ملخص
في مصر ومع أعوام عجاف قاسى خلالها الناس إصلاحات اقتصادية ذات تبعات تضخمية صعبة، اختبر المصريون أنواعاً شتى من الاستثمار صوناً لـ"تحويشة العمر" من الضياع وتدني القيمة، بعد خمسة قرارات من تعويم الجنيه.
يتذكر المصريون إعلان البنك الأهلي المصري الشهير "قوم اطمن على فلوسك" خلال رمضان من عام 2014، واختيرت هذه العبارة العبقرية من قبل القائمين على حملة إعلانات البنك لتخاطب مخاوف المصريين وتحثهم على حفظ المدخرات في البنوك، والاستفادة من منتجاتها المصرفية ذات العائد التنافسي.
وخلال وداع كل عام يراجع بعض الناس تجاربهم الادخارية والاستثمارية الخاصة لاستخلاص العبر والدروس وتقييم القرارات والأخطاء المالية، على نحو يضمن تصويبها ومنع تكرارها خلال العام الجديد.
ذهب أم منتجات مصرفية؟
الأسئلة ذاتها تدهم الرؤوس عشية رأس السنة من كل عام، أين سنضع أموالنا؟ كيف سنحفظ قيمة مدخراتنا؟ وفي أي الأوعية الاستثمارية يمكن أن نلوذ بصورة آمنة من دون مغامرة أو مخاطرة أو مقامرة؟ ذهب أم منتجات مصرفية؟ أسهم أم عقار؟
في مصر ومع أعوام عجاف قاسى خلالها الناس إصلاحات اقتصادية ذات تبعات تضخمية صعبة، اختبر المصريون أنواعاً شتى من الاستثمار صوناً لـ"تحويشة العمر" من الضياع وتدني القيمة، بعد خمسة قرارات من تعويم الجنيه.
لاذ البعض بالذهب في حين شجعت أسعار الفائدة المرتفعة بعضهم الآخر لشراء الشهادات الادخارية من البنوك وكذلك الأسهم، في حين تحوط أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة نسبياً بالعقارات التي شهدت هي الأخرى قفزات سعرية لافتة، وعلى رغم ما حققته جميع تلك الأوعية من الأرباح فإن التباين بينها كان حاسماً في ميزان أصحاب الأموال.
كم ارتفع الذهب في 2025؟
وبينما يمكن لأصحاب المدخرات حسم قراراتهم بالحكم على أداء تلك الأوعية والمقارنة بين عوائدها، يتحمس كثر من الخبراء والمتخصصين في مصر لمصلحة المجالات الاستثمارية التي يعملون بها، فالمصرفيون سينصحون بالاستثمار في الشهادات البنكية كمثال، وتجار الصاغة سيحثون على شراء مزيد من الذهب، وكذلك سماسرة البورصة والعقارات.
الذهب كمثال، زادت قيمته خلال العام الحالي بنحو 70 في المئة، وهو ما يجعل منه وعاءً ادخارياً أمثل لكثرٍ، خلال وقت يتردد خلاله بعضٌ في اتخاذ قرار الشراء على أسعاره الباهظة أثناء الوقت الراهن.
المدير التنفيذي لمنصة "آي صاغة" في مصر سعيد إمبابي يرى أن ارتفاع أسعار الذهب في الأسواق المحلية والبورصة العالمية، مدفوعاً بنمو الطلب على الملاذ الآمن مع ضعف العملة الأميركية واتساع التوترات الجيوسياسية، هو ما يوفر للمعدن الأصفر تحقيق أقوى أداء سنوي له منذ عام 1979.
توقعات الذهب في 2026
في بيئة عملياتية كتلك، يرى إمبابي أن الذهب مرشح لمزيد من الصعود خلال عام 2026، إذ تتوقع الأسواق مزيداً من التيسير النقدي من جانب البنك المركزي الأميركي وسط بيانات اقتصادية تشير إلى انخفاض الضغوط التضخمية وضعف سوق العمل داخل الولايات المتحدة.
ويعتقد المدير التنفيذي لـ"آي صاغة" توافر الظروف ذاتها خلال عام 2026 التي هيأت الذهب للصعود أثناء العام الحالي، من قبيل التوترات الجيوسياسية وزيادة الاضطرابات، فيرى أن التوترات المتصاعدة بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى حدة التوتر بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وعدم تحقيق اختراق في محادثات السلام الأوكرانية التي تقودها الولايات المتحدة يعني مواصلة الذهب ارتفاعه خلال العام المقبل.
على صعيد آخر، جذبت معدلات الفائدة المرتفعة الشهادات والودائع المصرفية في مصر إلى واجهة الاهتمام، بعدما تحولت إلى ملاذ آمن لعشرات الآلاف من الأسر في مواجهة تآكل القوة الشرائية للجنيه وتصاعد التضخم، وذلك بالتوازي مع موجة التشديد النقدي التي رفعت أسعار الفائدة بنحو 1900 نقطة أساس بين مارس (آذار) 2022 ومارس 2024، قبل أن تدخل لاحقاً مسار التراجع وصولاً إلى مستوياتها الراهنة.
شهادات البنك الأهلي المصري
أما الشهادات الادخارية للبنوك والمصارف فإن أعلى عوائدها كانت في بنكي "الأهلي المصري" و"مصر" ويحين استحقاقها خلال يناير (كانون الثاني) 2026، بعائد 27 في المئة.
وأمام معطيات كتلك يبدو المصرفيون أكثر حماسة للمنتجات المصرفية، عائد مضمون وسخي بلا مخاطرة أو مشقة، فينصح رئيس أكبر بنوك مصر المواطنين بمواصلة الاستثمار في الشهادات المصرفية بالنظر إلى ما تحققه من عوائد مضمونة وثابتة من دون مخاطرة.
ويؤكد الرئيس التنفيذي للبنك الأهلي المصري محمد الإتربي أن توقعات تراجع الفائدة خلال عام 2026 ما بين أربعة وخمسة في المئة لا تعني بالضرورة خفض عوائد الشهادات الادخارية، التي تظل الأفضل من بين الأوعية الادخارية الأخرى.
ويلفت رئيس البنك الأهلي المصري إلى توافر بدائل أخرى أمام العملاء الذين لا يرغبون في ربط أموالهم لفترات طويلة، من بينها الصناديق الاستثمارية واختيار الأنسب منها وفقاً لقيمة المبلغ وحاجات كل عميل.
كم حجم أرباح العقارات؟
وفي سوق العقارات، تتباين التقديرات حول نسبة ارتفاع الأسعار مدفوعة بزيادة كلفة مدخلات البناء والأجور، وفي حين لا توجد إحصائية موحدة رسمية حتى الآن عن إجمال أرباح قطاع العقارات في مصر طوال عام 2025، لكن يمكن النظر إلى أرباح النصف الأول من العام لتسع شركات عقارية كبرى مدرجة ضمن البورصة المصرية بزيادة نحو 12 في المئة على الفترة نفسها من العام الماضي، وهذه الأرقام على رغم أنها لا تغطي سوى جزء فقط من الشركات المدرجة وليس إجمال الربح القطاعي الكامل، فإنها تعطي مؤشراً واضحاً على حجم الأرباح في القطاع العام المدرج.
يتحدث المطور العقاري عبدالله سلام عن ارتفاع بنحو 10 في المئة ضمن أسعار العقارات منذ بداية عام 2025، موضحاً أن السوق لم تشهد تباطؤاً بل عادت إلى معدلات نمو طبيعية بعد طفرة استثنائية بلغت 150 في المئة خلال العام الماضي، موضحاً أن المشتري المصري لا يزال المحرك الأساس للمبيعات في السوق، وأن الطلب لا يزال قوياً على رغم تأثر القدرة الشرائية موقتاً بالتضخم.
كيف نشتري... ومتي؟
أما في ما يتعلق بحظوظ العقارات خلال عام 2026، فيرجح المتخصص العقاري أحمد جبر أن ترتفع أسعارها 15 في المئة مدفوعة بزيادة كلفة البناء والخامات، إلى جانب استمرار الطلب الحقيقي على العقار باعتباره ملاذاً آمناً للاستثمار.
