ملخص
وُجد أن بذور الخروب وحبوب القمح، وكلاهما كان يُستخدم لأغراض غذائية، وحدات مثالية للوزن، ويعود ذلك إلى أن وزن أي بذرة خروب، يُساوي وزن أي بذرة خروب أخرى، وبمرور الوقت أصبحت بذور الخروب وحدة الوزن القياسية للأحجار الكريمة.
في الصورة أعلاه ثمرة شجرة الخروب، ركز فيها جيداً إن لم يسبق لك أن رأيتها أو التقطتها بين يديك، وإن حظيت بهذه التجربة فاعلم أنك حملت بين يديك سراً عمره آلاف الأعوام مكنوز بين طياتها ألا وهو بذورها، إذ قد يخطر لأي أحد لوهلة أن يرميها ويتخلص منها، لكن إن أمعنت النظر وتحسستها جيداً فاعلم أنك تمسك بين يديك من أقدم الموازين عبر التاريخ.
لكن لم تكن هذه البذور ميزاناً لشيء عادي بل كانت معياراً حدد ثروات الملوك والأباطرة، فقد كانت ميزاناً للألماس والأحجار الكريمة والذهب، ولذا من الرائع الاعتقاد أن شيئاً طبيعياً بسيطاً مثل بذور الخروب يمكن أن يكون له تأثير كبير في التاريخ والتجارة.
وفي المرة المقبلة التي ترى فيها ماسة أو قطعة من المجوهرات الذهبية، تذكر بذور الخروب المتواضعة التي ساعدت في تشكيل الطريقة التي نقيس بها الأشياء الثمينة.
أوزان ومقاييس
وتعود أقدم أنظمة الأوزان والمقاييس المسجلة للألفية الثالثة أو الرابعة قبل الميلاد، حتى إن أقدم الحضارات كانت بحاجة إلى القياس لأغراض الزراعة والبناء والتجارة، وربما كانت وحدات القياس المعيارية الباكرة تطبق فقط على مجتمع واحد أو منطقة صغيرة، إذ طورت كل منطقة معاييرها الخاصة للأطوال والمساحات والأحجام والكتل، وغالباً ما كانت هذه الأنظمة مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بمجال استخدام واحد، إذ لم تكن مقاييس الحجم المستخدمة للحبوب الجافة مرتبطة بتلك المستخدمة للسوائل، ولم يكن لأي منهما علاقة خاصة بوحدات الطول المستخدمة لقياس القماش أو الأرض.
وتشير السجلات البابلية والمصرية الباكرة إلى أن الطول كان يقاس في البداية بالساعد أو اليد أو الإصبع، وأن الوقت كان يقاس بفترات الشمس والقمر والأجرام السماوية الأخرى، وعندما دعت الحاجة إلى مقارنة سعات الأوعية، مثل القرع أو الأواني الفخارية أو المعدنية، كانت تُملأ ببذور النباتات التي تحصى لقياس أحجامها، وعندما اُخترعت وسائل الوزن اُستخدمت البذور والأحجار كمعايير، وعليه فقد اُستخرج مقياس القيراط الذي لا يزال يستخدم كوحدة للأحجار الكريمة من بذور الخروب.
من اليونان البداية
يعود مصطلح القيراط لتجار العالم القديم، فقد كان من الضروري وجود وزن معياري للأحجار الكريمة، إذ كان تجار البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط القديم يعتمدون على القدرة على التجارة بوحدة قياس متسقة إلى حد كبير، وكانت هذه الحاجة هي التي أدت إلى اعتماد البذور والحبوب كوحدات قياس مقبولة على نطاق واسع.
ووجد أن بذور الخروب وحبوب القمح، وكلاهما كان يُستخدم لأغراض غذائية، وحدات مثالية للوزن، ويعود ذلك لأن وزن أية بذرة خروب يساوي وزن أية بذرة خروب أخرى، وبمرور الوقت أصبحت بذور الخروب وحدة الوزن القياسية للأحجار الكريمة.
وقد بدأ التجار وصائغو المجوهرات اليونانيون في استخدام الـ "كيراتيا" وهي جمع الـ "كيراتيون" كوحدة لوزن الأحجار الكريمة والمعادن الثمينة، وفي ما بعد انتشرت هذه الممارسة في جميع أنحاء البحر الأبيض المتوسط مما أثر في أنظمة التجارة الرومانية والعربية والأوروبية اللاحقة.
ومن اليونانية انتقل المصطلح إلى اللاتينية carratus ثم إلى الإيطالية القديمة carato قبل الدخول إلى الفرنسية carat ، وفي النهاية الإنجليزية، واليوم carat له معنيان أساسيان هما وحدة الوزن للأحجار الكريمة (1 قيراط = 200 ميليغرام) ومقياس نقاء الذهب، حيث الذهب من عيار 24 قيراطاً هو الذهب الخالص، وكلمة "خروب" نفسها مشتقة من الكلمة العربية "قيراط".
تحولات القيراط
ولقرون عدة ظلّت بذور الخروب وحدة قياس وزن الأحجار الكريمة، ولكن مع حلول العصور الوسطى طرأت تغييرات على طرق التجارة، وأصبحت مراكز التجارة الكبرى تقع داخل أوروبا، وأصبح القيراط، بحسب ما عُرف آنذاك، مرتبطاً بوزن طروادة البالغ أربعة حبوب، وذلك بعد أن جرى التخلي عن بذور الخروب في مرحلة ما خلال تحوّل مراكز التجارة، وكان قيراط طروادة يعادل نحو 205 مليغرامات، واستمر استخدام هذا المقياس للقيراط حتى القرن الـ20، وخلال الفترة ما بين عامي 1907 و1914 جرى دمج القيراط مع النظام المتري للأوزان، وبحلول عام 1914 تخلت الولايات المتحدة رسمياً عن قياس طروادة السابق البالغ 205.3 ميليغرام للقيراط، واعتمدت قياس القيراط المتري الحالي البالغ 200 ميليغرام.
