Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مارين لوبن بين القضاء والسياسة: استئناف مصيري قبل انتخابات 2027

تبقى محاكمة زعيمة التجمع الوطني مرآة تعكس قوة واستقلالية القضاء الفرنسي

نظرة غاضبة من لوبن خلال إحدى جلسات محاكمتها (أ ف ب)

ملخص

سبق أن دينت لوبن في مارس عام 2025 باختلاس أموال عامة، وصدر في حقها حكم بالسجن 4 أعوام، منها سنتان مع وقف التنفيذ تحت الإقامة الجبرية وسوار إلكتروني، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 100 ألف يورو (116 ألف دولار)، ومنعها من تولي أي منصب عام لمدة 5 أعوام يسري فوراً.

تنطلق في باريس جلسات محاكمة الاستئناف الخاصة بزعيمة حزب التجمع الوطني مارين لوبن إلى جانب 11 متهماً آخرين الثلاثاء المقبل في محطة قضائية بالغة الحساسية قد تحسم مصير أهليتها لخوض الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 2027، وتضع مستقبلها السياسي برمته على المحك.

وفي وقت يشهد فيه الحزب انقسامات داخلية حول قيادته تكشف استطلاعات الرأي عن تحول ملموس في المزاج الشعبي. فقد أظهر استطلاع أجرته مؤسسة "فيريان" أن 49 في المئة من الفرنسيين يرون رئيس الحزب جوردان بارديلا الأوفر حظاً للفوز في الانتخابات الرئاسية، مقابل 16 في المئة فقط لمصلحة ابنة جان ماري لوبن، الشخصية التاريخية لليمين المتطرف الفرنسي.

ويرى 30 في المئة أن بارديلا سيكون "رئيساً أفضل للجمهورية" مقارنة بمارين لوبن، في حين يرى 22 في المئة العكس، مما يؤكد تراجع شعبية لوبن تدريجاً، فيما يكتسب خيار ترشيح بارديلا زخماً متصاعداً. وتأتي هذه النتائج لتؤكد تراجع شعبية مارين لوبن، فيما بدأت فكرة استبدالها بجوردان بارديلا كمرشح رئاسي تكتسب زخماً متصاعداً تدريجاً.

سجل قضائي مثقل بالتهم

على الصعيد القضائي سبق أن دينت لوبن في مارس (آذار) عام 2025 باختلاس أموال عامة، وصدر في حقها حكم بالسجن أربعة أعوام، منها سنتان مع وقف التنفيذ تحت الإقامة الجبرية وسوار إلكتروني، إضافة إلى غرامة مالية قدرها 100 ألف يورو (116 ألف دولار)، ومنعها من تولي أي منصب عام لمدة خمسة أعوام يسري فوراً، بما يحرمها من الترشح لأي منصب انتخابي، بما في ذلك رئاسة الجمهورية أو إعادة انتخابها كعضو في البرلمان في حال حل الجمعية الوطنية.

ودينت لوبن أيضاً بتهمة إقامة "منظومة" بين عامي 2004 و2016 لاختلاس أموال البرلمان الأوروبي المخصصة لأعضائه لدفع رواتب مساعديهم عن مهامهم في بروكسل وستراسبورغ، وبحسب الادعاء العام والبرلمان الأوروبي، الطرف المدني في القضية، كان هؤلاء المساعدون يعملون في الواقع حصرياً لمصلحة الحزب أو لقادته. وحددت المحكمة الجنائية التعويضات بمبلغ 3.2 مليون يورو (3.71 مليون دولار)، بعد خصم 1.1 مليون يورو (1.28 مليون دولار) سبق أن سددها بعض المتهمين الـ25. ولم يستأنف الحكم سوى 12 من المدانين، إضافة إلى الحزب نفسه.

وفي تعليق على الأجواء الحالية للمحاكمة، أكد محامي لوبن، رودولف بوسيلو، أن هناك تغيراً واضحاً، "عندما تدعي أنك تعرضت لمعاملة قضائية غير عادلة، ويأتي الاستئناف ليؤكد أنك كنت محقاً في ذلك، فإن هذا يمنح شعوراً بالارتياح".