لكن التحوط من موجات ارتفاع الأسعار يتطلب اتخاذ قرارات استثمارية مبكرة، في مقدمها الدخول ضمن المشروعات خلال مراحلها الأولى، والاستفادة من نظم السداد المرنة إلى جانب التركيز على المشروعات التي تقدم قيمة تشغيلية فعلية تتجاوز الطابع السكني التقليدي، فضلاً عن أهمية اختيار المواقع ذات المزايا التنافسية، بحسب ما يوضح جبر ضمن حديثه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى صعيد مقابل، ارتفعت القيمة السوقية للبورصة المصرية بصورة كبيرة خلال عام 2025، ووصلت إلى أعلى مستوياتها التاريخية عند نحو 2.425 تريليون جنيه (51 مليار دولار) خلال يوليو (تموز) الماضي بزيادة نحو 11.7 في المئة مقارنة بنهاية عام 2024، وهذا الارتفاع يقيس قيمة الأسهم المدرجة وارتفاع أسعارها، وهو انعكاس ضمني لمحفزات الربحية في السوق.
أدوات جديدة في بورصة مصر
ويدافع رئيس البورصة المصرية إسلام عزام عن سوق المال المصرية بوصفها أحد أهم الأوعية الاستثمارية ذات الربحية التنافسية، ويقول إن السوق تعمل على طرح مجموعة من الأدوات المالية الجديدة خلال الربع الأول من عام 2026، تشمل آليات "البيع على المكشوف" (Short Selling)، و"صانع السوق" (Market Maker)، و"المشتقات المالية" (Derivatives)، في خطوة ينتظر أن تسهم بصورة كبيرة في تنشيط السوق وتعزيز السيولة ورفع قيم التداول بصورة ملحوظة.
وبينما ارتفع مؤشر "إي جي إكس 70" بنسبة 60 في المئة منذ بداية عام 2025، ومؤشر "إي جي إكس 30" بنسبة تقارب 40 في المئة، في انعكاس واضح لعمق واهتمام المتعاملين بالبورصة المصرية، يلفت رئيس بورصة مصر إلى أن مقارنة تلك المؤشرات بالدول المحيطة تظهر أن مؤشرات السوق سجلت ارتفاعاً أكبر.
معطيات وأرقام كتلك قد لا تحير الناس كثيراً، فالذهب يأتي أولاً وبعده بقية الأوعية الأخرى، لكن من يضمن أن الظروف ذاتها التي تحققت للمعدن الأصفر من قبيل صدمات الرسوم الجمركية الأميركية ومخاوف حرب التجارة بين واشنطن والصين والتوترات الجيوسياسية في شرق أوروبا والشرق الأوسط، ستظل كما هي من دون تغيير؟
كيف نضمن الربح بلا خسارة؟
هنا يرى المتخصص الاقتصادي وليد علي في تنويع المحفظة الاستثمارية احتياطاً أكبر ضد احتمالات الخسارة، ويقول إن من الضروري توزيع المدخرات ورؤوس الأموال على الأوعية الادخارية والاستثمارية المختلفة، بما يضمن تحقيق متوسط ربحي في نهاية العام،والاستفادة من عوائد القطاعات المولدة للربح كافة.
وينبه المتحدث إلى قيمة أسمى خلفتها الأعوام الصعبة في مصر، ألا وهي الاستثمار، فالأزمة التي مرت بها البلاد تركت انطباعات وخلقت قناعات لدى كثرٍ بأن صون المدخرات لا يكون باكتنازها داخل البيوت من دون استثمار يحفظ لها القيمة، وهو ما يتعين التثقيف والتوعية بأهميته لدى طلاب المدارس وربات البيوت والفئات الأضعف في المجتمع.
في المحصلة، يمكن النظر إلى عام 2025 باعتباره اختباراً حقيقياً لصبر المستثمرين والمدخرين داخل مصر، إذ أثبتت التجارب العملية قيمة التنويع بين الذهب والبنوك والعقارات والأسهم. ومع التحديات الاقتصادية المستمرة والتقلبات العالمية يظل القرار الاستثماري المبكر واعتماد استراتيجيات مرنة ومدروسة السبيل الأمثل للحفاظ على رأس المال وتعظيم العوائد. وخلال العام الجديد، يبقى التنويع والفهم العميق للأسواق المالية والأدوات الاستثمارية الجديدة مفتاحاً أساساً لتحقيق أرباح مستدامة وتقليل الأخطار المحتملة.