Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

من"لابوبو" إلى "ميرومي"... جاذبية سرها في لعبة التسويق العالمية

تظهر في أيامنا "ترندات" تحقق رواجاً عالمياً وتزول بالسرعة التي ظهرت بها فيما تكثر التساؤلات حول أسرار انتشارها

حققت دمية "لابوبو" رواجاً عالمياً بسرعة قياسية وتحولت إلى أيقونة في عالم الموضة (رويترز)

ملخص

في ظل هذه الشهرة الواسعة التي حققتها "لابوبو"، وربما تحققها الآن "ميرومي"، وقبلها "ترندات" كثيرة أخرى، لا يمكن تفسير سر جاذبية هذه الدمى التي تحقق رواجاً واسعاً إلا من خلال لعبة التسويق وأثر العامل النفسي في هذا المجال.

في فترة قياسية، استطاعت دمية "لابوبو" أن تحقق انتشاراً عالمياً بالابتسامة التي تزين وجهها، وبأسنانها المدببة وعينيها الواسعتين. يجدها البعض قبيحة فيما يعدها آخرون دمية لطيفة، لكن أياً كان الرأي الذي نسمعه عنها، وراء الانجذاب الكبير إليها سر قد يفسر هذا الهوس بدمية تحولت سريعاً إلى "ترند" العام، حتى إن كثراً توقعوا استمرار هيمنة الدمية على مشهد الموضة وتحديداً الأكسسوارات فترة طويلة. وظهرت دمى أخرى راهن كثر على أنها قد تلغي هيمنتها هذه وتستحوذ على شهرتها، ولكن بعد هذه السيطرة لدمية "لابوبو" على المشهد في عالم الموضة، ظهر أخيراً اسم "ميرومي"، وثمة توقعات بأن تكون "الترند" التي تهدد عرش "لابوبو" وقد تخطف الأضواء، سواء استطاع هذا الروبوت التفاعلي اللطيف أن ينتزع العرش من "لابوبو" أو لا، لا يمكن إلا أن نتساءل عن سر الانجذاب وراء هذه الدمى أو غيرها من الصيحات التي تحقق رواجاً على رغم عدم وجود مبرر منطقي لذلك، فلا يبدو أن ثمة ما يميزها عن دمى كثيرة أخرى سابقة، لا بل ينتقد كثر هذا الاهتمام بدمية لا تعتبر من الأكثر جمالاً وجاذبية، فهل تقدر لعبة التسويق أن تؤثر إلى هذا الحد في عقولنا؟

 

شهرة غير متوقعة لدمية

عندما صمم الفنان كاسينغ لونغ شخصية "لابوبو" عام 2015، من الممكن أنه لم يتوقع أن تحقق هذا الانتشار على مستوى العالم، علماً أن الشخصية ظهرت أولاً في سلسلة The Monsters المستوحاة من الأساطير الإسكندنافية، قبل أن تكتسب شهرتها عام 2024 عندما ظهرت مع نجمة البوب الكورية في فرقة Black Pink ليزا، التي أشعلت المشاعر والشغف بهذه الدمية عبر حديثها عنها، كانت هذه الانطلاقة لظاهرة عالمية مع زيادة هوس المشاهير بها، والرغبة في اقتنائها، وبعدما كانت شهرتها تقتصر على الصين مع بداية ظهورها امتدت إلى مختلف أنحاء العالم.

تماماً كما بالنسبة إلى معظم "الترندات"، لا يكون هناك تفسير للرواج الذي تحققه على رغم انتشارها على مستوى العالم، فمثلاً من ينظر إلى هذه الدمية للوهلة الأولى قد يستغرب الشهرة التي حققتها فيما هي لا تبدو بهذا الجمال أو الجاذبية، في الواقع، بعد تعاقد الفنان الصيني مع شركة "بوب مارت" بدأت تحقق شهرة واسعة وسرعان ما أصبحت حديث وسائل التواصل الاجتماعي. حصل هذا الرواج بصورة خاصة بعدما امتلكتها نجمات مثل ريهانا ودوا ليبا وكيم كارداشيان ومن ثم ديفيد بيكهام، فأصبحت هذه الشخصية الغريبة الأطوار ضمن أكسسوارات الموضة الخاصة بهن، سرعان ما بدأ رواجها يزيد في مختلف أنحاء العالم، وتحول "الترند" إلى هوس عالمي. وفي العالم العربي اقتحمت الدمية الصغيرة عالم الموضة بسرعة قياسية لتتحول إلى أكسسوار أساس، خصوصاً عندما زاد تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي معها، شيئاً فشيئاً تحولت فكرة اقتناء هذه الدمية، بمظهرها الذي يجمع بين الغرابة واللطف، إلى هوس بعدما أصبحت أيقونة في عالم الموضة بالنسبة إلى محبيها، وما زاد من جاذبيتها أنها تباع في ما يعرف بـ"الصناديق العمياء" التي تحقق رواجاً واسعاً اليوم لجاذبيتها، لأنها تبقي الشاري في المجهول حتى يفتح العلبة التي بين يديه ويكتشف ما فيها، ونظراً إلى شهرتها وارتفاع الطلب عليها ارتفعت أسعارها إلى أعلى المستويات، وقد بلغت أسعار الإصدارات النادرة منها أكثر من 1500 دولار أميركي على موقع الشركة المنتجة لها، على رغم أن سعرها الأساس في المتاجر الآسيوية لا يتخطى 15 دولاراً أميركياً.