القضاء الفرنسي نموذج للعدالة

في هذا الشأن يقول المحلل السياسي طارق وهبي إن الاستئناف المرفوع في حق السيدة مارين لوبن إلى جانب عدد من أعضاء حزبها، يشكل مساراً قضائياً بالغ الأهمية لتثبيت استقلالية السلطات، وبالتحديد السلطة القضائية. ويضيف وهبي أن مضمون هذا الاستئناف صعباً للغاية على لوبن، مشيراً إلى أن المحكمة الابتدائية ثبتت الحكم وطلبت بالتنفيذ المباشر، نظراً إلى أهمية الجرم الذي ثبت عليها.

ويوضح وهبي أن احتمال تبرئة مارين لوبن من هذا الجرم يبقى ضئيلاً، مما يفتح مرحلة جديدة في مسار الحزب السياسي. وللمرة الأولى، لا يوجد مرشح من عائلة لوبن، بينما يبرز نجم السيد جوردان بارديلا ليكون مرشح الحزب للرئاسة في الانتخابات المقبلة، مما يغلق الباب أمام كل طموحات السيدة لوبن، ومنها لذهاب للمرة الثالثة كمرشحة. ويؤكد أن لوبن لن تستسلم وقد تلعب من جديد لدفع ممكن بشخصية مقربة غير بارديلا مثلاً بابنة أختها ماريون مارشال.

ويرى أنه من المهم تأكيد أن جوردان بارديلا لا يمتلك أي مؤهلات أكاديمية ولم يعمل في أي قطاع مهني، في حين أن ماريون مارشال محامية متدرجة ولها خبرة عملية في عدة قطاعات. ولفت إلى أن المنازلة الداخلية في حزب التجمع الوطني ترجح كفة بارديلا، نظراً إلى العلاقات التي أقامها عبر اختياراته الاستراتيجية لبعض الممثلين في المدن والأقضية والأقاليم، وحتى على مستوى البرلمان ومجلس الشيوخ.

 

ويعتبر طارق وهبي أن هذا النسيج السياسي الداخلي في "التجمع الوطني" قد يشكل الأساس الذي سيبنى عليه مستقبل الحزب في الأعوام المقبلة. وأضاف أن أوروبا، بل وحتى الولايات المتحدة، تتابع هذه المحاكمة بجدية واهتمام، بما في ذلك البرلمان الأوروبي، الذي يرتبط مباشرة بمضمون القضية المتعلقة بتهمة الوظائف الوهمية واختلاس الأموال العامة.

ويشير إلى أن الأحزاب المنضوية تحت شعار اليمين المتطرف أو القومي تحاول تشكيل تحالف على مستوى البرلمان الأوروبي، قائلاً إن الأحزاب المنضوية تحت شعار اليمين المتطرف أو القومي تحاول تشكيل تحالف على مستوى البرلمان الأوروبي.

وذكر أن الخلافات أهم بكثير من التوافق السياسي، موضحاً أن ذلك ظهر جلياً في رفض رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني إدخال حزب التجمع الوطني ضمن كتلتها البرلمانية، وكذلك في رفض رئيس الحكومة المجري فيكتور أوربان مجاراة حزب مارين لوبن.

وأشار وهبي إلى أن الاعتقاد السائد لدى جزء كبير من الشعب الفرنسي هو وجود مؤامرة ضد لوبن، إذ يرى هؤلاء أنه يجب السماح لها بالمنافسة السياسية على موقع رئاسة الجمهورية، لما تمثله من إرث سياسي وللمنافسة القوية التي تخوضها بين الناخبين الفرنسيين.

لكن الحدث الأهم، بحسب وهبي، يكمن في استقلالية القضاء الفرنسي والتزامه بتطبيق القوانين من دون أي انحياز. وتأكيد أن هذه المحاكمة لا تطمح إلا تأكيد أن النخبة الفرنسية السياسية أو الممثلة السياسية بدأت تتخطى بتصرفاتها مبادئ القانون وتحاول أن تستحوذ على الحكم بأية طريقة.

وبحسب تصريح وهبي "يجب ألا ننسى أن أحزاب أخرى كالحركة الديمقراطية (مودام) هو أيضاً حكم لنفس الجرم وأجبر رئيسه السيد بايرو الاستقالة من أول حكومة للرئيس إيمانويل ماكرون عام 2017 للذهاب أمام القضاة، وانتهى حلم السيد فرنسوا فيون مرشح اليمين المعتدل في الانتخابات الرئاسية لعام 2017 بعد فضيحة البدلات والوظيفة الوهمية لزوجته كمساعدة إدارية، اليسار الفرنسي أيضاً غاص بفضائح عدة وتكبد خسارات أمام المحاكم الفرنسية التي يجب أن نقر أنها تقوم بعمل يشهد لها بتفعيل مفهوم الاستقلالية القضائية".

