ملخص
في وقت لا تزال الصورة ضبابية حول الخيارات البديلة واليوم التالي لانتهاء مهمة "اليونيفيل"، كشف رئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة عن تداول اعتماد صيغة لقوة دولية مصغرة في الجنوب، وأن هناك أفكاراً أخرى مطروحة مثل تشكيل قوة متعددة الجنسيات أو اعتماد قوة مشابهة لتلك التي تعمل في الجولان.
في أغسطس (آب) الماضي، اتخذ مجلس الأمن الدولي قراراً تاريخياً بالإجماع ينهي مهمة قوات الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) التي استمرت لأكثر من أربعة عقود. وينص القرار رقم 2790 على استمرار عمل القوة حتى الـ31 من ديسمبر (كانون الأول) 2026، ثم البدء بانسحاب منظم وآمن يستغرق عاماً واحداً. ويطلب من الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش تقديم خيارات بديلة بحلول يونيو (حزيران) 2026 "لمستقبل تنفيذ القرار 1701" بعد انسحاب "اليونيفيل" لمعالجة الأخطار الناجمة عن رحيلها.
ويمثل قرار إنهاء مهمة القوة الأممية بحسب كثرٍ منعطفاً تاريخياً يمكن النظر إليه على أنه فرصة للبنان لاستعادة سيادته الكاملة على أراضيه وبناء مؤسسات دولة قوية، لكن ذلك يتوقف على سلسلة عوامل أهمها قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بالتزاماته المالية واللوجستية للجيش اللبناني وإثبات الحكومة اللبنانية جديتها في تطبيق قراراتها ومواجهة التحديات السياسية والأمنية الداخلية ومرونة "حزب الله" أو عناده في التمسك بسلاحه والتزام إسرائيل عدم استغلال الوضع للتوسع أو التصعيد وقدرة الأمم المتحدة أخيراً على ابتكار آليات رقابة بديلة فاعلة.
وعلى صعيد قيادة القوات الدولية في الجنوب تستعد قيادة "اليونيفيل" لتنفيذ قرار انتهاء المهمة في نهاية عام 2026. ونتوجه إلى المتحدثة باسمها كانديس أرديل ونسأل عن إمكان التمديد أو الخيارات الأخرى المتاحة، فتكتفي بالتذكير بقرار مجلس الأمن الذي نص على انتهاء مهمة "اليونيفيل" في نهاية العام المقبل، مع منح عام إضافي للانسحاب، وتقول "حتى ذلك الحين نركز على المهمات الموكلة إلينا بموجب القرار 1701، وعلى وضع الجيش اللبناني في أفضل موقع ممكن لتسلم المهمات الأمنية التي نقوم بها حالياً. وطلب مجلس الأمن من الأمين العام للأمم المتحدة تقديم خيارات في شأن مستقبل تنفيذ القرار 1701 بحلول يونيو من العام المقبل".
وتكشف أرديل عن أنه بسبب الأزمة المالية التي يواجهها نظام الأمم المتحدة ككل، بدأت القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان الشهر الماضي بتقليص عدد عناصرها على الأرض، وغادر أكثر من 2000 جندي، وعند انتهاء هذه العملية سيكون العدد انخفض نحو الربع، وتؤكد أن هذا الخفض سيؤثر في قدرة "اليونيفيل" على تنفيذ مهماتها بالمستوى نفسه وبالأعداد نفسها كما في السابق. وتضيف "نعمل على تنفيذ هذه الخفوض المطلوبة في أفراد القوة بأقل قدر ممكن من التعطيل، وضمان استمرار تركيزنا على مهماتنا الأساسية، وهي مراقبة الخط الأزرق والانتهاكات للقرار 1701، ولا سيما دعمنا للجيش اللبناني".
