هكذا تواسي والدين يمران بتجربة حمل فاشلة او فقدا طفلهما

لا تقل "لكن أقله يمكنك الحمل"... والتعبير عن أسفك الخطوة الأكثر أهمية لإظهار دعمك

تتضمن تجربة الحمل أبعاداً متنوّعة بالنسبة للأسرة كلها، خصوصاً الأم (بايبي سنتر.أو سي. يوكيه)

تنتهي حالةٌ من كل أربع حالات حمل بإجهاض، ويولد يوميّاً تسعة أطفال مُتوفين في المملكة المتحدة، ولكن مع ذلك ما زال التحدّث بصراحة عن تجربة حمل فاشلة والمرور بإجهاض مُحاطاً بمحظورات وممنوعات كثيرة. واحتُفيَ بـ"أسبوع التوعية بفقدان الطفل" في 2019 بين 9 و15 أكتوبر (تشرين الأول) الجاري. وتنشر صحيفة "الإندبندنت" قصصاً جديدة بهدف إلقاء الضوء على تجارب الناس.

في الواقع، عندما يمرّ أحد أحبائك بإجهاض أو يولد جنينه ميتاً، ربما تجد صعوبةً في معرفة الطريقة المناسبة كي تظهر له دعمك في وقت الحاجة.

ولكن حتى إن لم يكن بمقدورك ربط نفسك مباشرةً مع تجربته المؤلمة، فمن المهم أن توضح له أنّك حاضر من أجله عِبر وجودك في حياته، وبذل كل ما في وسعك في سبيل مساعدته على تجاوز آلامه.

في "أسبوع التوعية بفقدان الطفل"، تحدّثت "الإندبندنت" مع أمهات وآباء وخبراء من جمعيات خيريَّة حول كيفيَّة التواصل مع الأشخاص الذين يمرّون بمرحلة الحمل أو خسارة طفل.

ابذل جهداً كي تكون حاضراً لتقديم الدعم

يشعر أولئك الذين يخوضون تجربة حمل فاشلة أو يفقدون طفلهم بعزلة شديدة عن أصدقائهم وعائلاتهم، بل يتحدثون عن عزلة تدفعهم إلى الابتعاد عن الآخرين على الرغم من حاجتهم إلى الدعم. بالتالي، قد يعتبر البعض ذلك إشارة إلى أنّ عليه البقاء بعيداً أيضاً. بيد أنّ الإعراض عن قول شيء ما أو النهوض بخطوة ما يمكن أن يفاقم الوحدة التي يشعر بها الأب والأم المفجوعان.

وفي هذا الشأن، تتحدّث كارين بيرغيس، المديرة التنفيذية في "بِيتالز" وهي مؤسسة خيريّة تقدِّم المشورة لمن فقدوا أطفالهم، وتوضح أنّ ولادة الطفل ميتاً تشكِّل "التابو الأكبر في هذا المجال برمّته". وتزيد، "أعتقد أنّ الناس ينفرون بكل معنى الكلمة من تلك التجربة. من ثمّ، يشهد المرء حقاً ردود فعل قويّة وشديدة منهم، إذ يتركون صاحب العلاقة وحيداً لأنّهم لا يحتملون سماع مثل ذلك الخبر".

في 2017، وبعد 37 أسبوعاً من الحمل خرجت سكاي طفلة أليكس إليوت (37 عاماً) مديرة قسم الاستراتيجيات في "بيتلز"، من رحم أمها وقد فارقت الحياة. كذلك عانت المرأة إجهاضاً مبكراً بعد عام من تلك التجربة. تقول أليكس الآتية من كامبريدج في بريطانيا، إنّها شعرت "بصدمة" إذ اختفى فجأة بعض الأشخاص من حياتها بعد وفاة طفلتها الأولى.

"لا شيء سوى الصمت. هكذا فجأة، اختفى أشخاص كانوا مقربين جداً منّا، وما زالوا على هذه الحال. في الحقيقة، أُهزم كلما حاولت إيجاد تفسير مقنع لذلك، لكنّني تعلّمت منذ ذلك الحين أنّ ما مررت به أمر شائع، ويبقى نوعاً ما جرحاً يعلو في مرارته كل شيء آخر"، بحسب تعبير أليكس.

واستطراداً، أدى خروج أشخاص من حياة أليكس إلى طرحها سؤالاً على نفسها بشأن اعتقاد الآخرين بأنها ارتكبت خطأ ما بطريقة أو باخرى. تذكر، "عندما يكون المرء ضعيفاً تجتاحه أفكار على شاكلة، "فعلوا ذلك لأنّي المذنبة ولأنّ طفلي توفيّ داخل جسدي، ولا يستطيعون أن ينظروا إليّ". ولكن في المقابل، كانت التجربة تلك بمثابة درس بالنسبة إليّ، وقد كان لها أثر عميق في رسم العلاقات التي تربطني بالناس في حياتي حاضراً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استمع فحسب

أن تبقى إلى جانب شخص عانى تجربة بإجهاض أو ولادة طفل متوفٍ أو فقد مولوده الحديث الولادة، لا يعني بالضرورة أنّ الكلمات الصحيحة التي ينبغي قولها ستخرج من فمك عفوياً من دون بذل جهد ما، ذلك أنّ لا وجود لعِبارة صحيحة واحدة تنطبق على الجميع. وترى نيكولا راش إنّ إظهار رغبتك في الإنصات يمكن أن يشدّ أزر الوالدين المكلومين اللذين يرغبان في أن تكون حاضراً من أجلهما وتستمع إليهما بشأن طفلهما.

كابدت نيكولا، مديرة مختبر تبلغ من العمر 33 عاماً آتية من مقاطعة سوفولك البريطانية، تجربتي إجهاض. كان الأول إجهاضاً مفقوداً وقع في اليوم نفسه الذي أعلنت فيه ميغان ماركل زوجة الأمير هاري نبأ حملها خلال "أسبوع التوعية بفقدان الطفل" في أكتوبر 2018، فيما حصل الإجهاض الثاني في نهاية مارس (أذار) الفائت. وتوضح الأم الحزينة كيف أنّ الأصدقاء الذين لم تكن مقرّبة إليهم آنذاك كانوا كرماء معها في لطفهم عبر إبداء تعاطفهم والاستماع إليها.

"أخبروني عن حالات الإجهاض التي مروّا بها شخصياً، أو عن خساراتهم عموماً، وكانوا حاضرين من أجلي. كان ذلك كل ما احتجت إليه حقاً، بمعنى وجود شخص يقول لي إنّه يتفهّم ما أمرّ به، ويستمع إليّ كذلك. ولا أريد شخصاً يحاول تحجيم معاناتي. وفي الحقيقة يقلِّل كثيرون من مقدار آلامك، فيما أنّه لا ينفع في هذه الحال سوى أشخاص يبادرون إلى الاستماع إليك والبقاء إلى جانبك".

في سياق متصل، توجز روث بندر-أتيك، المديرة الوطنيّة لـ"جمعية الإجهاض"، كيف أنّ عِبر الاستماع إلى من يعانون الألم يدرك الأصدقاء والعائلة بشكل أفضل ماهية الدعم الذي يحتاج إليه أحباؤهم. وتوضح، "الأمر الأكثر أهمية هو ببساطة قول "يؤسفني ما تمرّ به"، أو "أنا آسف لخسارتك" مثلاً، ثم الاكتفاء بالاستماع". هكذا، ستعرف من خلال ردة فعله الخطوة التالية المتوجبة عليك".

 

لا تقلق بشأن شعورك بعدم الارتياح

على الرغم من زيادة الوعيّ بالإجهاض في السنوات الأخيرة، يبقى الحمل غير الناجح وفقدان الطفل من الموضوعات التي يجد كثيرون أنفسهم غير مرتاحين للتحدّث بشأنها علانية. لذا، ربما يشكِّل عدم الارتياح سبباً يحمل البعض إلى الابتعاد عن الأصدقاء أو العائلة عند العلم بتلك الخسارة، بدلاً من أن يفهموا أنّ كون تجربة ما مؤلمةً لا يعني بالضرورة أنّ التحدّث عنها محظور.

في ذلك الصدد، تذكر كارين إنّ ذلك "يتعلّق بتعامل الأصدقاء والعائلة مع عدم ارتياحهم ومع مخاوفهم تجاه الشعور الذي سيجتاحهم في حال تواصلوا مع الوالدين الحزينين، كذلك له علاقة بمدى قدرتهم على وضع أنفسهم في مكان الشخص الذي واجه الإجهاض أو ولادة طفل متوفٍ. ما أقصده أنّ علينا الاقتراب من الأهل وليس الابتعاد عنهم".