وعندما نتحدث عن وزن الألماس أو أي حجر كريم آخر نستخدم مصطلح وزن القيراط، ويشير هذا إلى عدد القيراط الذي يزنه الحجر الكريم، إذ يزن الماس عيار 1 قيراط 0.2 غرام، بينما يزن الماس عيار 2 قيراط 0.4 غرام، ومن هنا المهم ملاحظة أن وزن القيراط لا يحدد بالضرورة قيمة الألماس، إذ يمكن لعوامل أخرى مثل اللون والوضوح والقطع أن تلعب دوراً مهماً في قيمته، ومع ذلك فإن الماس الأكبر حجماً يكون عموماً أكثر قيمة من الماس الأصغر حجماً مع تساوي جميع العوامل الأخرى.
وإضافة إلى استخدامه في قياس الألماس يستخدم مصطلح القيراط أيضاً في صناعة المجوهرات لوصف نقاء الذهب، لذا فعند الحديث عن معادن مثل الذهب يتغير معنى القيراط فهو يشير إلى نسبة الذهب الخالص في السبيكة، إذ يبلغ وزن الذهب الخالص 24 قيراطاً، إلا أن معظم الذهب المستخدم في المجوهرات يُمزج مع معادن أخرى لجعله أكثر متانة، فمثلاً الذهب عيار 18 قيراطاً يتكون 75 في المئة من الذهب و25 في المئة من معادن أخرى.
خبز القديس يوحنا
أما الخروب، والمعروف أيضاً باسم "خبز القديس يوحنا" أو "حبة الجراد"، فهو شجرة معمرة دائمة الخضرة يمكن أن يصل ارتفاعها إلى 10 أمتار، ولكن متوسط الارتفاع ما بين خمسة إلى ستة أمتار، وهي نبات متعدد الاستخدامات ينتمي إلى العائلة البقولية، لها أوراق خضراء داكنة جلدية يتراوح طولها ما بين 10 و20 سنتيمتراً، وتُعرف الثمرة باسم الخروب أو خرنوب، وهي عبارة عن قرون بنية داكنة يتراوح طولها ما بين ثلاثة و 12 سنتيمتراً مع لب مطاطي يحيط بالبذور وطعم حلو المذاق، وتُعد من الأشجار المثالية للبيئات القاسية نظراً لتحملها الكبير للجفاف والظروف البيئية الصعبة، ويمكن لشجرة الخروب أن تعيش بين 200 و300 عام، وتزهر الشجرة عادة من منتصف أغسطس (أب) وحتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وقد تزهر في مواسم أخرى إذا توافرت الظروف البيئية المناسبة.
وتعتبر منطقة البحر الأبيض المتوسط موطنها الأصلي، ولكنها تنتشر اليوم في أنحاء عدة من العالم، بما في ذلك أميركا الشمالية والجنوبية وأفريقيا وأستراليا، وهناك باحثون يقولون إن الموطن الأصلي لشجرة الخروب جنوب شبه الجزيرة العربية في اليمن، أما بعضها الآخر فيعتقد أن موطنه الأصلي جنوب شرقي شبه الجزيرة العربية، وتحديداً عُمان والقرن الأفريقي وبخاصة شمال الصومال.
ميزان الصحة
ولا يزال إنتاج الخروب التجاري متركزاً في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وتُقدر المساحة المزروعة بالخروب في العالم بـ 87.485 هكتاراً منها 74.174 هكتاراً (ما يعادل 84.81 في المئة) موزعة بين إسبانيا والمغرب وإيطاليا والبرتغال.
ووفقاً لقاعدة بيانات منظمة الأغذية والزراعة(FAOSTAT) ، قُدّر الإنتاج العالمي السنوي من الخروب بنحو 51.906.58 طناً عام 2021 من مساحة 14722 هكتاراً تقع بصورة رئيسة في أوروبا 59.5 في المئة وأفريقيا 21.6 في المئة، ويُسجل أكبر إنتاج في البرتغال، إذ تعد البرتغال وإيطاليا والمغرب واليونان وتركيا وقبرص أكبر منتجي الخروب.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستخدم البشر هذا النبات منذ العصور القديمة، وهو ذو قيمة اقتصادية وطبية عالية، ويعد خياراً صحياً بديلاً عن كثير من المكونات الغذائية مثل السكر والكافيين والغلوتين والدهون، وتستخدم بذوره كمصدر غذائي للبشر والماشية، وهو غني بالكربوهيدرات والبروتين، أما القرون فصالحة للأكل وتستخدم في صنع المشروبات والحلويات.
ويُستخدم الخروب على نطاق واسع في الطب التقليدي لعلاج كثير من الأمراض، وذكره الرازي في كتابه الحاوي فقال "إذا دلكت الثآليل بالخروب الفج دلكاً شديداً أذهبتها البتة"، وقال صاحب المرشد "من أعجب ما فيه قوة القبض، وإذا طحن ونقع في الماء واتخذ من مائه الرب المسماة (رب الخروب) كان ربه مطلقاً للبطن".
وقد وصف بأن اليابس منه حابس للبطن ورديء للصدر والرئة ومقو للمعدة، أما عصيره ودبسه فهو يطلق البطن وينشط إفراز المرارة، وكان يستعمل في النزلات الصدرية والحميات ويحمص وتصنع منه قهوة، وكتب عنه بعض الأطباء الأوائل كابن سينا قائلاً "أصلحه الخروب الشامي وهو قابض، والرطب منه يطلق البطن".