الخيارات البديلة
وفي وقت لا تزال الصورة ضبابية حول الخيارات البديلة واليوم التالي لانتهاء مهمة "اليونيفيل"، كشف رئيس الحكومة نواف سلام خلال جلسة مجلس الوزراء الأخيرة عن تداول اعتماد صيغة لقوة دولية مصغرة في الجنوب، وأن هناك أفكاراً أخرى مطروحة مثل تشكيل قوة متعددة الجنسيات أو اعتماد قوة مشابهة لتلك التي تعمل في الجولان، ونشطت خلال الفترة الأخيرة حركة دولية باتجاه لبنان بحثاً عن صيغة ملائمة لما بعد رحيل القوات الدولية واستطلاع إمكان وجود تصور في هذا الخصوص لدى الحكومة اللبنانية. واقترح رئيس وفد مجلس الأمن ممثل سلوفينيا سامويل زبوغار الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للمجلس خلال لقاءاته في بيروت، البحث في الإبقاء على القوات الدولية الحالية لكن بعد تعديل قرار إنشائها ومهمتها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وكان قرار التجديد للقوات الدولية لمرة واحدة حتى نهاية عام 2026، تضمن دعوة إلى المجتمع الدولي لـ"تكثيف دعمه، بما في ذلك المعدات والمواد والتمويل" للجيش اللبناني، تمهيداً لجعل الحكومة المسؤولة الوحيدة عن الأمن في جنوب البلاد، مع ما يتطلب ذلك من تنفيذ جدي وحازم لخطتها في نزع سلاح "حزب الله" قبل انتهاء مهمة "اليونيفيل".
وفي السياق يجري تداول اقتراحات في أروقة الاتحاد الأوروبي حول تعزيز الدول الأوروبية قوى الأمن الداخلي اللبناني لتخفيف العبء عن الجيش حتى يتسنى له تركيز الجهود على نزع سلاح "حزب الله"، على أن تركز جهود الاتحاد الأوروبي على المشورة والتدريب وبناء القدرات، والإسهام في النقل التدريجي لمهمات الأمن الداخلي من الجيش اللبناني إلى قوى الأمن الداخلي، مما يسمح للجيش بالتركيز على مهماته الدفاعية الأساسية.
قراءة عسكرية
يرى القائد السابق لقطاع جنوب الليطاني العميد المتقاعد خليل الجميل في التجديد لقوات "اليونيفيل" وخفض عددها الصيغة الأنسب للبنان، لكن إذا تعذر ذلك فهناك حلول عدة يمكن اعتمادها، ومن بينها زيادة عديد قوات مجموعة المراقبين الدوليين (OGL) الموجودين في لبنان منذ عام 1949 لمراقبة تنفيذ "اتفاق الهدنة" بين لبنان وإسرائيل، وهم حالياً تحت السيطرة العملانية لقوات "اليونيفيل" وسيبقون في لبنان بعد انسحابها، وعديدهم الحالي لا يتجاوز الـ60 عنصراً، ولهم مراكز مراقبة في لبنان وإسرائيل على طول خط الهدنة من الطرفين.
أما الحل الثاني، وفق الجميل، فإنشاء قوة أممية مشتركة ضمن آلية تابعة للأمم المتحدة، ولكن بعديد أقل من عديد "اليونيفيل"، لتتولى مهمات محددة لمراقبة وقف الأعمال القتالية والخط الأزرق بالتعاون مع الجيش اللبناني إلى حين تثبيت الحدود البرية واستتباب الهدوء الأمني بصورة نهائية، مع العلم أن هناك دولاً تشارك حالياً بوحدات أساسية وكبيرة ضمن "اليونيفيل" أبدت رغبتها في البقاء بالجنوب اللبناني مثل فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وهي تبحث عن الآلية القانونية الدولية للبقاء، وعن الدعم اللوجستي والدبلوماسي اللازم لذلك، وهو مؤشر إيجابي جداً على استمرار الاهتمام الأممي بالسلام في لبنان.
ويكشف الجميل عن أن الجيش اللبناني كان يتحضر ويتدرب لليوم الذي سيتولى فيه منفرداً مهمة الأمن في الجنوب، وهو جاهز وقادر حالياً على القيام بهذه المهمة بعدما توافر له الغطاء السياسي الداخلي، لكنه بحاجة ماسة إلى الإمكانات اللوجستية وممارسة الضغط الدولي على إسرائيل من أجل تنفيذ بنود اتفاق وقف الأعمال القتالية.
ويضيف أن الجيش اللبناني قام خلال الأعوام الماضية بصورة متدرجة بالتحضيرات والتدريبات اللازمة لتولي هذه المهمة بمفرده ضمن خطة سابقة مع "اليونيفيل" تعرف باسم "الحوار الاستراتيجي". وإذ يعترف بصعوبة قيام الجيش اللبناني منفرداً بالمهمة في الجنوب، بخاصة من الناحية اللوجستية، ولا سيما في ظل الوضع الاقتصادي الذي يعانيه لبنان والذي ينعكس مباشرة على المؤسسة العسكرية، يؤكد القائد السابق لمنطقة جنوب الليطاني أن الجيش يتمركز حالياً في المقدمة على الحدود الجنوبية في ما عدا النقاط التي لا تزال إسرائيل تحتلها، ولديه الأوامر السياسية الواضحة بالتصدي لأي توغل إسرائيلي وضبط أي سلاح في جنوب الليطاني خارج القوات الأمنية اللبنانية الرسمية، ضمن المرحلة الأولى من حصرية السلاح التي تنتهي أواخر هذا الشهر، لتبدأ بعدها المرحلة الثانية من حصر السلاح شمال الليطاني، وصولاً إلى حصره بيد الدولة فقط على كامل الأراضي اللبنانية.
أخطار انتهاء المهمة
ويحذر الجميل من التداعيات الخطرة التي سيخلفها انسحاب "اليونيفيل" من جنوب لبنان، مشيراً إلى ستة أخطار جوهرية تهدد الاستقرار والأمن في المنطقة، أولاً فقدان آلية المراقبة الدولية الفاعلة لما يحدث من انتهاكات وخروقات أمنية للقرار 1701، ولا سيما أن هناك 47 دولة تشارك في هذه القوات وبنسب متفاوتة، وهي توثق أي خرق داخلي أو خارجي لهذا القرار.
والخطر الثاني، وفق الجميل، هو غياب آلية لمراقبة الخط الأزرق من قبل طرف محايد، وهو الخط الذي وضعته الأمم المتحدة عام 2000 للتأكد من انسحاب الجيش الإسرائيلي من لبنان تنفيذاً للقرار 425، وثالثاً خسارة قوة عسكرية عاملة ومحترفة تنفذ يومياً مئات المهمات إلى جانب الجيش اللبناني في قطاع جنوب الليطاني، وتتمتع بجاهزية كبيرة وتقدم مساعدة عملانية فاعلة للجيش اللبناني.
ويشكل فقدان آلية مراقبة بحرية دقيقة للمياه الإقليمية اللبنانية التي تتولاها حالياً سفن تابعة لخمس دول مشاركة في هذه القوات تتعاون بصورة وثيقة وفاعلة مع القوات البحرية اللبنانية، الخطر الرابع بحسب الجميل، أما الخامس فهو تراجع الغطاء والاهتمام الدولي النسبي الذي كثيراً ما تمتع به لبنان منذ بداية مهمات هذه القوات، ولا شك في أن هذا الاهتمام جنّب البلد سابقاً كثيراً من جولات العنف بسبب تدخلات "اليونيفيل" اليومية التي كانت تنهي كثيراً من الإشكالات في مناطق حساسة، إذ كان يمكن لأية حادثة بسيطة فيها أن يتطور إلى حرب مدمرة في وقت قصير.
أما الخطر السادس والأخير، كما يقول الجميل، فيتمثل في أن جنوب لبنان وقراه المدمرة سيفتقدان مساعدات الدول المانحة ضمن ما يسمى "فرق التعاون العسكري – المدني" التابعة للوحدات العسكرية في الدول المشاركة في "اليونيفيل" التي أسهمت سابقاً وتسهم حالياً وبصورة كبيرة في إنماء قرى جنوب لبنان، وساعدت سكانه على مدى عقود من الزمن.