ملخص
الهجوم الذي طال السخرية من بعض سلوكيات المصريين حلال زياراتهم للمتحف المصري الكبير في الأيام الماضية، لم يتوقف عند حد تفنيد الآراء، إنما تحول لحملة دعم كبير لتشجيع كل الطبقات على التوافد على الصرح الثقافي غير المسبوق لمعرفة تاريخ وطنها، وكان من أبرز مظاهره الانتصار للزي المصري التقليدي لبعض شرائح الشعب وهو "الجلابية" التي كان قد اعتبرها بعضهم دخيلة على الهوية القومية ولا تمثل مصر
العيش في جلباب الأب والجد وربما جد الجد تريند طال أمده، ابتكره المصريون رداً على حملات تسخر من ارتداء اللباس التقليدي، الذي تتميز به بعض المناطق في البلاد، في أثناء زيارة المتحف المصري الكبير، بدعوى أنه لا يعبر عن الهوية المصرية ولا يمثلها ولا يتميز بالتنسيق والهندام، وكأن من يرتدون "الجلابية" سواء كانوا رجالاً أم نساء فصيل مختلف.
وشهد المتحف المصري الكبير توافداً ضخماً للزوار منذ افتتاحه للجمهور في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) الجاري، ومع عشرات الآلاف من الحضور بالطبع كانت هناك مشاهد أثارت الانتباه، عدد منها كان عنوانه الاستغراب والدهشة والضحك، بينها احتفال زوجين مع أطفالهما بعيد زواجهما وارتدائهما ملابس الزفاف الرسمية، وحضور بعض الزائرين مرتدياً الزي الفرعوني، وآخرون انتظموا في الغناء ابتهاجاً بالصرح الثقافي الفاره، لكن لم يكن متوقعاً أن يصاحب قيام إحدى السيدات بتصرف عفوي وهو إطلاق زغرودة سعادة بتمكنها من مشاهدة المقتنيات التي لا تقدر بثمن عن قرب كل هذا التأفف، والزغرودة تقليد مصري شعبي متجذر في صميم الجماهير، وارتبط دوماً بالمناسبات المبهجة، ولا أن يجلب ظهور مواطنين بزيهم التقليدي المتمثل في الجلباب كل هذا التأزم والاستقطاب.
نوبات الاستهجان جاءت لتطالب حتى بأن يكون ضيوف المتحف خلال أيام العطل من الأجانب فحسب، والبعض أبدى ضيقه من هذه المشاهد العفوية، لكن المفاجأة أن التريند أخذ أبعاداً أخرى ترتبط بالطبقية وجذور الهوية، وحتى القلق من أن يعبر الجلباب عن تيارات الجماعات الدينية المتطرفة، في حين كانت الردود من التيار الغالب كلها تصب في الاتجاه المعكوس، وهو الانتصار لكل هذه التقاليد المتنوعة المبهجة الأصيلة ما دامت لا تضير أحداً، ولا هي مستعارة من ثقافات أخرى، فهل يوجد زي مصري رسمي موحد، يمثلها ويعبر عن هويتها؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
على الغالب لا يمكن وضع تسمية محددة لزي مصري وحيد نظراً إلى تعدد الثقافات وتنوعها بشدة، ولهذا يمكن القول إن هناك أزياء تقليدية عدة تعبر عن القومية المصرية، أزياء ممتدة من جنوب البلاد إلى شمالها ومن غربها إلى شرقها، بعضها بعيد تماماً عن شكل الجلباب مثل ملابس شريحة من أهل السويس ممن يعملون بالصيد، إذ إن الملبس هنا يكون مستمداً من البيئة، ويتوافق مع طبيعتها لإشعار الإنسان بالراحة وليتواءم مع نمط العيش بها والمهن الشائعة بها.
في حين كثير من الملابس التقليدية الأخرى يغلب عليها طابع الجلباب بالفعل، وهو نمط أزياء مناسب لحرفة الزراعة، نظراً إلى تربة مصر الخصبة، وحتى للحياة الرعوية في بعض المناطق المتاخمة للصحارى، على رغم الاختلافات الكثيرة في الشكل وحتى في القطع التي يجري ارتداؤها فوق الجلباب.
وبحسب صور متداولة فالشكل العلوي للجلباب الصعيدي والفلاحي على سبيل المثال مستلهم من أزياء مصرية قديمة موثقة ومعروضة بالمتاحف، إذ يعود إلى آلاف الأعوام، حين كان المصريون القدماء متقدمين في صناعة النسيج وتشكيل الأزياء.