وختم وهبي بالقول، "لا يمكن إلا أن نقيم إيجاباً الممارسة القضائية لدولة القانون في فرنسا، هذا العالم المتقلب بالمفهوم السياسي علينا أن يكون لدينا ثابت مهم ولهذا القضاء الفرنسي يبرهن أنه نموذج يحتذى على رغم كل الإشاعات التي تدور في الفلك السياسي".

استئناف قضائي… بآثار سياسية مباشرة

في هذا السياق يرى المحلل السياسي نبيل شوفان أن فهم محاكمة الاستئناف يقتضي النظر إليها ليس فقط كإجراء قضائي، بل كمفصل سياسي حاسم سيحدد المسار المستقبلي لزعيمة اليمين المتطرف الفرنسي، فالحكم الابتدائي الصادر في حق لوبن تضمن عقوبة عدم الأهلية للترشح للمناصب المنتخبة مع التنفيذ الفوري، وهو ما يمنعها مبدئياً من خوض سباق الرئاسة عام 2027.

ويذكر شوفان بأن مارين لوبن دينت في الـ31 من مارس (آذار) 2025 بتهمتي اختلاس أموال عامة والتواطؤ في اختلاس أموال عامة، وصدر في حقها حكم بالسجن، وغرامة مالية، إضافة إلى منعها من الترشح لمدة خمسة أعوام. وتتمحور محاكمة الاستئناف أساساً حول مصير هذه العقوبة الأخيرة: هل سيجري إلغاؤها، أو تخفيفها، أم تأكيدها؟

وعلى رغم أن الاستئناف يتيح إعادة النظر في الملف، لا يعلق تنفيذ العقوبة، مما يجعل عامل الزمن، بحسب شوفان، عنصراً حاسماً في مستقبل لوبن السياسي. ولهذا السبب، اعتمد القضاء جدولاً زمنياً مضغوطاً، بهدف إصدار حكم نهائي قبل انطلاق الحملة الرئاسية، على أن يصدر القرار خلال فصل الصيف.

ويحدد شوفان ثلاثة سيناريوهات رئيسة قد تُفضي إليها محاكمة الاستئناف، أولها البراءة الكاملة، وهو سيناريو مستبعد نسبياً. وثانيها الإدانة من دون عقوبة عدم الأهلية. أما السيناريو الثالث، فيتمثل في الإبقاء على المنع مع تقليص مدته، بما قد يسمح للوبن بالترشح عام 2027. وفي حال تأكيد عقوبة عدم الأهلية، يبقى أمام لوبن خيار أخير يتمثل في الطعن أمام محكمة النقض، التي لا تنظر إلا في الجوانب القانونية البحتة من دون الخوض في الوقائع.

 

ويشير شوفان إلى أن استراتيجية مارين لوبن السابقة، القائمة على الإنكار التام للتهم، نجحت إلى حد ما في تعبئة قاعدتها الانتخابية، لكنها فشلت قضائياً بصورة واضحة. وقد برر القضاة قسوة الحكم، لا سيما التنفيذ الفوري لعقوبة عدم الأهلية، بأن الإنكار الكامل قد يفتح الباب لتكرار المخالفات مستقبلاً.

غير أن جلسات الاستئناف كشفت عن تحول ملحوظ في خطاب لوبن الدفاعي، سواء من حيث النبرة أو المضمون. فهي لم تعد تنكر الوقائع كلياً، بل باتت تقول إنها "لم يكن لديها أي إحساس بارتكاب مخالفة"، على رغم إقرارها بأن "جنحة قد ارتكبت"، وهو ما يشكل محاولة قانونية دقيقة للانتقال من منطق البراءة المطلقة إلى مفهوم الخطأ غير المقصود كما يشرح المحلل السياسي نبيل شوفان.

وبحسب شوفان، فإن هذا المسار الدفاعي الضيق قد يكون الخيار الوحيد المتاح أمام لوبن لتقليص مدة عدم الأهلية إلى سنتين مثلاً. وبما أن العقوبة سارية منذ مارس عام 2025، فإن انتهائها في مارس عام 2027 قد يمنحها نافذة زمنية قصيرة لخوض حملتها الانتخابية.

