Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طلاب غزة ضحايا عمليات احتيال واستدراج للدراسة في الخارج

جرى إيهامهم بالسفر بعد تأمين الأموال وتصديق المعاملات

كشفت صحيفة "هآرتس" عن وجود شبكة يقودها إسرائيلي تعمل على إخراج مواطنين فلسطينيين من قطاع غزة (أ ف ب)

ملخص

بحسب مراقبين، فإن غالب عمليات الاحتيال تدار من خارج غزة غالباً، إذ أفاد عدد من ضحايا تلك العمليات بأن لهجة المتصلين وأسلوب حديثهم يوحيان بارتباطهم بجهات خارجية.

في حين قال آخرون إن إسرائيل أنشأت وموهت بعض المؤسسات تحت مسميات وهمية بهدف استقطاب أعداد من سكان غزة وتهجيرهم إلى دول أخرى، مع مصادرة وثائقهم الفلسطينية ومنعهم من العودة.

لم يكن قرار محمد الزعنون (26 سنة) الخروج من غزة وترك عائلته في الحرب سهلاً، لكن حبه للتعليم وسعيه إلى إكمال دراسته في الخارج حسما قراره، خصوصاً بعد تلقيه اتصالاً هاتفياً من مؤسسة تقدم نفسها بأنها جهة إنسانية وتزعم أنها تساعد الطلبة الفلسطينيين من قطاع غزة على السفر إلى وجهاتهم الدراسية بالتنسيق مع أطراف إسرائيلية. وعلى رغم التحذيرات اليومية من أوساط عائلية وحقوقية وإعلامية فلسطينية من أخطار التعامل مع مؤسسات غير موثوقة تنشط تحت غطاء العمل الإنساني في القطاع، إلا أن الشاب المتشبث بقشة للخروج من القطاع، استجاب لكل الطلبات وأرسل الأوراق والوثائق وكل الشهادات المطلوبة، إلا أنه وبمجرد دفع المبلغ المطلوب لإتمام إجراءات السفر فقد التواصل مع المؤسسة تماماً وباءت كل محاولاته للوصول إليها من خلال المكالمات الهاتفية أو الرسائل النصية أو تطبيق "الواتساب" بالفشل، وتحول حلمه بالدراسة لكابوس مرير بعد أن اكتشف أن الأموال التي  دفعها عبر منصة Binance باستخدام العملات الرقمية بعد أن باع مصاغ والدته، حولت لاحقاً إلى خارج القطاع بوسائل يصعب تتبعها، وهو ما يعزز فرضية وجود شبكات احتيال عابرة للحدود، منظمة بما يكفي لتجاوز قدرات الملاحقة المحلية.

تصاعد ملاحظ

الحقيقة المؤلمة، في حكاية الزعنون، أن عشرات غيره من طلبة الجامعات في قطاع غزة تعرضوا لعمليات نصب واحتيال مشابهة في ظل الدمار والخراب الذي يسيطر على حياتهم، وهم يحاولون جاهدين الحصول على منح للدراسة في جامعات الخارج، على اعتبار أنها فرصة قد لا تتكرر للخروج من جحيم الحرب وتداعياتها. وتعلن وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية سنوياً نحو 500 منحة دراسية من مؤسسات دولية لطلاب غزة للتخفيف من الأعباء المالية المرتبطة بالدراسة الجامعية داخل القطاع أو خارجه، إذ ينتافس آلاف الطلبة سنوياً للحصول عليها، فهي عادة ما تشمل سكن الطلبة وكامل الرسوم الدراسية، إضافة إلى تغطية تكاليف السفر والإقامة.

 

 

وعلى رغم نجاح كثيرين في الحصول على تلك المنح وحجزهم مقاعد دراسية في بعض الجامعات، إلا أنهم وقعوا ضحية شركات ومؤسسات غير موثوقة أوهمتهم أنها ستخرجهم من القطاع بعد تأمين الأموال الضرورية للسفر وتصديق المعاملات، ويعزو بعضهم انتشار عمليات النصب خلال الآونة الأخيرة في القطاع بصورة كبيرة إلى غياب الرقابة وضعف التوعية. وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعصف بالغزاويين، منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، توسعت شبكات احتيال احترافية تستغل حاجة سكان القطاع إلى المنح والمساعدات وسط تعطل المحاكم عن العمل، وعدم فاعلية النظام المصرفي. وأكد كثيرون أن عمليات النصب الأخيرة التي طاولت الطلبة وغيرهم مرتبطة بالمحافظ الإلكترونية والتطبيقات البنكية، وذلك بعد استدراجهم عبر الهواتف لطلب معلومات حساسة تتعلق ببياناتهم وحساباتهم البنكية. ووفقاً لمدير جمعية البنوك في فلسطين بشار ياسين، فإن الانهيار الاقتصادي المتفشي في القطاع أسهم في تصاعد الاحتيال الإلكتروني، مشيراً إلى أن الجمعية تتلقى يومياً شكاوى الضحايا وتحيلها إلى وحدة الجرائم الإلكترونية، إضافة إلى إطلاق حملات توعية للحد من هذه العمليات.

هجرة طوعية

وبحسب مراقبين، فإن غالب عمليات الاحتيال تدار من خارج غزة غالباً، إذ أفاد عدد من ضحايا تلك العمليات بأن لهجة المتصلين وأسلوب حديثهم يوحيان بارتباطهم بجهات خارجية. في حين قال آخرون إن إسرائيل أنشأت وموهت بعض المؤسسات تحت مسميات وهمية بهدف استقطاب أعداد من سكان غزة وتهجيرهم إلى دول أخرى، مع مصادرة وثائقهم الفلسطينية ومنعهم من العودة. وقد كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية الشهر الماضي، عن وجود شبكة يقودها إسرائيلي تعمل على إخراج مواطنين فلسطينيين من قطاع غزة عبر ترتيبات غير رسمية، جرى توجيهها بصورة مباشرة من مديرية "الهجرة الطوعية" التابعة لوزارة الأمن الإسرائيلية، وهي وحدة أنشئت بقرار من الكابينت في مارس (آذار) الماضي لـ"تسهيل خروج الغزيين الراغبين في المغادرة". وأعلنت الوزارة حينها أن هذه الإدارة ستتولى تنظيم إجراءات مغادرة الفلسطينيين "الراغبين في ذلك"، إذ أكد كاتس أن خطته تنسجم مع رؤية الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معتبراً أنها ستوفر لسكان غزة فرصة السفر إلى دول أخرى ضمن ترتيبات "آمنة ومنظمة". 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق بيان الوزارة، ستعمل الإدارة الجديدة ضمن "إطار قانوني" محلي ودولي، وستكون تحت إشراف مباشر من وزير الدفاع، مع إمكان التنسيق مع منظمات دولية وجهات أخرى وفق توجيهات الحكومة الإسرائيلية، كما ستتولى الإدارة تطوير البنية التحتية اللازمة، بما في ذلك إنشاء معابر ومراكز تفتيش مخصصة للمغادرين، إلى جانب توفير وسائل نقل جوية وبحرية وبرية إلى الدول المستهدفة. ووفق استطلاع رأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، ومقره رام الله، في مايو (أيار) الماضي، فإن نحو 49 في المئة من سكان القطاع أعربوا عن استعدادهم لتقديم طلبات إلى إسرائيل لمساعدتهم في مغادرة غزة عبر الموانئ والمطارات الإسرائيلية. وبحسب ما جاء في التقرير السنوي للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني مطلع العام الحالي، فإن أكثر من 100 ألف فلسطيني غادروا غزة منذ بدء الحرب في السابع من أكتوبر 2023. في حين أكدت منصة "شبكة أمل طلاب غزة"، أن عدد الطلاب في غزة المقيدين في جامعات دولية يزيد على 1500 طالب وطالبة، منهم 90 طالباً زاروا غزة صيف عام 2023، ولكنهم لم يتمكنوا من مغادرة القطاع بسبب اندلاع الحرب والاستمرار في إغلاق المعابر، على رغم المطالبات المتكررة التي وجهت لمنظمات دولية بضرورة مراعاة الظروف الاستثنائية لهؤلاء الطلبة. وأفادت المنصة بأنه في العام الأول للحرب خسر 50 طالباً منحته الدراسية بسبب تعذر السفر، وفي حال استمر إغلاق المعابر قد يفقد غالبية الطلبة العالقين في القطاع منحهم الدراسية.