 

لعبة تسويق تحاكي الأحاسيس

في ظل هذه الشهرة الواسعة التي حققتها "لابوبو"، وربما تحققها الآن "ميرومي"، وقبلها "ترندات" كثيرة أخرى، لا يمكن تفسير سر جاذبية هذه الدمى التي تحقق رواجاً واسعاً إلا من خلال لعبة التسويق وأثر العامل النفسي في هذا المجال.

في هذا الشأن أوضحت المتخصصة في شؤون التسويق مارينا عريجي أن لعبة التسويق تقوم بصورة أساسية على العامل النفسي الذي يدخل إلى حد كبير فيها، وأكثر بعد، "ما له التأثير الأساس في هذا المجال هو العامل العاطفي، فكما هو معروف، لا يشتري أي مستهلك بناءً على قرار عقلاني، بل إن قرارات الشراء والتسوق تقوم على أساس عاطفي، سواء كانت مشاعر الحزن تغلب أو الجوع أو الكآبة أو الرغبة في إبراز الجمال بطريقة معينة، كلها عملية ترتكز على المشاعر والعاطفة، انطلاقاً من هذا الواقع، يجرى التركيز في لعبة التسويق على العواطف، وهذا ما تعتمد عليه الحملات التسويقية، كلها تعتمد على المشاعر، وكما يلاحظ فهي تحاكي الحنين إلى الماضي، والإحساس بالسعادة أو الحزن أو الطفولة، فيجري التسويق في محاكاة للأحاسيس دائماً"، وأضافت "لعبة التسويق في محاكاتها المشاعر، تركز على الإحساس بالخسارة والندم لدى المستهلك في حال عدم شراء المنتج الذي تمكن الآخرون من الحصول عليه، فيكون لدى المستهلك إحساس بالنقص والخوف من الفقدان والخوف على الهوية، أو حتى الإحساس بأنه لا يتبع الموضة أو أنه لن يكون الأقوى ما لم يحصل على المنتج، بصورة عامة، هو يشعر بالخسارة، حتى إن العلامات الرياضية التي تقيم حملات تسويقية تحاكي الإحساس بالنقص في حال عدم الحصول على المنتج الخاص بها، على أساس شعارها الذي يعرفه الجميع، وكان المنتج سيؤمن الإحساس بالقوة للمستهلك والسعادة ضمن لعبة التسويق، كذلك فإن علامات المشروبات تركز على مشاعر السعادة والفرح ولا تركز على المذاق، فهي تبيع حالاً أو إحساساً وتحاول تجسيدها في الحملة التسويقية".

"ترندات" ومشاهير

ويبدو واضحاً، تؤدي وسائل التواصل الاجتماعي دوراً جوهرياً في لعبة التسويق في الأعوام الأخيرة، فأصبحت أداة مهمة معتمدة في حملات التسويق، بحسب عريجي، "على رأس وسائل التواصل الاجتماعي، تأتي منصة ’إنستغرام‘ و’تيك توك‘، فهما تؤثران إلى حد كبير في قرارات الشراء لدى المستهلك".