رهانات قانونية… وكلفة سياسية

إلى جانب خطاب حسن النية، تدفع لوبن بأن البرلمان الأوروبي عدل قواعده خلال فترة القضية، معتبرة أن أفعالاً كانت مقبولة أو غير مجرمة في مرحلة معينة أصبحت لاحقاً محل إدانة من دون إخطار واضح. غير أن القضاء قد يعتبر هذه الحجة ضعيفة، بخاصة أن المحاكمة الابتدائية خلصت إلى وجود "نظام ممنهج" في المخالفات.

وخففت لوبن من حضورها الإعلامي، وغاب الحشد الحزبي عن قاعة المحكمة، فيما اعتمد فريق دفاعها لهجة أكثر هدوءاً وأقل تصادمية، في إشارة إلى أن الرهان لم يعد على البراءة الكاملة بقدر ما هو على تقليص العقوبة.

لكن هذا التحول، وفق شوفان، قد يترتب عليه ثمن سياسي داخل قاعدتها الحزبية، إذ قد يراه الرأي العام تناقضاً لدى مرشحة محتملة لرئاسة الجمهورية تنتقل من إنكار شامل إلى إقرار ضمني بالجنحة، مما يطرح تحدياً كبيراً أمام قدرتها على إقناع الفرنسيين بأهليتها الأخلاقية والقانونية لأعلى منصب في الدولة.

وعلى رغم كل ذلك، تظهر استطلاعات الرأي أن أفكار التجمع الوطني لا تزال تحظى بتأييد متزايد، مستفيدة من تراجع اليسار واليمين التقليديين. وفي خلفية المشهد، يبرز اسم جوردان بارديلا كبديل جاهز، حيث تشير بعض الاستطلاعات إلى أنه قد يكون أكثر قدرة على الفوز في حال غياب لوبن عن السباق الرئاسي.

وفيما يتعلق بالسؤال المطروح على الصعيد الأوروبي حول كيفية متابعة الأحزاب اليمينية المتطرفة لهذه المحاكمة، وإمكان تحولها من قضية فرنسية داخلية إلى اختبار أوسع لمستقبل اليمين الشعبوي في أوروبا، يقول شوفان إن محاكمة مارين لوبن ليست شأناً فرنسياً محضاً، بل هي بالأساس مواجهة مع البرلمان الأوروبي. فالقضية تتعلق بأموال الاتحاد الأوروبي وبآليات الرقابة المالية المعتمدة على المستوى الأوروبي، مما يمنحها بعداً سياديا أوروبيا بامتياز، ويتجاوز حدود الساحة السياسية الفرنسية.

ويشير شوفان إلى أن فرنسا، التي قدمت نفسها نموذجاً جمهورياً واجتماعياً في مواجهة صعود الشعبويات، باتت اليوم تحت المجهر، لمعرفة مدى قدرتها على تطبيق قواعدها القانونية من دون تسييس، ومن دون الخضوع في الوقت نفسه لضغط الشارع أو الحسابات الانتخابية. ويفسر ذلك حال الانقسام في ردود الفعل داخل اليمين المتطرف الأوروبي نفسه، حيث برز تضامن خطابي مع مارين لوبن، قابله حذر عملي لدى الأحزاب التي وصلت إلى الحكم أو تطمح إليه، خشية أن تتحول مهاجمة القضاء إلى عبء على مشروعيتها السياسية، إذ ليس من السهل الظهور بمظهر المتدخل في الشأن القضائي الفرنسي. وعلى سبيل المثال، يسود في إيطاليا، حيث تتولى جورجيا ميلوني رئاسة الحكومة، صمت رسمي شبه كامل إزاء القضية.