"الجلابية" والحساسية الدينية
اللافت أن رجال الدين في المؤسسات الدينية الرسمية سواء كان الأزهر أو الكنيسة زيهم الرسمي قريب بشدة من شكل "الجلابية"، وهو يكون عادة خارج هذه النوعية من النقاشات، في حين جاء الرد على حملات الانتقاص من قدر "الجلابية" التي تميز كثيراً من المجتمعات في مصر، وتتميز بتنوع تصميماتها ما بين الفلاحي والصعيدي والبدوي والإسكندراني، وتكتمل عادة بملحقات مثل العباءة والشال، مع تميز كبير في التنفيذ ما بين ملابس النساء والرجال في هذا الصدد، جاء مفاجئاً وعلى نحو غير متوقع.
وانقلبت السوشيال ميديا خلال ساعات إلى سباق في استعراض الجلباب من خلال نشر صور لرواد تلك المنصات وكثير منهم مشاهير وهم يرتدون "الجلابية"، للدلالة على أناقة هذا الملبس وتميزه واحتراماً لمن يرتدونه من أهل البلاد، حتى بعض من السياح ظهروا بالمتحف المصري وهم يرتدونه، وكذلك استحضار صور الزعماء السياسيين وهم يرتدونها باعتزاز وبينهم الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وكان مفاجئاً ظهور الإعلامي عمرو أديب في برنامجه مرتدياً جلباباً صعيدياً فاخراً، مبدياً فخره بهذا الزي، وتحدث كذلك السفير الكوري في مصر خلال لقاء تلفزيوني له، مشيداً بتجربته في ارتداء "الجلابية" المصرية المريحة، كذلك استحضر كثر تجربة الفنان محمد خميس في تمسكه بارتداء الجلباب في كل المحافل التي يحضرها، وبعد أيام من سيطرة الزي المصري القديم على الفضاء الإلكتروني المصري، احتلت "الجلابية" بسرعة البرق هذه المكانة.
ربما جاءت الحساسية من أن من فجرت الأزمة في البداية هي الإعلامية والكاتبة السياسية سمر فرج فودة، ابنة المفكر المصري البارز الذي اغتيل على يد الجماعات المتطرفة صيف 1992، إذ شددت على أن الجلباب لا يمثل مصر، ولا يعبر عن الأناقة، وعلى رغم قيامها بتوضيح مقصدها في أكثر من تدوينة لاحقة، فإن جميع منشوراتها كانت تنتصر للفكرة نفسها، إذ أوضحت في إحداها أنها لم تكن تقصد جلباب الرجال إنما النساء، وهو أمر فجر نقاشاً موازياً أيضاً، في حين تحرك أحد المحامين ضدها بتقديم بلاغ للنائب العام يتهمها فيه بالإساءة للمصريين وإهانتهم بهذه التصريحات.
بعض المتابعين اعتبر أن تحفظ فودة ربما نابع من تجربتها القاسية مع ما يرمز إليه الجلباب، لا سيما ارتباطه بالمنتمين إلى الجماعات المتطرفة التي نفذت عمليات إرهابية في البلد، لكن أستاذ الإعلام بجامعة دمنهور سارة حراز، تشدد على أن حتى رجل الشارع العادي يعلم الفارق الشاسع بين الجلباب القصير الذي يجري ارتداؤه فوق سروال وبعيد من التصميم المصري الشهير، ومرتديه عادة صاحب لحية شعثاء، والجلباب البلدي أو الشعبي الذي يتميز بالطول والوجاهة وأصحابه دائماً في قمة الأناقة، ولهذا هي تستبعد أن يكون هذا هو السبب.
تشير حراز إلى أن الحملات التي يشنها بعض المصريين من وقت إلى آخر ضد مرتدي الجلابيب ربما نابعة من قصور معرفي وثقافي فيما يرمز إليه هذا الزي الأصيل، مبدية سعادتها بانتصار السوشيال ميديا لبعض السلوكيات العفوية التي تعبر عن ثقافة المصريين، مثل زغرودة المتحف، وحرص أهل القرى والصعيد على الذهاب إلى زيارته، وهم معتزون بهويتهم وملابسهم التقليدية، لافتة إلى أن سعر تفصيل الجلباب بقماشه الفخم يتجاوز أضعاف أسعار الملابس التي توصف بالعصرية، ولهذا تعيد تأكيد أن وصم مرتديه بأنه من طبقة معينة ينم عن عدم معرفة بالأساس.
ظواهر شعبية في المتحف
لكن أستاذ التاريخ المعاصر، علي ثابت الضبع، يرى أن المبالغة في التعامل مع أي مشاهد قادمة من المتحف الكبير قد تكون طبيعية نظراً إلى الضجة الضخمة التي صاحبت الحفل المبهر ونظراً إلى الصدى الإيجابي للحفل، الذي ترجم في الإقبال الاستثنائي على زيارته من جميع أنحاء العالم، لرؤية حضارة أول دولة منظمة في التاريخ، ابتكرت العلوم والفنون التي تلهم الشعوب حتى اليوم، مشيراً إلى أن النفخ في الجدليات من هذا النوع وتحويلها إلى أمور سلبية قد يكون مفتعلاً وهدفه تشتيت الانتباه والانقسام حتى على مستوى الوطن العربي كله.