وكذلك تذكر إن إحدى عبارات العزاء التي قيلت لأليكس بعد وفاة ابنتها سكاي كانت على غرار "ليس بمقدوري أن أتخيّل ما الذي تمرّين به"، وهي عبارة أساءت إليها. وتضيف، "أتذكّر أنّني قلت في نفسي حينها، "يُمكنك أن تتخيّل فعلاً، لكنك لا ترغب في ذلك لأنه أمر مريع". لا ريب أنّي لا أريد أن يختبروا هذا الشعور بدورهم أيضاً، ولكن أتمنّى على الأقل أن يرسموا صورة له في مخيلتهم لبضع ثوان. كل ما أطلبه أن تضعوا أنفسكم في مكاني. كان الأشخاص الذين فعلوا ذلك وتحدّثوا إليّ، وإن لثوانٍ معدودة، هم الذين قالوا الكلام الصحيح".

 

لا تقل، "لا تقلق سترزق بطفل آخر"

غالباً، عندما يسمع المرء أخباراً سيئة، يحاول تلقائيًاً العثور على جانب مضيء في الأحزان، وهي طريقة لحثّ الشخص الذي يعتصر الألم قلبه على الشعور بالتحسّن. ولكن مع ذلك، يقول الأهل إنّ الدمار الذي لحق بهم جراء فقدان الطفل ليس شيئاً يمكن تخفيفه بكلمات متفائلة.

في 2016، عندما وُلدت فيرا، إبنة أليس (32 عاماً) ممرضة الأطفال وديف بيلي (32 عاماً) الخبير في تكنولوجيا المعلومات، متوفاةً في الأسبوع الثامن والثلاثين من الحمل، تلقى الوالدان تعليقات على شاكلة "لا تقلقا ستنجبان طفلاً آخر"، و"ربما كانت الطفلة تعاني خطباً ما". تذكر أليس، "أتذكر شخصاً يقول، "كل ما تحتاج إليه العودة إلى حياتك الطبيعيّة، ثم ستكون الأمور على ما يرام".

على نحو مماثل، توجز كاتي إنغرام، وقد أنجبت طفلتها أوتيلي إيف إنغرام ميتةً بعدما أكملت فترة حملها كافة في أبريل (نيسان) الفائت، كيف يمكن لأولئك الذين يحاولون تقديم دعم للأب والأم المحزونين "الوقوع في فخ إخبار شخص ما كيف يمكنه أو ينبغي عليه أن يشعر".

وتصف ذلك، "محاولاتنا المستميتة لحمل شخص ما على الشعور بتحسّن ينتج منها غالباً كلام على منوال، "لا يجب أن تفكر في ذلك"، أو "لا تفعل ذلك بنفسك"، لكنّ هذا ليس مفيداً. إذا كشف شخص ما عن مشاعره المؤلمة لك، يكون الاستماع إليه وإبداء التفهّم أكثر دعماً من محاولة "التصحيح". في النهاية، الحزن ليس عملية يتحكّم بها المنطق"، وفق كلماتها.

اطرح أسئلة

في حال لم تكن متأكداً من كيفية البدء بمحادثة شخص يكابد تجربة حمل فاشلة أو فقدان جنين، فإنّ الاستفسار عن أمور خاصة بطفله يود إخبارك بها، أو معرفة بماذا يود الإشارة إلى صغيره، قد يجعلانه يشعر بالراحة عند التحدّث إليك. ووفق أليكس، "مهما تحدّث الأب أو الأم عن طفلهما فإنهما لن يكتفيا أبداً، سواء كان حيّاً أو ميتاً".

وتوضح أنّ من المهم أن نتماشى مع الوالدين بدلاً من وضع افتراضات حول العبارات التي نعتقد أنها قد تكون مريحة.

وبالاستناد إلى تجاربها الخاصة، تضيف "أعتقد أنّ كل ما يحتاج إليه الناس يتمثّل في أن يتماشوا مع الأهل واللغة التي يستخدمونها، فليس ثمة لغة تروق للجميع بالضرورة. ربما لا يرغب بعض الأشخاص الذين واجهوا الإجهاض في الإشارة إلى الجنين بطفلهم الرضيع. في المقابل، ثمة أشخاص يكونون قد أطلقوا فعلاً أسماء على أطفالهم، فيما لن يفعل البعض الآخر ذلك... اسأل الأب أو الأم، بماذا تريد مني أن أسمّي طفلك؟ أعتقد أنّ أحدهم طرح عليّ السؤال نفسه ذات مرة، وكنت أفضل لو أنّ الجميع فعل ذلك أيضاً، لأنّ في هذه الحال كنت سأجيب، بأنني أحبّ مناداتها باسمها، ذلك أنّي كلما سمعته كان وقعه في أذني كالموسيقى"، بحسب أليكس.

من جانبها تضيف أليس أنّ الناس "يجب ألا يخشون طرح أسئلة حول طفل توفيّ. وتذكر، "اسألوهم عن أطفالهم الذين غادروا الحياة قبل المجئ إليها، وكيف كانت الولادة، ومن أين اختاروا الاسم. تماماً كما كنتم ستفعلون لو أنّ الطفل كان بخير، أي أن تستفسروا عن وزنه، أو لون شعره. لم يسألنا أحد عن ذلك إطلاقاً".

في الشأن نفسه تقول كيت هولمز، مديرة الدعم والمعلومات في "ذي لولاباي ترست"، أنّ عائلات كثيرة "تجد الراحة في نطق اسم طفلها ومشاركة الآخرين الذكريات التي تشكّلت خلال فترة الحمل. لذا تحدّث بحرية عن الصفات الخاصة بالطفل ولا تتجنّب ذكر الموضوع".

 

 فكر جيداً في كلماتك

بالإضافة إلى التماهي مع الوالدين عند الحديث عن طفلهما، من الضروري أن تكون متيقظاً بشأن اللغة التي تستخدمها. وعلى الرغم من وجود عبارات قد تبدو مريحة، غير أنها ربما تكون على النقيض من ذلك تماماً.

في ذلك الصدد، توضح نيكولا إن إحدى العبارات التي تردّدت على مسمعيها بعد إجهاضها كانت، "في الحمل المقبل حاولي الاسترخاء، من ثمّ لن تخسري الطفل مجدداً".

تضيف، "لم تكن خسارة طفلي خطأي. كانت تلك العبارة محبطة حقاً، إذ تنطوي على اتهام الأم بارتكاب خطأ ما تسبَّب بفقدان الطفل. بمعنى أنّها في حال لم تمرّ بحالات توتر كثيرة، أو لو أنها عملت بوتيرة أقل، كان حملها سينجح. ولكنّ في الواقع ليس لذلك علاقة معر الإجهاض الذي يحدث أحياناً في الأحوال كافة".

بالنسبة إلى أليكس، كانت المصطلحات التي استخدمها بعض الناس للإشارة إلى ابنتها سبباً في إصابتها باضطراب كبير". تذكر، "يجب أن نستخدم مصطلحي الإجهاض وولادة الجنين ميتاً للإشارة إلى مثل تلك الأمور، لكن في مناسبات عدّة أشار الناس إلى طفلتي سكاي باسم "الطفل المولود ميتاً"، كذلك "المولود الميت"، بدلاً من طفلتي".

 

لا تتوقّف عن إظهار دعمك

عندما تمرّ الأم بتجربة حمل فاشلة أو تفقد طفلها، يمكن التغاضي عن تأثير الصدمة عقليّاً ونفسياً فيها في حال عادت إلى العمل أو راحت تمارس روتينها اليومي كما كانت تفعل سابقاً. ومع ذلك، لا يعني ظهورها كما لو أنّها تأقلمت مع الأمر أنّ تلقيها الدعم من أحبائها أمر غير ضروريّ.

بعد وفاة ابنتهما فيرا، تابع كل من أليس وديف جلسات مشورة مع "بيتالز"، علماً أنّ الجلسات المنتظمة التي أجراها البعض حملتهم على الإيمان بأنّهم "مضوا قدماً"، وقد مثّل ذلك الواقع الذي حقّقه إنجابهم أطفالاً في مرحلة لاحقة من حياتهم.

تضيف أليس، "عندما حظينا بابن بعد ذلك، ظنّ الناس أنّ حالنا استقرت جراء ذلك".

في المقابل، تشير أليكس إلىل أنّ معظم الناس أرسلوا لها بطاقات تعاطف وقالوا لها ولزوجها جوني كلمات لطيفة، "وقد كان ذلك منذ فترة طويلة جداً... لكن طفلنا لم يغادر تفكيرنا يوماً"، تختم الأم.

© The Independent