وأعطت مثالاً على ذلك، علامة إحدى القناني التي حققت رواجاً واسعاً بسرعة قياسية بفضل الحملة التسويقية التي أقيمت وقد ركزت في الإعلان على احتراق السيارة بالكامل فيما بقيت القنينة فيها، وجرى الترويج بعدها لها على وسائل التواصل الاجتماعي على نطاق واسع، فتكون لكل منتج قصة من ورائه ومن وراء الحملة التي تقام، وهذا ما يسهم في تحقيقه كل هذا الرواج بما أنه يحاكي الأحاسيس أيضاً، ويجرى الترويج له على هذا الأساس على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يكون بالضرورة بهذه الأهمية الخيالية. هذا النوع من الحملات يولد لدى المستهلك إحساساً بالأمان، مما يعزز رغبته باقتناء المنتج، وإن كان لا يحتاج إليه بالفعل، حتى إن الـspinner (لعبة صغيرة تدور على محورها) الذي حقق رواجاً كبيراً وكأنه حل للتوتر وقد تميز بصورته الجميلة، ليس في الواقع من الأساسات، وكانت هناك قصة من ورائه أسهمت في انتشاره وتحول إلى "ترند"، خصوصاً عندما أصبح المؤثرون والمشاهير يحملونه في مواجهة التوتر، ولو كان من الكماليات ولا أهمية له في حياة المستهلك في الواقع، كما بالنسبة إلى "ترندات" كثيرة أخرى، بهذه الطريقة تحقق هذه المنتجات انتشاراً عالمياً بما أنها تحاكي المشاعر، وتعزز وسائل التواصل الاجتماعي من هذا الرواج.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من "لابوبو" إلى "ميرومي"

عندما ظهرت "لابوبو" أولاً لم يكن من المتوقع أن تحقق هذا الانتشار العالمي، إلا أنها أصبحت تباع بأسعار خيالية على رغم كلفتها القليلة على الجهة المنتجة. هذا ما سمح للمنتجين بتحقيق أرباح خيالية من مبيعاتها القياسية، ولتحقيق هذه الأرباح ركزت على الحملات التسويقية لتبيع المنتج بشكل أسرع بالمقارنة مع منتجات قد تكون أهم وأجمل، لكنها أغلى ثمناً. هي استراتيجية تسويق عالمية تشير إليها عريجي، ويعتمدها من يعملون في هذا المجال لتحقيق الأرباح الهائلة عبر البيع بكميات كبرى، وتحويل منتجاتهم إلى "ترندات"، فعلى سبيل المثال بيعت أكثر من 50 ألف دمية "لابوبو" بفضل الرواج الذي حققته، فيما قد لا تباع منتجات أهم بكثير.

وأصبح المشاهير يشترون مجموعات "لابوبو" ويكشفون على كل جديد منها ويضيفونه إلى مجموعاتهم، مما يعزز الرغبة باقتنائها لدى المستهلكين الذين يتأثرون إلى حد كبير بالمشاهير والمؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. تلك هي الطريقة التي تؤثر بها هذه الحملات التسويقية في عقول الناس، وهي غالباً تنطلق من مشاهير ومؤثرين لتأثيرهم الكبير في الناس. وأكثر بعد، يزيد رواج هذه المنتجات لاعتبار سعرها مقبولاً نسبياً وتتميز بصورها المتنوعة والجميلة وألوانها اللافتة، فكلها عناصر مدروسة وفق استراتيجية تسويق كبرى، ليكون من الممكن بيعها بكميات كبيرة، خصوصاً أنها تباع كمجموعات يمكن اقتناء كثير منها.

"ترندات" عمرها قصير

يبدو لافتاً أن هذه "الترندات" التي تحقق رواجاً واسعاً تتميز بعمرها القصير، فإذ بها تختفي، غالباً، بالسرعة التي ظهرت بها، وكما يلاحظ في عصرنا هذا، لم تعد هناك منتجات تدوم أعواماً كما كان يحصل في السابق، فالحملات التسويقية تعمل على التجدد وعلى أفكار مختلفة، لكن المنتجات كافة تكون بعمر محدود وقصير ضمن خطة التسويق بهدف تحقيق مزيد من الأرباح بهذه الطريقة، هي تزول سريعاً كما ظهرت لأن الاستراتيجية العالمية للتسويق تقوم اليوم على ما هو سريع وله عمر قصير ويحقق رواجاً مع تحوله إلى "ترند"، فتلك هي المقومات الأساسية التي تستند إليها لعبة التسويق، حتى إن عالم الموضة يقوم اليوم على هذا الأساس، لأن صناع الموضة يتعمدون ألا تدوم الصيحات طويلاً من ملابس وأكسسوارات وغيرها، فتظهر "ترندات" جديدة في عالم الموضة السريعة لتحقيق مزيد من الأرباح، ضمن سياسات التسويق، لذلك يغيب "ترند" ويظهر آخر سريعاً فيزول بعدها بالسرعة نفسها بحيث لم يعد هناك مبدأ التمسك أو التعلق بالمنتج، كما كان يحصل سابقاً.

وختمت عريجي "إن لكل هذا أثراً سلبياً كبيراً لأنه تأكيد للاستهلاك المفرط من دون تفكير أو عقلانية، إضافة إلى تأثير ذلك في عقول المستهلكين، هناك خطر كبير من هذا الاستهلاك المفرط على البيئة، وتعلو الأصوات حالياً للمطالبة بإيجاد الحلول لذلك".

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات