ملخص
كشفت ميزة "إكس" أن عشرات الحسابات تعمل من مواقع لا تمت إلى هوياتها الظاهرة، بينها حسابات تستخدم لأهداف سياسية وإثارة قضايا شعبوية بين الشعوب العربية، كذلك اتضح أن بعض الحسابات التي تطلب تبرعات لقضايا إنسانية وتقدم نفسها كخليجية تدار فعلياً من دول وقارات أخرى.
لم تستغرق ميزة تحديد موقع الحساب التي أطلقتها منصة "إكس" حديثاً سوى ساعات لتشتعل المنصة، وما إن بدأت الخاصية بالعمل حتى دفع ذلك كثراً إلى البحث عن المواقع الحقيقية التي تدار منها الحسابات، لا سيما تلك التي كثيراً ما أخفت هويتها وحاولت الدخول في قضايا المجتمعات الأخرى.
وفي اللحظة التي أصبح فيها بالإمكان معرفة من أين يدار الحساب فعلياً، بدأت الأقنعة تتساقط عن حسابات ظهرت أعواماً بملامح محلية، تحدثت بلكنات سكانها، ودافعت عن قضاياهم، وتقمصت هويتهم الاجتماعية، لكنها في الحقيقة كانت تتفاعل من خارج البلد.
وبين ليلة وضحاها تبدلت المعادلة، وانقلب ميزان الأسئلة من التحقق في هوية صاحب الحساب إلى التدقيق في موقعه الجغرافي على خريطة العالم، ولم يعد السؤال هو "من قال؟" وإنما "من أين قال؟".
الميزة الجديدة، التي طال انتظارها، كشفت مواقع تشغيل الحسابات، وإذا حاول المستخدم التحايل في إخفاء الموقع باستخدام VPN ستظهر علامة للآخرين تشير إلى أن الموقع غير حقيقي أو مخفي عمداً.
هويات مزيفة
كشفت الميزة، وبصورة فاضحة، أن عشرات الحسابات النشطة تعمل من مواقع لا تمت بصلة إلى هويتها التي ظهرت بها أعواماً، واعتبر نشطاء أن جزءاً من هذه الحسابات يدار لأهداف سياسية بحتة، ويعمل على ضرب الشعوب العربية بعضها ببعض عبر إثارة قضايا شعبوية.
وظهرت على المنصة أمثلة صارخة لحسابات رصدتها "اندبندنت عربية" كانت تقدم نفسها بصفات مهنية أو وطنية، منها حساب يزعم أنه مستشار تقني سعودي يعمل على استرجاع الحسابات وحل قضايا الابتزاز، قبل أن تكشف الميزة الجديدة أن موقعه الفعلي داخل إسرائيل.
وانتشرت حالات لحسابات تطلب تبرعات لقضايا إنسانية في دول محددة، بينما تدار من أماكن لا علاقة لها بالقضية، وتبين كذلك أن بعض الحسابات التي قدمت نفسها على أنها من دول الخليج كانت في الواقع تنشط من قارات أخرى.
وفي سياق التبرعات، كشف تحقيق سابق لـ"اندبندنت عربية" عن أن بعض هذه الحسابات يحقق مكاسب مالية من خلال الروابط التي تنشرها، سواء عبر نظام العوائد من النقرات في "إكس"، أو من خلال روابط الإحالة التي قد تصل عمولتها إلى دولار واحد لكل نقرة وفق نوع الجهة ومجال نشاطها، مما يحول المحتوى العاطفي إلى نشاط ربحي.
الشبكة العنقودية
ومع اتساع دائرة الانكشاف التي أحدثتها ميزة الموقع، برز جانب أعمق من المشكلة يتمثل في حجم التراشق الرقمي بين مستخدمين يدعي بعضهم الانتساب إلى دول أو جماعات معينة، تعمل على بث سمومها الرقمية عبر نشر الإشاعات ورسائل الفتنة، بينما يتبين بفعل الميزة الجديدة أن جزءاً كبيراً من هذا الخطاب يدار من خارج البيئات التي يتحدثون باسمها.
ويوضح الأكاديمي بكلية الاتصال والإعلام في جامعة الملك عبدالعزيز بجدة، الدكتور عبدالله محمد مقبول، في حديث سابق مع "اندبندنت عربية"، أن خطورة شبكات التواصل الاجتماعي تكمن في قدرتها على تشويه الحقيقة وتقليل الصدقية، مما يدفع كثيراً من المستخدمين إلى الانجراف خلف محتوى مثير يتم تداوله بدافع الحماسة غير المنضبطة.
وبحسب الدكتور مقبول، تبدأ كثير من موجات التراشق عادة من مقطع فردي غير موثق يجري تداوله كـ"كرة ثلج"، حين يعيد كل من يشاهده نشره من دون تحقق، ثم تتطور الظاهرة إلى مرحلة التعليقات والتفسيرات، لينقسم المستخدمون سريعاً بين الهجوم والدفاع وفق انطباعاتهم اللحظية.
ويشير إلى تطور أخطر يتمثل في ظهور ما يسميه بـ"الشبكة العنقودية"، إذ تنشئ بعض الحسابات مجتمعات، لا سيما على منصة "إكس"، لتجميع المحتوى المثير وتضخيمه، بينما تلجأ حسابات أخرى إلى تحميل المحتوى العادي دلالات أكثر مما يحتمل، مما يزيد من حدة السجال ويغذي موجات الكراهية.
وفي السياق العربي، رحب كثير من المستخدمين بالميزة كأداة لكشف تلك الحسابات الوهمية التي تهاجم الدول العربية، بخاصة تلك المرتبطة بميليشيات أو حملات إجرامية، ووصفوا الأمر بأنه سقوط للأقنعة.
ومع تفعيل ميزة تحديد الموقع تبين أن جزءاً من هذه الحسابات المحرضة ينشط من دول لا علاقة لها بالقضية التي تتحدث عنها، مما يعني أن كثيراً من السجالات ليست صادرة عن أطرافها الحقيقية، بل عن حسابات دخيلة تشعل الفتنة بينما يدفع المستخدمون ثمن الانجرار خلفها.
الاضطرابات السياسية
هذا النمط لم يقتصر على العالم العربي، إذ كشف نشطاء في الولايات المتحدة أن أكبر حسابات حملة "أميركا أولاً" تعيش في أوروبا الشرقية ونيجيريا، مما دفع عشرات الحسابات إلى الإغلاق فور افتضاح أماكن إقامتها، بينها حساب كان يدعي أنه إسرائيلي، قبل أن يتضح أنه يدار من نيجيريا.
وذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" في تقرير حديث لها أن الميزة الجديدة فتحت باباً واسعاً للتدقيق في أصول الحسابات، لا سيما تلك التي تنشر محتوى سياسياً يتعلق بالولايات المتحدة، وأوضحت أن خاصية عرض الدولة أو المنطقة التي ينطلق منها الحساب كشفت سريعاً عن حسابات تروج لمحتوى داعم للرئيس ترمب وحركة MAGA، لكنها لا توجد داخل الولايات المتحدة كما كان يعتقد، بل تدار من شرق أوروبا وتايلاند ونيجيريا وبنغلاديش.
وأضافت الصحيفة أن تفعيل الميزة أعاد تسليط الضوء على إشكال الحسابات الوهمية والروبوتات الإلكترونية، التي كثيراً ما استخدمت للتأثير في الانتخابات ونشر نظريات المؤامرة وإثارة الاضطرابات السياسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن ميزة تحديد الموقع كشفت الحسابات التي تخفي جغرافيتها، فإن المشهد الأوسع يشير إلى أن الإشكال لا يتوقف عند "أين يدار الحساب"، بل يشمل أيضاً شبكات تأثير أكبر تعمل خارج السياق المحلي.
وفي هذا السياق أظهرت دراسة بحثية لجامعتي كورنيل وجنوب كاليفورنيا أن شبكة من حسابات "إكس" شاركت في حملة منسقة استهدفت النقاش المتعلق بالانتخابات الأميركية لعام 2024، عبر إعادة نشر الروابط نفسها خلال فترات قصيرة وبصورة تشير إلى تشغيلها ضمن منظومة واحدة.
وبينت الدراسة أن الحسابات روجت لروابط تمتد إلى مواقع سياسية منخفضة الجودة تعيد تضخيم الرسائل ذاتها، مستخدمة صوراً مولدة بالذكاء الاصطناعي لتعزيز روايات هجومية، وعلى رغم تعليق بعض الحسابات، فقد ظل أكثر من 75 في المئة من الشبكة نشطاً، في مؤشر إلى صعوبة تتبع هذا النوع من التأثير المنسق حتى داخل البيئات الرقمية الأكثر رقابة.
منصة مكشوفة
من جانبه علق رئيس المنتج في "إكس" نيكيتا بير، على الميزة الجديدة بوصفها "ثورة في التحقق من الحسابات"، مؤكداً أنها تساعد المستخدمين على تحديد الملفات الشخصية المضللة، والتمييز بين الحسابات البشرية والحسابات الآلية، ورصد الجهود المنسقة أو الممولة للتلاعب.
تبين أن غالبية الحسابات التي ادعت أنها أميركية أو إسرائيلية وتحظى بتفاعل هائل على المنصة، كانت في الحقيقة تدار من الهند بهدف تحقيق أرباح من المشاهدات والتفاعل، عبر اللعب على وتر الهوية الوطنية والعاطفة السياسية.
وحول هذا الجدل، يقول المتخصص التقني عبدالله السبع إن المستخدمين كانوا يتفاجأون سابقاً من حسابات مجهولة تغرد من أماكن غير معروفة، وتحاول تأجيج الفتن والمشكلات بين الشعوب، ويرى أن المنصة، بإطلاق ميزة "من أين يغرد هذا الحساب"، ستصبح أكثر تنظيماً وأقل عرضة للممارسات المسيئة التي شهدتها في الأعوام الماضية.