد دول خليجية مثل الإمارات وسلطنة عمان يدفعها إلى البحث عن تعاون تصنيعي في السعودية، مؤكداً أن "كفاءة الجندي تبدأ من ملابسه التي توفر له الحماية والشعور بالأمان".

 جعبة الذخيرة التي لا تموت

في المحور الثالث، تشارك شركة "كارميتال" التركية بتسليط الضوء على جانب قد يبدو تقليدياً لكنه حيوي لضمان القدرة النارية، وهو "الجعابي" وصناديق الذخيرة. وتطرح الشركة رؤية واقعية تشير إلى أن مخازن وصناديق الذخيرة هي من بين أشياء قليلة في العالم لم يطرأ عليها تغيير جذري منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك لسبب استراتيجي بسيط، الحفاظ على سلامة القذيفة من الرطوبة والتلف الميداني يظل ثابتاً مهما تطور السلاح.

تعتمد "كارميتال" كما تقول لنا في فلسفتها على أن "الاستدامة في القتال تبدأ من جودة الحاوية"، إذ تنتج مكونات دقيقة لهياكل قذائف الهاون والدبابات، وتصدرها إلى 16 دولة، مؤكدة أن "اللوجيستية الصامتة" المتمثلة في تخزين ونقل الذخيرة بأمان هي ما يضمن دقة التنفيذ عند لحظة الصفر.

 اللوجيستيات قبل العتاد في الحروب

 التركيز الميداني على الأدوات البسيطة يجد صدى عميقاً ضمن التحليلات العسكرية الاستراتيجية. ففي تقرير متخصص، يوضح العقيد المتقاعد في سلاح الجو الأميركي دون بيرشوف أن التحديات اللوجيستية هي التي تقرر مصير الحملات العسكرية الكبرى. ويشير بيرشوف إلى أن "المسافة هي العدو الأكبر"، فكلما توغلت القوات المهاجمة بعيداً من قواعد دعمها، أصبحت سلسلة الإمداد أكثر عرضة للعطل، وهو ما قال إن القوات الروسية واجهته في بدايات حرب أوكرانيا حين تعثرت القوافل بسبب مشكلات التوريد.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويؤكد المتخصص الأميركي لموقع "فريت ويفز" المتخصص في اللوجيستيات أنه مقابل كل جندي في الخطوط الأمامية، يوجد عادة اثنان من أفراد الدعم اللوجيستي لضمان تدفق المعدات والوقود والإمدادات الطبية. إن نجاح الجندي الأوكراني في استخدام "العصبة" الفردية، أو الجندي الذي يختفي تحت أنسجة التمويه الهندية، هو في جوهره تخفيف للعبء اللوجيستي الضخم عن كاهل الجيش، فهي أدوات تمنح المقاتل "استقلالية موقتة" وقدرة على الصمود الذاتي في اللحظات الحرجة.

بين بريق الطائرات في سماء الرياض وبساطة "العصبة" في يد يوليا، تتكشف وجوه أخرى للحرب الحديثة، فهي صراع "إمداد" قبل أن تكون صراع "نيران". فالعصبة الطبية التي تمنح المصاب حياة مديدة، قد تصل إلى ساعتين للوصول إلى الطبيب، ونسيج التمويه الذي يضلل الرادارات وصندوق الذخيرة الذي يحفظ القذيفة من التلف، قد تكون نماذج حية عن "الجندي المجهول" كبير الأثر على رغم صغر حجمه وضآلة كلفته.

لهذا يخلص الخبراء في المدونات العسكرية، إلى أن المعارك قد تربح بالتكتيك، لكن الحروب تحسم دائماً باللوجيستيات التي تبدأ من أصغر التفاصيل في حقيبة الجندي.

لكن الخدمات اللوجيستية متعددة الأوجه وتتطلب أكثر من مجرد خبراء لوجيستيين. فعلى عكس الخدمات اللوجيستية المدنية، تشمل سلسلة الإمداد في المواقف القتالية أفراد القاعدة، ومصادر الاستخبارات، والأصول البرية، وغير ذلك كثير. ويوضح بيرشوف أنه "مقابل كل جندي في الخطوط الأمامية، يوجد عادة اثنان من أفراد الدعم. يتولى هؤلاء نقل المعدات والإمدادات، بما في ذلك الذخيرة والغذاء والوقود".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير