ملخص
معلومات إعلامية موثقة عن احتمال استخدام لبنان كقاعدة خلفية للتخطيط وتنفيذ عمليات عسكرية ضد الإدارة السورية الجديدة، أثارت موجة من القلق الشعبي والرسمي، ومخاوف من وضع لبنان مجدداً في موقف بالغ الحساسية والخطورة، مع تداعيات وخيمة على أمنه واستقراره الهش أصلاً. فور انتشار التسريبات الصحافية عن مخططات لاستخدام الأراضي اللبنانية منصة لتنفيذ عمليات داخل سوريا، استنفر المسؤولون السوريون وكثفوا اتصالاتهم مع نظرائهم اللبنانيين وسط أجواء لم تخلُ من التوتر.
في خضم التحولات الدراماتيكية التي تشهدها المنطقة، وبينما تحاول سوريا الجديدة النهوض من تحت ركام أعوام الصراع، تتصاعد المخاوف من أن يجد لبنان نفسه مجدداً في قلب عاصفة إقليمية لم يختر أن يكون جزءاً منها، إذ انشغل الرأي العام اللبناني خلال الأسبوع الأخير من العام الماضي بتسريبات صحافية مثيرة للقلق كشفت عن تحركات مريبة على الأراضي اللبنانية، تشير إلى احتمال استخدام لبنان كقاعدة خلفية للتخطيط وتنفيذ عمليات عسكرية ضد الإدارة السورية الجديدة.
وأفادت تقارير صحافية موثقة بتسجيلات صوتية عن قيام قائد قوات النخبة في جيش النظام السوري السابق اللواء سهيل الحسن بتجهيز مكتب ضخم في منطقة الحيصة الواقعة شمال لبنان على مقربة من الحدود السورية، ليكون مقراً لقيادة عمليات عسكرية محتملة ضد سوريا. وذكرت وسائل إعلام عربية معلومات إضافية تزيد من خطورة المشهد، من بينها تجنيد عناصر غير سوريين، يشمل ذلك لبنانيين سبق لهم القتال في سوريا خلال أعوام الحرب. وتحدثت المعلومات أيضاً عن خطة تفجير الساحل السوري وأن المتورطين يستخدمون الأراضي اللبنانية كممر لتمويل المجموعات العسكرية التي تستعد للسيطرة على الساحل مدعومة من رامي مخلوف ابن خال الرئيس الهارب بشار الأسد.
كذلك أضافت التقارير أن 20 طياراً من قوات النظام السابق بقيادة اللواء الطيار محمود حصوري يقيمون حالياً في أحد الفنادق اللبنانية برفقة عائلاتهم، وأن الجانب الإيراني هو من أحضرهم إلى لبنان تمهيداً لنقلهم لاحقاً إلى إيران.
هذه المعلومات الإعلامية الموثقة أثارت موجة من القلق الشعبي والرسمي، وعلى رغم تأكيد نائب رئيس الحكومة طارق متري لـ "اندبندنت عربية" التعاطي معها بجدية وعدم وجود أدلة ثابتة حولها، فإن تساؤلات جدية ومشروعة بدأت تطرح حول إمكان تحول لبنان الذي لا يزال يعاني أزمات داخلية متعددة، إلى منصة لانطلاق عمليات عدائية ضد سوريا، خصوصاً أن هذا السيناريو، إن تحقق، قد يضع لبنان مجدداً في موقف بالغ الحساسية والخطورة، مع تداعيات وخيمة على أمنه واستقراره الهش أصلاً، فضلاً عن تهديد علاقاته الإقليمية والدولية التي يسعى جاهداً إلى إعادة بنائها على أسس سليمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
توتر سوري
وفور انتشار التسريبات الصحافية عن مخططات لاستخدام الأراضي اللبنانية منصة لتنفيذ عمليات داخل سوريا، استنفر المسؤولون السوريون وكثفوا اتصالاتهم مع نظرائهم اللبنانيين وسط أجواء لم تخلُ من التوتر، وعلمت "اندبندنت عربية" أن متري، المسؤول عن الملف السوري، تلقى اتصالات متعددة من الجانب السوري، فبادر بالتواصل مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والأجهزة الأمنية، وعبر على صفحته في منصة "أكس" عن قلقه البالغ إزاء "ما يجري تداوله في الإعلام وبين الناس"، مطالباً الأجهزة الأمنية اللبنانية بالتحقق من صحة المعلومات واتخاذ التدابير المناسبة والحازمة.
على إثر ذلك، نفذ الجيش اللبناني أمس السبت مداهمات في شمال لبنان، شملت مدينة طرابلس وبلدة الحيصة المتاخمة للحدود السورية، أسفرت عن توقيف ستة سوريين من الضباط القدامى في جيش النظام السوري السابق، لم تكُن بينهم شخصيات برتب عالية جداً، بحسب ما كشفت مصادر عسكرية لـ"اندبندنت عربية"، والمصادر نفسها رجحت أن يكون سهيل الحسن خرج من لبنان.
وأكد متري لـ"اندبندنت عربية" أيضاً وجود عدد كبير من السوريين في لبنان فروا بعد أحداث الساحل السوري، من بينهم متقاعدون من الجيش، لافتاً إلى أنهم لم يقوموا بأية عملية أمنية حتى الآن، لكن المعلومات الصحافية تتحدث عن محاولات لتجنيدهم.
المبالغة بالخطر
وكشف نائب رئيس الحكومة عن أن عدداً قليلاً من الذين هربوا إلى لبنان بعد أحداث الساحل السوري يشارك في العمل السياسي عبر تسريب معلومات مشبوهة والحديث مع وسائل الإعلام، مؤكداً أنهم لا يشكلون حتى الآن خطراً أمنياً على سوريا أو لبنان، وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية تقوم بمراقبتهم، منوهاً إلى المداهمات التي نفذها الجيش اللبناني.
ونفى متري وجود معلومات دقيقة حول ما كشفت عنه وسائل إعلام عربية، معتبراً أن الغالبية من هؤلاء هم من المسنين المتقاعدين الذين يفضلون العودة لقراهم، وقال "لا أحب تضخيم الموضوع، لكن لدى السلطات السورية قلقاً شديداً ربما لأنها لا تملك معلومات دقيقة حول ما يخطط له فلول نظام الأسد"، مضيفاً أن الجانب السوري يدرك جدية الحكومة اللبنانية في هذا الملف، وأن الجيش وقوى الأمن الداخلي يقومان بما يلزم. واعتبر أخيراً أن القلق مشروع لكن يجب عدم المبالغة في الشعور بالخطر أو الخوف، مشدداً على أن هذا الموضوع، إن صح، سيكون مؤذياً للبنان وسوريا معاً.
شهادات وأدلة
من جهته عزز الصحافي والمحلل السياسي يوسف دياب سيناريو استخدام الأراضي اللبنانية للتخطيط لعمليات داخل سوريا، وكشف عن تلقي السلطات اللبنانية من الحكومة السورية الجديدة قائمة تضم أسماء نحو 200 ضابط من جيش النظام السابق والاستخبارات الجوية، يعتقد بأنهم موجودون في لبنان، مع مطالبة باستردادهم.
وعلى رغم أن الأجهزة الأمنية اللبنانية تنفي تلقيها كتاباً رسمياً بهذا الخصوص، فإن الأحداث الميدانية تعزز هذه المخاوف. وتأتي بحسب دياب حادثة مقتل العميد السوري غسان السخني في منطقة كسروان، وهو المقرب من اللواء سهيل الحسن، لتضيف دليلاً إضافياً على إمكان وجود الضباط في لبنان، بخاصة أن وجوده لم يكُن معلناً، وفي منطقة لا تعد حاضنة أو مؤيدة للنظام السوري السابق.
ويرى دياب أن الحديث عن تشكيل معسكرات في لبنان يشكل صدمة للرأي العام اللبناني قبل السوري، ويحمل الدولة اللبنانية والأجهزة الأمنية مسؤولية كبيرة للتحقق من دقة المعلومات وتنفيذ الأمن الاستباقي، ولا سيما حول وجود معسكرات محتملة لفلول النظام السابق في الهرمل بالبقاع وفي القرى المتاخمة للحدود السورية في الشمال، مستذكراً الاتهامات التي رافقت أحداث الساحل السوري الأخيرة بأن جزءاً كبيراً من المنفذين انطلقوا من الداخل اللبناني وساعدوا في العمليات ضد القوات السورية.