التعليم أولوية

ويخشى نحو 100 ألف طالب جامعي في القطاع من مصير مجهول ووصول فرصة عودتهم للتعليم الجامعي إلى طريق مسدود، بعد أن دمرت الحرب ست جامعات من أصل سبعة في غزة و17 كلية متوسطة بصورة كاملة أو جزئية. واتهم المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الجيش الإسرائيلي باستهداف الجامعات بصورة "منهجية واسعة النطاق"، مؤكداً أن ذلك "يقضي على آخر مظاهر الحياة في غزة". وهو ما أكد عليه وزير التربية والتعليم العالي في فلسطين أمجد برهم، حين صرح أن "إسرائيل تعمل بصورة متعمدة على تدمير العملية التعليمية في فلسطين"، مشيراً إلى أنها استهدفت الجامعات في قطاع غزة وأخرجتها عن الخدمة. في المقابل قال الجيش الإسرائيلي في تصريحات سابقة إن حركة "حماس" تستخدم المباني، ومنها مؤسسات التعليم العالي، لأغراض عسكرية.

ووفقاً لمكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن التعليم الجامعي في قطاع غزة واجه خلال عامين من الحرب، ظروفاً صعبة غير مسبوقة، أدت إلى مقتل أكثر من 1532 من طلبة الجامعات وكوادرها وتدمير أكثر من 63 مبنى تابعاً للجامعات بالكامل، فيما تعرضت 392 منشأة تعليمية لأضرار جزئية، مما اضطر الجامعات إلى اعتماد التعليم الإلكتروني خلال فترات الحرب على رغم ظروف النزوح وانقطاع الكهرباء والاتصال. وتشير التقديرات الحكومية في القطاع إلى أن الأهالي الذي نزحوا إلى مباني الجامعات، بعد الدمار الواسع الذي لحق بالبنية التحتية خلال عامين من الحرب، يحتاجون إلى نحو 300 ألف خيمة ووحدة سكنية مسبقة الصنع لتلبية احتياجاتهم وإيجاد مأوى بديل لهم.

وعلى رغم صغر مساحة القطاع، إلا أنه يعتبر من أكثر المناطق في الشرق الأوسط ارتفاعاً بمعدلات التعليم الجامعي التي تبلغ أكثر من 90 في المئة، إذ يعتبر الفلسطينيون التعليم من أهم أولويات حياتهم. وبعد عامين من الانقطاع، استقبلت الجامعة الإسلامية بغزة حديثاً مئات الطلاب داخل مباني رممت جزئياً. وكان صندوق الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" قد أوضح أن أكثر من 92 في المئة من مدارس غزة قد دمرت كلياً أو جزئياً بسبب الحرب، فيما أشار تقرير حديث إلى أن 87 في المئة من تلك المدارس تحتاج إلى إعادة إعمار كبيرة قبل أن تعود للعمل. وقد أدى ذلك إلى حرمان نحو 658 ألف طالب من التعليم المنتظم للعام الدراسي الثاني على التوالي، من بينهم 39 ألف طالب لم يتمكنوا من إجراء امتحانات الثانوية العامة (التوجيهي) لعامين متتاليين. وكان قد ارتفع عدد المساحات التعليمية إلى أكثر من 600 خلال الأسابيع الأخيرة، مما وفر شكلاً من أشكال التعليم لنحو 173 ألف طفل.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير