Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ديون قياسية في أغنى دول العالم تهدد النمو العالمي

ارتفاع كلفة الاقتراض في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان يضيق هامش الإنفاق العام ويثير مخاوف من أزمات مالية عابرة للحدود

تبلغ ديون الولايات المتحدة اليوم نحو 38 تريليون دولار، أي ما يعادل 125 في المئة من حجم اقتصادها (اندبندنت عربية)

ملخص

تواجه الاقتصادات المتقدمة موجة ديون قياسية تهدد النمو العالمي والاستقرار المالي، فيما يكبل ارتفاع كلفة الاقتراض الإنفاق العام ويقلص قدرة الحكومات على مواجهة الأزمات المستقبلية.

على مدى عقود، تسببت الديون الساحقة في بؤس واسع داخل الدول الفقيرة وذات الدخل المنخفض، لكن الخطر المتنامي اليوم، المتمثل في الاقتراض غير القابل للاستدامة، لم يعد ينبع من أطراف النظام الاقتصادي العالمي بل من قلبه، أغنى دول العالم.

فالديون العامة التي بلغت مستويات قياسية أو شبه قياسية داخل الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان باتت تهدد بتقييد النمو الاقتصادي وزرع عدم الاستقرار المالي على نطاق عالمي.

وعلى الصعيد الداخلي، تعني هذه الديون أن الحكومات تضطر إلى توجيه مليارات الدولارات لسداد فوائد القروض، بدل إنفاقها على الرعاية الصحية والبنية التحتية والإسكان العام والتعليم، أو الاستثمار في التكنولوجيا والابتكار.

كذلك دفعت الشهية المتزايدة للاقتراض كلف الاستدانة إلى الارتفاع، مما يلتهم جزءاً متزايداً من أموال دافعي الضرائب ويرفع خلال الوقت ذاته أسعار الفائدة على قروض الشركات والمستهلكين وقروض السيارات، فضلاً عن الرهون العقارية وبطاقات الائتمان، مع ما يصاحب ذلك من ضغوط تضخمية.

والأكثر إثارة للقلق أن عبء الدين المتراكم (الذي يتضخم حتى خلال فترات الأداء الاقتصادي الجيد وانخفاض البطالة، كذلك هي الحال في الولايات المتحدة) يقلص قدرة الحكومات على التدخل عندما تتدهور الأوضاع.

موجة الاقتراض المفرط والدين العام

ويقول المتخصص في الشأن الاقتصادي بجامعة "هارفرد" كينيث روغوف إلى صحيفة "نيويورك تايمز"، "عندما تحتاج إلى التحفيز، يجب أن تكون قادراً على الإنفاق بكثافة وبسرعة"، مستدركاً "لكن ماذا لو اندلعت أزمة مالية جديدة أو تفشى وباء أو نشبت حرب؟ ماذا لو ظهرت حاجة مفاجئة لزيادة الإنفاق على الخدمات الاجتماعية ودعم العاطلين من العمل، بفعل الذكاء الاصطناعي أو الكوارث المرتبطة بالمناخ؟"

وقال "عندها يصبح الاقتراض السريع أكثر صعوبة وأعلى كلفة، إذا كان الدين العام بلغ بالفعل مستويات مرتفعة للغاية".

وضمن المنتدى الاقتصادي العالمي في "دافوس" الأسبوع الماضي، استحوذ الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الأضواء، لكن في الكواليس كان وزراء المالية يتبادلون القلق حيال قدرتهم على تمويل قائمة متنامية من الأولويات، من تعزيز القدرات العسكرية إلى تحديث شبكات الكهرباء.

ويمكن للاقتراض الحكومي عندما يكون الاقتصاد قوياً وأسعار الفائدة منخفضة أن يدعم النمو، كذلك يمكن أن يشكل أداة إنقاذ خلال أوقات الأزمات.

وبدأت موجة الاقتراض المفرط مع الأزمة المالية العالمية عام 2008، حين سارعت الحكومات إلى دعم الأسر المتضررة في ظل تراجع الإيرادات الضريبية.

ثم جاءت جائحة "كوفيد 19" لتدفع مستويات الدين إلى قفزة جديدة، مع برامج الإغاثة الضخمة وارتفاع كلف الرعاية الصحية، خلال وقت بدأت فيه أسعار الفائدة بالارتفاع بوتيرة أسرع من النمو الاقتصادي.

ديون أوروبية قياسية

لكن الديون لم تنخفض بعد انتهاء الأزمات، واليوم تظهر بيانات صندوق النقد الدولي أن الدين العام داخل ست دول من مجموعة السبع يساوي أو يتجاوز حجم ناتجها الاقتصادي السنوي.

وتواجه دول كثيرة ضغوطاً إضافية ناجمة عن التحولات الديموغرافية وتباطؤ النمو، ففي أوروبا وبريطانيا واليابان، أدت الشيخوخة السكانية إلى ارتفاع نفقات الرعاية الصحية والمعاشات، تزامناً مع تقلص عدد العاملين الممولين لهذه الالتزامات عبر الضرائب.

وخلال الوقت ذاته، تبرز الحاجة الملحة لإعادة بناء البنية التحتية والاستثمار في التكنولوجيا المتقدمة، فقد خلصت دراسة استمرت عاماً بتكليف من المفوضية الأوروبية، إلى أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى إنفاق إضافي قدره 900 مليار دولار على الذكاء الاصطناعي وشبكات الطاقة المشتركة والحوسبة الفائقة وتدريب القوى العاملة، ليظل قادراً على المنافسة.

أما في بريطانيا، فتشير تقديرات منتدى الحوكمة المستقبلية إلى أن تحديث البنية التحتية خلال العقد المقبل سيكلف ما لا يقل عن 300 مليار جنيه استرليني (414.1 مليار دولار)، إضافة إلى مليارات أخرى مطلوبة لإنعاش هيئة الخدمات الصحية الوطنية المتعثرة.

وفي إيطاليا، حيث يبلغ الدين العام 138 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، أدت محاولات خفض الإنفاق عبر تقليص خدمات الصحة والتعليم إلى احتجاجات واسعة.

وفي فرنسا، تسبب رفع سن التقاعد والجمود السياسي حول الموازنة في توترات اجتماعية، وانتهى الأمر بخفض التصنيف الائتماني السيادي الخريف الماضي.

وفي موازاة ذلك أصبح العالم أكثر خطورة، فالتوترات بين الصين والولايات المتحدة تتصاعد وأوروبا تواجه روسيا أكثر عدوانية، في ظل رئيس أميركي يتسم بنهج صدامي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في شرق آسيا وتحديداً داخل اليابان أغرقت كل مفاصل القطاع المالي بالدين، وردت معظم الدول بزيادة الإنفاق العسكري ودعم أوكرانيا بمليارات الدولارات، فيما التزم حلف شمال الأطلسي برفع الإنفاق الدفاعي إلى خمسة في المئة من الناتج المحلي الإجمال على المدى الطويل، كذلك وسعت اليابان العسكرية بصورة كبيرة.

لكن الدين الياباني الذي يتجاوز ضعفي الناتج المحلي الإجمالي يظل من بين الأعلى عالمياً، وتفاقمت المخاوف الأسبوع الماضي عندما دعت رئيسة الوزراء ساناي تاكايشي إلى انتخابات مبكرة، وسط وعود من الحزب الحاكم والمعارضة بزيادة الإنفاق وخفض الضرائب.

واقترحت تاكايشي تعليق ضريبة الاستهلاك على المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية، وهي خطوة تقدر وزارة المالية كلفتها بأكثر من 30 مليار دولار سنوياً.

ولعقود تمكنت طوكيو من تمويل إنفاقها بفضل أسعار فائدة شديدة الانخفاض، غير أن بنك اليابان بدأ منذ عام 2024 في التراجع عن هذه السياسة بحذر شديد، خشية زعزعة الاستقرار المالي.

ويحذر روغوف من أن اليابان "أغرقت كل مفاصل القطاع المالي بالدين (صناديق التقاعد، وشركات التأمين، والبنوك) خلال وقت تتصاعد فيه الضغوط التضخمية".

وأدى إعلان تاكايشي إلى إثارة قلق المستثمرين، فسارع حاملو السندات إلى البيع وقفزت العوائد وانتقلت العدوى إلى أسواق أخرى.

ويخشى محللون من أن ارتفاع العوائد المحلية قد يدفع المستثمرين اليابانيين (أكبر حاملي السندات الأميركية الأجانب تاريخياً) إلى تقليص مشترياتهم من الديون الأميركية.

38 تريليون دولار ديون الولايات المتحدة

وبالفعل، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 أعوام إلى أعلى مستوى له منذ أغسطس (آب) 2025.

وقال الرئيس التنفيذي لمجموعة "سيتادل" كين غريفين، إن عمليات البيع تمثل "تحذيراً صريحاً" للدول المثقلة بالديون، مؤكداً أن حتى أقوى اقتصاد في العالم ليس محصناً من الأخطار.

وتبلغ ديون الولايات المتحدة اليوم نحو 38 تريليون دولار، أي ما يعادل 125 في المئة من حجم اقتصادها، خلال وقت تضاعفت فيه مدفوعات الفوائد ثلاث مرات خلال خمسة أعوام لتصل إلى تريليون دولار سنوياً، مستحوذة على 15 في المئة من إجمال الإنفاق الحكومي.

ويحذر متخصصون من أن استمرار هذا المسار يهدد الثقة في الدولار وسندات الخزانة، ويلقي بعبء ثقيل على الأجيال المقبلة، وكذلك يقول الاقتصادي ويليام غيل "كلما استهلكنا أكثر اليوم، قل ما نستطيع استهلاكه غداً".

اقرأ المزيد