المجهر الدولي
وعلى رغم نفي القضاء اللبناني تلقيه معلومات رسمية عن وجود هؤلاء الضباط، يؤكد دياب أن هذا لا يعني عدم وجودهم، مذكراً بفترة الفرار الجماعي التي تزامنت مع سقوط النظام، إذ دخل آلاف السوريين إلى لبنان من دون القدرة على التمييز بين الضباط والمدنيين.
وترجح المصادر الأمنية والقضائية وجود هؤلاء في لبنان كلاجئين مختبئين، لكن البدء بتشكيل قواعد عسكرية لشن عمليات ضد سوريا يمثل خطراً كبيراً على لبنان، وسيضعه تحت المجهر العربي والدولي.
ويشير دياب في هذا السياق إلى ضغوط دولية غير مسبوقة، تمثلت في مذكرة من "الإنتربول" الأميركي تطلب توقيف اللواءين جميل الحسن وعلي مملوك إذا كانا موجودين في لبنان، وزودت "استنابة" قضائية فرنسية القضاء اللبناني بمعلومات وأرقام هواتف لـ11 ضابطاً كبيراً (بينهم اللواءان عبدالسلام محمود وعلي مملوك) يتواصلون في ما بينهم بصورة دورية، مما يرجح إقامتهم في لبنان أو إدارتهم لعمليات منه.
تداعيات خطرة
سيناريو الانطلاق من الأراضي اللبنانية لتخطيط وربما تنفيذ عمليات عسكرية ضد سوريا، يعيد للأذهان صورة لبنان "الساحات" المفتوحة التي كثيراً ما عاناها اللبنانيون عبر عقود من الزمن، والإشكاليات التاريخية المتعلقة بضعف المؤسسات الأمنية اللبنانية وتأثير الفصائل المسلحة العاملة خارج إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية.
ويرى محللون أن هذا الواقع قد يضع علامات استفهام كبيرة حول قدرة الدولة اللبنانية الفعلية على فرض سيطرتها وسيادتها على كامل أراضيها، ويكشف بوضوح عن ثغرات أمنية خطرة قد تستغلها جهات إقليمية ودولية لتحقيق أجنداتها الخاصة على حساب الأمن والاستقرار اللبناني. ومن الطبيعي أن تشكل هذه التطورات نكسة كبيرة للعلاقات اللبنانية- السورية في مرحلة حساسة ومفصلية تحتاج فيها الدولتان إلى بناء علاقات جديدة على أسس طبيعية وسليمة، قائمة على الاحترام المتبادل لسيادة كل دولة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
والأخطر من ذلك أن هذه التحركات قد تجعل الأراضي اللبنانية أهدافاً مشروعة لعمليات استباقية أو انتقامية من قبل الإدارة السورية الجديدة أو حلفائها الإقليميين والدوليين، في محاولة منهم لقطع دابر هذه التهديدات من جذورها، فضلاً عن أن وجود أسلحة ومجموعات مسلحة غير خاضعة لرقابة الدولة وسلطتها يزيد بصورة كبيرة من احتمالات اندلاع العنف والفوضى الأمنية، بخاصة في المناطق الحدودية الشمالية التي تعاني أصلاً هشاشة أمنية وضعف حضور مؤسسات الدولة فيها.
عقوبات دولية
ويعتقد كثر بأن المجتمع الدولي لن ينظر بعين الرضا أو حتى الحياد إلى استخدام الأراضي اللبنانية كقاعدة خلفية لزعزعة الاستقرار في سوريا الجديدة، بخاصة مع الجهود الدولية لدعم الانتقال السياسي السلمي في دمشق. وسيواجه لبنان ضغوطاً دبلوماسية متزايدة وحادة من الدول الغربية والعربية على حد سواء، مطالبة إياه باتخاذ إجراءات حاسمة وفورية لوقف هذه التحركات المشبوهة على أراضيه.
وإذا فشلت الحكومة اللبنانية في التعامل الجدي والحازم مع هذا الملف الشائك، فقد يجد لبنان نفسه معزولاً دولياً ومنبوذاً إقليمياً، وهو سيناريو كارثي بكل المقاييس. أما الأخطر من ذلك فسيكون احتمال فرض عقوبات دولية على "بلاد الأرز" بسبب استضافته لعناصر وجماعات تهدد الاستقرار الإقليمي، مما قد يعمق الأزمة الاقتصادية إلى حد كارثي ويزيد من معاناة المواطنين الذين يدفعون أصلاً ثمناً باهظاً لأزمات لم يصنعوها.