ومع ذلك يشدد المؤرخ والأكاديمي على أن مصر تاريخياً ليس لديها زي رسمي موحد، لكنها بالطبع بها مجتمعات ذات تكوينات ثقافية متعددة، تصب كلها في الهوية والشخصية المصرية، موضحاً "فكرة أن يمثل زيٌّ مصر منفرداً أمر غير دقيق، فقد حدثت تحولات مهولة في البلاد التي كانت مطمعاً منذ آلاف السنين للمستعمرين أثرت بطبيعة الحال في شكل الأزياء، منذ العصور الفرعونية وحتى دخول العرب والحكمين الفاطمي والمملوكي وغيرهما".
الاحتفاء الكبير بالجلباب المصري ربما يراه بعض المصريين تجاوز المتوقع، لكن بالتمعن يتضح أنه يتوافق مع حال الزخم النابعة من الأجواء المسيطرة في البلاد حالياً، لا سيما بعد المناسبات السياسية والثقافية والفنية التي استضافتها البلاد أخيراً، بينها مؤتمر السلام وحفل افتتاح المتحف وكذلك حفل الجراند بول الملكي وقبلها فوز الدكتور خالد العناني برئاسية ثقافية عالمية وهي "اليونيسكو"، والزخم هنا يختلف كثيراً عن سيطرة خطاب "النعرات" الذي ينظر إليه باستهجان.
لكن في المقابل يبدو أن هناك تناقضاً بين هذا الاحتفاء بالجلباب رداً على آراء المنزعجين من تكرار ظهوره بين رواد المتحف المصري، والنظرة الطبقية التي لا تزال تمارس ضد مرتدي "الجلابية"، سواء في تعامل بعض الناس اليومي معهم، واعتبار أن جميعهم أصحاب مهن دنيا، على غير الحقيقة، أو في ما يتعلق بمنعهم من دخول عدد من الأماكن مثل النوادي الاجتماعية على سبيل المثال، فهل هناك انفصام بين توجهات الجماهير الافتراضية وتعاملاتهم على أرض الواقع؟
يقول الدكتور علي ثابت الضبع إن هناك بالطبع عدم وعي في هذا الجانب، فعمق ارتباط "الجلابية" بالمواطن المصري قديم للغاية، فهي جزء مهم من الشخصية، فالدلتا أصل مصر، مضيفاً "الدستور أيضاً يحترم التنوع والحريات في الملبس، لكن كذلك يجب الالتزام بما يسمى اللوائح التي تتعلق بالدريس كود، وعادة ما تكون في الهيئات الأجنبية وبعض المنشآت، والفنادق وغيرها"، مشيراً إلى أن غالبية الهيئات في مصر "ترحب بالزائرين المتنوعين".
حرب على "الجلابية"
كثيراً ما كان الجلباب مظهراً يوحي بالتميز فقد كان حاضراً في كثير من حفلات التخرج الجامعية في الأعوام الأخيرة، وجرى استدعاؤه لتحقيق التفرد الشديد، كذلك كان مادة ثرية في الفنون، فهو إما رمز للفخامة والثراء والجاه أو رمز للعيش المتعثر، وفقاً لشكله وخامته وطريقة تعامل من يرتديه، فقد احتفت الدراما على سبيل المثال كثيراً بمرتدي الجلابيب من خلال قصص كثيرة منها ملحمية.
لكن المفارقة أنه في خمسينيات وستينيات القرن الماضي وتزامناً مع التوجهات الرسمية بعد ثورة الـ23 من يوليو (تموز) 1952 انطلقت حملة قومية تحمس الجماهير لارتداء البدلة الشعبية المحلية الصنع الزهيدة الثمن، والتخلي عن الجلباب الذي كان شائعاً بين العاملين بالمصانع، وكذلك بالنسبة إلى بعض العاملين في وظائف بعينها بالدواوين الحكومية، لأنه كان يعوق الحركة ولم يكن ملائماً للحياة المعاصرة المعتمدة على مجالات التصنيع والوظائف الحديثة عموماً، وكان شعار الحملة يستهدف "الجلابية والطاقية"، وحينها شارك النجوم أنفسهم في الترويج لموقف الدولة الرسمي، فقد أدى عبدالحليم حافظ أغنية "بدلتي الزرقا"، وفؤاد المهندس قدم ديو فكاهياً مع صباح على غرار لحن "الراجل ده هيجنني" مفاده أن "البدلة الشعبية أفضل من ’الجلابية‘".
في حين أن المعركة التي شهدت تجاذباً بين أطراف يحسبون على التيار الأكثر تحرراً مقابل التيار الذي ينسب إلى الجماعات الدينية، حيث وجد رواد الجدل من الطرفين ضالتهم هنا، الفريق الأول اعتبر أن شكل "الجلابية" يعبر عن تراجع ثقافي واضح، ويمثل الملابس الشديدة التحفظ، لا سيما للنساء لارتباطه عادة بالحجاب، فيما التيار المتشدد اعتبرها حرباً على الهوية الدينية والمجتمعية ومحاولة للانسلاخ لتحقيق مآرب أخرى، أما المواطن العادي فيعدها تقليداً يتمسك به يحقق له الراحة بكل أنواعها، ووفقاً لأستاذ التاريخ علي ثابت فالجلباب أمر ضروري في المجتمع الريفي ويتوافق مع طبيعة الحياة والمعيشة هناك لأنه يسهل الحركة.
جدل متصاعد حول الهوية
فيما فاجأ الروائي والمفكر يوسف زيدان الجميع بالقفز فوق تلك النقاشات بالتعبير عن فكرة بدت غريبة، وهو أنه يخشى من أن يتحول الاهتمام بالمتحف من قبل المصريين والصحوة التي تمثلت في حشود مؤلفة لزيارته يومياً من كل الطبقات، إلى تقديس للمنحوتات والمقتنيات، وكأنه دين جديد، وعلى رغم هزلية المنشور فإنه أثار الجدل نظراً إلى آراء زيدان السابقة التي تبدو مفاجئة وصادمة وتذهب بعيداً جداً في تفسير الأشياء، إذ تبقى تلك الأفكار ضمن موجة الثراء الجدلي التي صاحبت افتتاح المتحف المصري الكبير بالجيزة المجاور للأهرام العريقة.
تعود المدرسة بقسم الآداب بكلية الإعلام في جامعة دمنهور، الأكاديمية سارة حراز، لتأكيد أن مشهد المصريين في زيارتهم للمتحف فاجأ كثراً، ممن كانوا يعتقدون أن هناك عزوفاً عن المحافل الثقافية والتاريخية في البلاد، مشيرة إلى أن هناك تناقضاً غريباً في آراء بعض الذين يتنكرون لسلوكيات المصريين المتمسكين بالزغاريد أو بملابسهم التقليدية المستمدة من التراث، مقابل أن هؤلاء الناس أنفسهم يحتفلون بالمتحف المعبر الأول عن الجذور والهوية والتمسك بالتاريخ، فحتى لو اختلف مظهر المصري القديم وفق ما هو مدون على جدران المعابد، لكن يظل كلا المظهرين في صلب الهوية التاريخية وليس وليد اليوم، أو أمس أو حتى منذ 200 عام بل أكثر من هذا بكثير.
ولدى حراز تفسير لفكرة معاداة بعض الأماكن لمن يرتدون زياً يوصف بالتقليدي أو الشعبي بصورة عامة، موضحة أنه لا يوجد قانون يمنع بالطبع ارتداء الجلباب أو أي زي تقليدي آخر في مؤسسات معينة، لكن هناك قطعاً لوائح تنظيمية لكل مكان لا تهدف عادة إلى الإهانة أو التمييز، لكنها تعتمد المظهر الرائج والأكثر شيوعاً، وهو المتمثل في الملبس العصري المعتاد.
وتابعت حراز "هناك أماكن حتى لا ترحب بالمحجبات أو مرتدي الشورت القصير، أو حتى الرجال من يطيلون شعورهم بشكل مبالغ فيه، فهي قرارات سواء اختلفنا أو اتفقنا معها، لكن هدفها ليس التقليل من شأن الجلباب بعينه، إنما ظناً منهم أنها طريقة للمحافظة على مظهر منسجم للزوار، لكن الحقيقة أنه قد يتراجع بعضهم عن ارتدائها عموماً خوفاً من نظرة المجتمع السائدة وتجنباً للتندر، على رغم أن ’الجلابية‘ مرتبطة بالهيبة والوقار ولا أحد ينسى مظهر يحيى الفخراني بها في مسلسل (الليل وآخره) 2003، وهو كان شديد الثراء في بلدته ويتمتع بالأناقة، إضافة إلى أن السياح يرتدونها للتشبه بالمصريين ممن حولهم، لا سيما في أماكن الاكتشافات الأثرية في الأقصر وأسوان، إذ إنها الزي الأكثر شيوعاً لأهالي المحافظتين المليئتين بالآثار الفرعونية النادرة".