وفي إسبانيا، وجه حزب فوكس اتهامات للقضاء بالتسييس، وهو خطاب تردد أيضاً لدى حزب خيرت فيلد في هولندا، وكذلك في النمسا، وإن بصيغ أكثر حذراً هذه المرة. غير أن هذه القوى تدرك في المقابل أن الارتباط العلني بقضية تتعلق باختلاس أموال أوروبية قد يكون مكلفاً انتخابياً، في الأقل في المدى المنظور. وفي المقابل، يرى بعض الدوائر داخل اليمين الشعبوي في هذه المحاكمة دليلاً إضافياً على ما تصفه بـ"بيروقراطية بروكسل العقابية" في مواجهة خصومها السياسيين، وتنسجم حجة لوبن القائلة إن البرلمان الأوروبي "غير القواعد أثناء اللعب" مع النظرة السلبية الراسخة لدى هذه التيارات تجاه الاتحاد الأوروبي، لكن داخل المؤسسات الأوروبية، تقدم القضية على أنها برهان على أن دولة القانون تطبق على الجميع، مهما كان الوزن السياسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي المحصلة يؤكد شوفان أن هذه المحاكمة تشكل اختباراً مزدوجاً، أولاً لمدى قدرة اليمين الشعبوي على التكيف مع قواعد اللعبة المؤسساتية عند اقترابه من السلطة، بدل الاكتفاء بخطاب الضحية والمظلومية التاريخية، وثانياً لقدرة الديمقراطيات الأوروبية على إقناع مواطنيها بأن القضاء مستقل فعلا، وأن المحاكمات لا تُدار وفق حسابات سياسية، حتى عندما تطاول شخصيات سياسية شعبية ووازنة.

بين استقلال القضاء وحسابات السياسة، هل تقدم فرنسا اليوم نفسها كنموذج لدولة القانون؟ يجيب شوفان، مؤكداً أن القضاء الفرنسي يوضح دوماً أن الأحكام القضائية قد تترتب عليها تداعيات سياسية، لكنها لا تصدر بدوافع سياسية. وبالنسبة إلى القضاء الفرنسي، تشكل مثل هذه القضايا اختباراً استقلاليته أمام السياسة، كما يذكر بالمحاكمة السابقة للرئيس السابق نيكولا ساركوزي، التي أظهرت استعداد القضاء للذهاب بعيداً في تطبيق القانون على أعلى المستويات.

ويشير إلى أن القضاء الفرنسي أظهر حرصاً مستمراً على تطبيق القانون على شخصيات سياسية من الصف الأول، مع مراعاة تسريع مسارات الاستئناف في بعض القضايا لتفادي أي تأثير مباشر في المسار السياسي، وهو ما يعكس وعياً دقيقاً بحساسية التوازن بين العدالة والحياة الديمقراطية.

ويختم شوفان بالقول إن فرنسا في مواجهة التسييس المكثف لقضية لوبن مطالبة اليوم بإثبات أنها لا تزال تجسد دولة قانون فاعلة وقادرة على تحصين العدالة من السجال السياسي. ويستند هذا التقليد القضائي الراسخ إلى مبدأ الفصل الصارم بين السلطات، وحماية القضاة من الضغوط التنفيذية والتشريعية على حد سواء. وبكل الأحوال، فإن قضية لوبن، مهما بلغت حساسيتها السياسية، أديرت وستدار ضمن مسار إجرائي معروف، يضمن مواعيد واضحة، وحقوق دفاع واستئناف، ويشرف عليها قضاة لا ينتخبون ولا يقالون تبعاً لتقلبات الرأي العام، حتى وإن كانت لقراراتهم آثار سياسية، فالقانون لا ينفصل عن المجتمع، لكنه يطبق بطريقة تحمي استقلاليته وتفرض نتائج تطبيقه على الجميع.

بين القانون والسياسة

في النهاية تبقى محاكمة مارين لوبن أكثر من مجرد نزاع قضائي داخلي، فهي مرآة تعكس قوة واستقلالية القضاء الفرنسي، وقدرته على ضبط العلاقة بين السياسة والقانون. وبينما تفتح الأبواب أمام وجوه جديدة داخل حزب التجمع الوطني وتبرز رهانات خليفة محتمل مثل جوردان بارديلا، يظل الرهان الأكبر على قدرة المؤسسات الفرنسية والأوروبية على إثبات أن القانون فوق الجميع، وأن أي طموح سياسي، مهما علا شأن صاحبه، لا يضعف سلطان العدالة.

بهذه الطريقة تؤكد فرنسا مرة أخرى أن دولة القانون ليست مجرد شعار، بل ممارسة ملموسة تحمي الديمقراطية من الانزلاق نحو الانتهازية السياسية، وتثبت أن الحصانة القضائية ليست امتيازاً لأحد، بل حق لكل المواطنين، حتى أولئك في أعلى سلم السلطة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير