ملخص
تظهر مقارنة الإحصاءات الحالية مع سنوات العقد الماضي أن معدل هجرة الأساتذة الذي كان يقدر سابقاً بنحو خمسة إلى سبعة في المئة سنوياً قفز بصورة كبيرة منذ عام 2021 فصاعداً.
تسارعت موجة هجرة أساتذة الجامعات والنخب الأولمبية وأوائل المتقدمين في اختبار القبول الجامعي في إيران خلال الأعوام الأخيرة. وكشف معاون سابق لوزارة العلوم، استناداً إلى إحصاءات جديدة، عن أن 12 ألف أستاذ جامعي غادروا البلاد خلال العقد الماضي، وأن 60 في المئة منهم غادروها خلال الأعوام الأربعة الأخيرة فقط.
وقال غلام رضا ظریفیان خلال مشاركته في الاجتماع العام الـ21 لجمعية المدرسين الإسلامية في الجامعات إن منظومة "الإيكوسيستم" وحوكمة التعليم العالي شهدت تغيرات جوهرية، ولا يمكن إدارة الجامعات بعقلية الماضي، فـ"الإيكوسيستم" الجديد يتطلب صلاحيات خاصة.
وتظهر هذه الأرقام أن من بين 12 ألف أستاذ مهاجر غادر أكثر من 7200 منهم إيران منذ عام 2021 حتى اليوم، وبما يعادل متوسط خروج سنوي يقارب 1800 عضو هيئة تدريس.
من الإجازات من دون راتب إلى الرحيل بلا عودة
يقول الأستاذ في جامعة شريف الصناعية إبراهيم أزادكان إن المجتمع الجامعي يمر بوضع خطر، إذ شهدت الجامعة خلال الأعوام الثلاثة الأخيرة ما وصفه بالكارثة، إذ غادر نحو 70 من أساتذتها من دون العثور على بدائل مناسبة لهم. ويذكر أن كثيراً من الأساتذة غادروا البلاد ظاهرياً بهدف قضاء فرص بحثية أو حضور مؤتمرات دولية، لكنهم لم يعودوا ولم يرجعوا إلى قاعات التدريس.
وبحسب أزادكان فإن وتيرة هجرة الأساتذة باتت مرتفعة إلى حد أنه في هذه الأيام يغادر أستاذ واحد الجامعة كل أسبوع، فإما يحصلون على إجازة من دون راتب وإما يقولون ببساطة إنهم لن يأتوا إلى الجامعة في الوقت الحالي. وأكدت هذا الوضع أمين الهيئة النقابية لأساتذة الجامعات في إيران كارن أبری نیا، مشيرة إلى أنه بصورة عامة بين عامي 2018–2019 و2023–2024، هاجر 1500 أستاذ من أصل 6 آلاف في التخصصات الهندسية في كبرى الجامعات، أي ما يعادل 25 في المئة منهم. وقالت إن نحو 10 أساتذة في كلية الهندسة الميكانيكية بجامعة طهران إما تقاعدوا ثم غادروا البلاد، وإما كانوا في فرص بحثية في الخارج ولم يعودوا. وتشبه موجة الهجرة بجرح غائر أصاب جسد الجامعات ويزداد عمقاً يوماً بعد يوم.
وأوضحت أن الكارثة المتمثلة في تراجع المستوى النوعي للمراكز العلمية في إيران، والتي يرى المتخصصون أن تبعاتها ستظهر خلال العقد المقبل، باتت اليوم أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. وتظهر مقارنة الإحصاءات الحالية مع سنوات العقد الماضي أن معدل هجرة الأساتذة، الذي كان يقدر سابقاً بنحو خمسة إلى سبعة في المئة سنوياً، قد قفز بصورة كبيرة منذ عام 2021 فصاعداً.
وينسجم هذا المسار مع تراجع ترتيب الجامعات الإيرانية في أنظمة التصنيف العالمية. فقد تراجع تصنيف جامعة طهران في تصنيف كيو أس لعام 2022 من الفئة 301-400 إلى الفئة 401-500 عام 2024.
هرب الطاقات من الأولمبياد إلى اختبار القبول الجامعي
تجاوزت أزمة الهجرة نطاق الأساتذة ووصلت إلى جيل الشباب النخبوي، فوفقاً لإحصاءات مؤسسة النخب الوطنية، هاجر 8309 من بين أصحاب المراتب من 1 إلى 1000 في اختبار القبول الجامعي خلال الأعوام الـ20 الماضية، أي ما يعادل 16.4 في المئة. وتبدو الصورة أكثر إثارة للقلق في التخصصات الطبية، إذ تشير الدراسات إلى أن معظم أصحاب المراتب المئة الأولى في اختبار الطب يغادرون البلاد فور قبولهم لمتابعة دراستهم في الخارج.
ويظهر النمط نفسه بين الفائزين بميداليات الأولمبيادات العلمية، وتشير التقارير إلى أن نحو 10 في المئة من الفائزين في الأولمبيادات خلال العامين الماضيين غادروا إيران، وهو ما يعكس غياب بيئة تعليمية وبحثية مستقرة.
ومن الظواهر اللافتة انخفاض سن الهجرة، وهو اتجاه بات يسبق المرحلة الجامعية، إذ أعلن المدير العام السابق لمنح الطلاب محمد محمدي مسعودي في نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري عن أن أكثر من 95 في المئة من الهجرة التعليمية تحدث قبل الدخول إلى الجامعة، أي في مرحلة الثانوية، موضحاً أن عائلات كثيرة ترسل أبناءها خلال مرحلتي الثانوية وحتى المتوسطة إلى تركيا أو روسيا أو الصين لضمان تهيئتهم للالتحاق بالجامعات الأجنبية.
وارتفع معدل الهجرة لأهداف تعليمية من نحو 10 في المئة بين أصحاب المراتب المتقدمة عام 2011 إلى ما بين 20 و25 في المئة عام 2021. وتعمق هذا الاتجاه عام 2024، مع تسجيل طلبات الحصول على تأشيرات دراسية لدى أكثر من 50 في المئة من أصحاب المراتب دون المئة في التخصصات الهندسية والطبية.
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية والسياسية… المحرك الرئيس للهجرة
يرى المتخصصون أن مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية تقف خلف موجة هجرة النخب، فالتضخم المتصاعد وارتفاع معدلات بطالة الخريجين وغياب نموذج قائم على الكفاءة، كلها عوامل تولد شعوراً بالإحباط وانعدام الأفق.
وبحسب الإحصاءات بلغ معدل بطالة خريجي التعليم العالي في صيف 2025 نحو 10.6 في المئة، ويعد تزايد نسبة النساء والخريجين من المناطق الحضرية ضمن فئة العاطلين من العمل من أصحاب الشهادات الجامعية مؤشراً مقلقاً آخر.
ويسهم نقص الفرص الوظيفية المناسبة وضعف المهارات العملية والمهارات الناعمة والتمييز القائم على النوع الاجتماعي أو المنطقة وعدم تناسب الرواتب مع مستوى التعليم وعدم ارتباط الفرص المتاحة بالتخصصات الجامعية في زيادة الضغوط على الخريجين.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتفاقمت هذه الضغوط بفعل عدم الاستقرار السياسي وتقييد الحريات والضغوط الأمنية، فقد تسارعت الهجرة بعد احتجاجات عام 2022، وهي فترة منع خلالها عدد من الأساتذة والطلاب من مواصلة حضورهم في المراكز العلمية بسبب نشاطاتهم المدنية.
وإلى جانب ذلك، صدرت تحذيرات رسمية في شأن تراجع المكانة العلمية للجامعات. ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، وجه معاون الشؤون الاستراتيجية للرئيس مسعود بزشكيان، محسن إسماعيلي، رسالة إلى وزير الصحة، محذراً من تراجع تصنيف الجامعات في الأنظمة الدولية، وأشار في رسالته إلى أن تقرير شنغهاي 2025 سجل انخفاضاً مقلقاً في عدد الجامعات الإيرانية ضمن قائمة أفضل ألف جامعة في العالم مقارنة بخمسة أعوام مضت.
وأظهرت أحدث تصنيفات الجامعات العالمية تراجعاً في ترتيب معظم الجامعات الإيرانية المدرجة ضمن قائمة الألف الأفضل، ولم تتمكن سوى جامعتين من الحفاظ على ترتيبهما السابق.
وفي المقابل حققت السعودية نمواً بأكثر من 300 في المئة في عدد جامعاتها المدرجة في القائمة، لترتفع إلى 13 جامعة، وحافظت تركيا على استقرار جودة التعليم ورسخت موقعها.
وتسير إيران بسرعة في مسار التراجع العلمي، على رغم أن الخطة السابعة للتنمية كانت تنص على أن تحقق 12 جامعة إيرانية في الأقل موقعاً ضمن أفضل 500 جامعة في أحد التصنيفات الدولية بحلول نهاية عام 2025، وهو هدف بات بعيد المنال مع موجة خروج النخب والأساتذة من البلاد.
نقلاً عن "اندبندنت فارسية"