ملخص
بينما تراهن تونس على خيار العودة الطوعية للمهاجرين المنتشرين على أراضيها والقادمين من جنوب الصحراء، بالتنسيق والتعاون مع دول الاتحاد الأوروبي والمنظمة الدولية للهجرة، يرى كثير من المتابعين أن الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها المهاجرون في تونس تدفعهم إلى طلب العودة واصفين ما يحدث للمهاجرين بالعودة القسرية في مخالفة واضحة للمواثيق الدولية.
انتهجت تونس منذ أعوام سياسة "العودة الطوعية"، مع تنامي عدد الوافدين على البلاد من أفريقيا جنوب الصحراء بطريقة غير نظامية، وقد تمكنت من إعادة أكثر من 10 آلاف مهاجر إلى بلدانهم بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة والدول الأوروبية.
وبينما تدافع السلطات التونسية عن هذه المقاربة، يرى بعض المتابعين أن ما يحصل هو "ترحيل قسري" بالنظر إلى الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها المهاجرون في تونس، فكيف تتم عمليات الترحيل؟ وهل هي نتيجة الضغوط التي تمارسها السلطات التونسية على المهاجرين أم هي فعلاً عودة طوعية؟ وهل تتعاون دول أوروبا في هذا المجال من أجل توفير موارد رزق للذين يتم ترحيلهم إلى بلدانهم؟ وهل تمثل العودة الطوعية حلاً لظاهرة الهجرة غير النظامية بالنسبة إلى تونس والدول الأوروبية؟
العودة الطوعية هي في الأصل بديل عن الترحيل القسري لأنها توفر للمهاجرين وطالبي اللجوء فرصاً جديدة وآفاقاً مستقبلية في بلدانهم الأصلية بحسب المنظمة الدولية للهجرة التي تؤكد في بياناتها أنها تستشير الراغبين في العودة وتقدم إليهم المساعدة حسب حاجاتهم، بما في ذلك إدارة الحالات الفردية، والمساعدة المباشرة، وخدمات الحماية، والاستشارات الصحية.
وتحث منظمة الهجرة الدولية في تونس المهاجرين على المشاركة في برامج العودة الطوعية إلى بلدانهم، من خلال مساعدتهم في الحصول على الوثائق والتصريحات الضرورية لتيسير مغادرتهم نحو أوطانهم.
كذلك تضع المنظمة مكاتب مخصصة للمهاجرين الراغبين في العودة، ممن يفتقرون إلى جوازات السفر أو بطاقات الهوية، وذلك بالتواصل مع البعثات الدبلوماسية لبلدانهم، وتمكينهم من الوثائق الرسمية الضرورية لإتمام إجراءات العودة.
وتدعم المنظمة إعادة إدماج المهاجرين في مجتمعاتهم الأصلية، من خلال مشاريع مدرة للدخل، أو تدريبات، أو تسهيل الوصول إلى الخدمات الأساسية، مشددة على أن عملية العودة الطوعية وإعادة الإدماج تضمن احترام حقوق الإنسان وحاجات الأفراد في جميع مراحلها، بدءاً من الاستشارة قبل المغادرة وصولاً إلى إعادة الإدماج في بلدانهم الأصلية.
عودة قسرية مقنعة
بينما نجحت تونس في ترحيل نحو 10 آلاف مهاجر غير نظامي بصورة طوعية إلى بلدانهم عام 2025، معظمهم من أفريقيا جنوب الصحراء، عبر التنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، يرى رمضان بن عمر، الناطق الرسمي باسم المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية (منظمة غير حكومية)، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، أن "العودة الطوعية لا تعكس الواقع الصعب الذي يعيشه المهاجرون في كل من تونس وليبيا"، لافتاً إلى أن "قرار العودة الطوعية للمهاجرين لا ينبع من إرادتهم الحرة، بل هي في الواقع عودة قسرية مقنعة، من خلال تواطؤ أطراف رئيسة: وهي الحكومات المحلية التي تعمل على خلق بيئة طاردة للمهاجرين من خلال المنع من العمل والتنقل والتضييق ودفعهم إلى الحدود والصحراء وهي ظروف تجعل من الاستقرار في تونس بصورة موقتة مستحيلاً، ودول الاتحاد الأوروبي التي توفر التمويلات، والمنظمة الدولية للهجرة التي تحولت إلى وكالة أسفار في خدمة السياسات الأوروبية للحد من وصول المهاجرين إلى الفضاء الأوروبي".
ويرى بن عمر أنه "على رغم رحلات العودة المتتالية فإن ظاهرة تدفق المهاجرين غير النظاميين على تونس مستمرة، ولا يمكن لهذه المقاربة في التعاطي مع الظاهرة أن تنجح في الحد منها، ما دامت تعالج نتائجها ولا تبحث عن حلول لأسبابها".
ويقلل الناطق باسم المنتدى من أهمية برامج العودة الطوعية للمهاجرين بالنظر إلى ظاهرة العود، على رغم الإغراءات التي تقدمها المنظمة الدولية للهجرة، إذ إن "عدداً كبيراً من المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الذين استفادوا سابقاً من برامج العودة الطوعية اصطدموا بالواقع في بلدانهم فأعادوا تجربة الهجرة عبر مسارات أخرى"، معتبراً أن "برامج العودة إلى الأوطان تخدم مصالح الدول الأوروبية من خلال صد المهاجرين والحيلولة دون وصولهم بشتى الطرق إلى الفضاء الأوروبي".
الترحيل لا يحترم القوانين الدولية
ويتقاسم المتخصص في علم الاجتماع المتخصص في سياسات الهجرة، خالد الطبابي، في تصريح خاص، المقاربة نفسها، واصفاً العملية بأنها "عودة قسرية" للمهاجرين مدعومة من الاتحاد الأوروبي وتنسحب على دول عدة كتونس والمغرب وموريتانيا وليبيا، وهي ناتجة من تشريد المهاجرين وتركهم في الصحراء أو في الخلاء، من دون غذاء ومأوى ورعاية طبية من أجل دفعهم إلى طلب الترحيل، ومن دون احترام التراتيب القانونية والإنسانية التي تنص عليها القوانين الدولية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ويرى الطبابي أن "المراهنة على العودة الطوعية رهان خاسر، لأنها لا تمثل حلاً جذرياً للهجرة غير النظامية"، لافتاً إلى أن "الاتحاد الأوروبي هو الذي خلق هذه المسارات الهجرية عبر تونس عندما أغلق مسارات الهجرة من طريق دول البلقان ومن طريق المغرب وجزر الكاناري".
ويعتبر المتخصص في علم الاجتماع أن "مذكرات التفاهم واتفاقات تونس مع دول الاتحاد الأوروبي جعلت منها منطقة لتجميع وتكديس المهاجرين غير المرغوب فيهم"، مشيراً إلى أن "الوافدين على تونس فيهم من هرب من جحيم الحروب والنزاعات والتغيرات المناخية وعودتهم إلى بلدانهم تعني إعادتهم إلى الجحيم الذي فروا منه".
تونس لن تكون منطقة عبور
في المقابل، تتمسك تونس بخيار "العودة الطوعية" في مقاربتها ملف المهاجرين غير النظاميين، ودعا رئيس الجمهورية، قيس سعيد، المنظمة الدولية للهجرة إلى "تكثيف الجهود لتسهيل عودة المهاجرين غير القانونيين من تونس إلى بلدانهم".
من جهته، قال وزير الخارجية التونسي، محمد علي النفطي، في جلسة استماع أمام البرلمان ومجلس الأقاليم والجهات، أن "تونس لن تكون منطقة عبور للمهاجرين، وستواصل تعاونها مع شركائها في تطبيق برنامج العودة الطوعية للمهاجرين غير النظاميين"، وأن "عمليات الترحيل تمت من خلال برنامج العودة الطوعية بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة، مع تنظيم رحلات أسبوعية لمساعدة المهاجرين على العودة إلى ديارهم".
يذكر أن تونس وقعت اتفاقات تعاون حول الهجرة مع إيطاليا تقوم على تشديد مراقبة السواحل ومنع مغادرة المهاجرين وعرقلة تحركاتهم.
ومع تشديد تونس من إجراءاتها الأمنية على حدودها البحرية، تراجع منسوب تدفقات الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وأعلنت وكالة حماية الحدود الأوروبية "فرونتكس"، انخفاض عدد عمليات العبور غير النظامية للحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي بنسبة 27 في المئة عام 2025.
وبحسب وزارة الداخلية الإيطالية نجحت تونس في منع أكثر من 61 ألف مهاجر غير نظامي من الوصول إلى السواحل الأوروبية، مما يعكس التزامها مكافحة الهجرة غير النظامية بالتعاون مع دول الاتحاد الأوروبي.
وبينما يرى كثير من المتابعين أن تونس تتبنى سياسة هجرية تتلاءم مع المقاربة الأوروبية القائمة على تصدير الحدود وتكديس المهاجرين خارج المجال الأوروبي، مقابل بعض المساعدات المالية واللوجيستية، تعتبر تونس أن هؤلاء المهاجرين هم ضحايا شبكات إجرامية تتاجر بالبشر، رافضة في الوقت ذاته أن تكون أرض توطين أو أرض عبور ومعولة على التعاون مع المنظمة الدولية للهجرة والدول الأوروبية، لتيسير عودتهم إلى أوطانهم.