Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القطاع المصرفي الموازي... شرارة محتملة لأزمة عالمية جديدة

محللون: القلق مشروع لكن النظام الاقتصادي اليوم أكثر صلابة من "كارثة 2008"

يتنامى اليوم القلق من اندلاع أزمة مالية عالمية جديدة كالتي شهدها العالم في عام 2008 (اندبندنت عربية)

ملخص

"تصاعد أسعار الذهب وتنامي التوترات الجيوسياسية يعكسان حالة قلق واضحة في الأسواق، لكن مقارنتها بعام 2008 تبدو مبالغاً فيها".

أثار تصاعد حالات الاحتيال والإفلاس في الولايات المتحدة خلال الأسابيع الأخيرة قلقاً متزايداً في شأن توسع ما يعرف بـ"القطاع المصرفي الموازي" أو التمويل غير المنظم، في وقت شهدت فيه أسهم البنوك الإقليمية الأميركية عمليات بيع واسعة امتدت إلى الأسواق العالمية.

ويرى محللون أن هذه القضايا المتزامنة تسلط الضوء على تنامي قروض البنوك الكبرى لمؤسسات مالية غير مصرفية، فيما يعرف بـ"الائتمان الخاص" أو القطاع المصرفي الموازي (Shadow Banking)، وهو نمط من الإقراض يتم خارج النظام المصرفي الخاضع للرقابة، وغالباً ما يستهدف شركات صغيرة أو عالية الأخطار تفتقر إلى سجل سداد واضح.

يتنامى اليوم القلق من اندلاع أزمة مالية عالمية جديدة كالتي شهدها العالم في عام 2008، وكان قد تجاهل كثير من الأميركيين في البداية انهيار صندوقي التحوط التابعين لـ"بير ستيرنز" عام 2007 والمثقلين بالديون، إذ كانت الأسهم آنذاك تسجل مستويات قياسية.

غير أن الوقت كشف لاحقاً عن أن إفلاس هذين الصندوقين كان أول شرارة في سلسلة انهيارات ضخمة، أدت إلى أزمة مالية كبرى طاولت تداعياتها جميع الأميركيين تقريباً.

وفي تعليق لافت، شبه الرئيس التنفيذي لـ"جيه بي مورغان" جيمي ديمون الوضع الحالي في ما يتعلق بحالات الاحتيال والإفلاس في الولايات المتحدة بـ"ظهور الصراصير في النظام المالي"، قائلاً "حين ترى صرصوراً واحداً، فغالباً هناك مزيد خلف الجدران".

وكان ديمون قد تدخل في عام 2008 لإنقاذ بنك "بير ستيرنز" عندما كان على وشك الانهيار، أما اليوم فيحذر من أن الخطر قد يكون كامناً مجدداً تحت سطح الأسواق الملتهبة.

وعلى رغم أن حالات الإفلاس الأخيرة قد تكون ناتجة من مشكلات خاصة بكل شركة وليست مؤشراً إلى أزمة نظامية، فإن تجربة عام 2008 أثبتت أن الأزمات الكبرى في "وول ستريت" كثيراً ما تبدأ من زوايا تبدو هامشية في البداية، قبل أن تمتد آثارها إلى الاقتصاد الحقيقي.

"خنق السيولة والابتكار تحت وطأة القوانين"

قال نائب الرئيس التنفيذي لشركة "أف أتش كابيتال" طارق قاقيش لـ"اندبندنت عربية"، إن "التحدي الحقيقي الذي يواجه النظام المالي العالمي اليوم لا يكمن في اتساع نطاق التمويل الموازي بقدر ما يتمثل في القيود التنظيمية المتزايدة المفروضة على البنوك التقليدية".

وأوضح أن "الجهات الرقابية، ومنذ الأزمة المالية العالمية عام 2008، شددت متطلبات رأس المال ورفعت معايير الامتثال، مما أدى إلى إبطاء نمو الائتمان المنتج"، مضيفاً "وعلى رغم أن هذه الإجراءات عززت متانة القطاع المصرفي، فإنها في المقابل قيدت من قدرة البنوك على تمويل القطاعات الحيوية، ولا سيما الشركات الصغيرة والمتوسطة التي تشكل الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي".

وأشار قاقيش إلى أن "هذه البيئة التنظيمية المشددة دفعت المستثمرين والمؤسسات غير المصرفية إلى لعب دور متزايد في سد الفجوة التمويلية، وهو ما يفسر التوسع الطبيعي في أنشطة التمويل الموازي".

وفي ما يتعلق بموجات التعثر الائتماني الأخيرة، يرى قاقيش أنها "ظاهرة طبيعية ترافق فترات التوسع الائتماني، ولا تعد بالضرورة مؤشراً إلى أزمة مالية وشيكة"، قائلاً "عندما يتوسع الإقراض بسرعة في بيئة منخفضة الفائدة ثم ترتفع الكلف بفعل تشديد السياسات النقدية، تظهر حالات تعثر بين المقترضين الأكثر هشاشة"، مستدركاً "لكن هذا التعثر يمثل آلية تصحيحية تعيد ضبط ميزان الأخطار، وتفرض تسعيراً أكثر واقعية للأصول".

وأضاف أن "التجارب التاريخية تثبت أن الاقتصادات التي تسمح بمرونة تصحيحية من هذا النوع قادرة على استعادة توازنها بسرعة أكبر، مقارنة بتلك التي تحاول كبح الدورة المالية بصورة مفرطة".

واعتبر قاقيش أن "الإفراط في التنظيم قد يقود إلى نتائج عكسية"، موضحاً أن "كلما زادت القيود على البنوك في ما يتعلق بنسب كفاية رأس المال أو سقوف الإقراض القطاعي، كلما تحول رأس المال نحو قنوات أقل رقابة وأكثر خطورة"، مؤكداً "هذا التحول لا يعد خللاً في النظام الموازي بقدر ما هو استجابة طبيعية لحاجة السوق إلى التمويل".

وضرب مثالاً بالتجربة الأوروبية بعد الأزمة المالية، قائلاً إن "صناديق الدين الخاصة نجحت هناك في دعم النمو من دون تهديد الاستقرار المالي، شرط أن تكون خاضعة لإشراف ذكي ومتدرج بدلاً من القيود الشاملة"، مضيفاً "التمويل الموازي موجود منذ ما قبل تأسيس البنوك، ومن الطبيعي أن يستمر ويتطور مع التقدم التكنولوجي الذي يسهل الوصول إلى العملاء بكلفة أقل".

وفي ما يخص المخاوف السائدة بين المستثمرين، رأى قاقيش أن "تصاعد أسعار الذهب وتنامي التوترات الجيوسياسية يعكسان حالة قلق واضحة في الأسواق، لكن مقارنتها بعام 2008 تبدو مبالغاً فيها"، موضحاً "البنوك اليوم تتمتع برؤوس أموال أقوى، واحتياطات سيولة أعلى، وأنظمة رقابة داخلية أكثر تطوراً تقلل من احتمالات العدوى النظامية".

لكنه استدرك قائلاً "هذا التحسن الهيكلي جاء على حساب تراجع نمو رأس المال الموجه للإنتاج الحقيقي، مما يجعل الاقتصاد العالمي يعيش مرحلة توازن دقيقة بين الأمان والاستدامة".

ودعا قاقيش إلى إعادة التفكير في فلسفة التنظيم المالي"، قائلاً "يجب أن ننتقل من عقلية المنع والخوف من الأخطار إلى تشجيع التوسع المسؤول القائم على الابتكار، فالتعثر الجزئي في فترات التوسع ليس تهديداً بل ثمناً طبيعياً للنمو، بينما الخطر الحقيقي يكمن في خنق السيولة والابتكار تحت وطأة القوانين، وهو ما قد يؤدي على المدى الطويل إلى تآكل محركات النمو بدلاً من حمايتها".

أزمة مالية جديدة لا يحتاج إليها العالم اليوم

من جانبه قال محلل الأسواق العالمية أحمد حسن كرم إن ما يعرف بـ"النظام الموازي" أو "التمويل الموازي" هو في جوهره قيام بعض الشركات الاستثمارية بعمليات تمويل للأفراد والشركات خارج الأطر والقوانين التي يخضع لها القطاع المصرفي التقليدي، وذلك من خلال أنظمة ولوائح داخلية أقل تشدداً.

وأوضح كرم، في تصريحات لـ"اندبندنت عربية"، أن هذه الشركات التمويلية أصبحت في كثير من الأحيان الخيار الأول للعملاء، نظراً إلى سهولة أنظمتها وسرعة إجراءاتها التنفيذية، وهو ما يشكل مصدر قلق متزايد للمصارف حول العالم، إذ يهدد حصتها من سوق التمويل التقليدي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأضاف أن التوسع في هذا النوع من التمويل عبر الشركات الاستثمارية، من دون خضوعها لرقابة مصرفية مماثلة، قد يؤدي إلى تداعيات خطرة على النظام المالي العالمي، إذ يعتمد عدد من البنوك على عوائد العمليات التمويلية كمصدر رئيس للدخل.

وحذر كرم من أنه في حال انعكس هذا الاتجاه على القطاع المصرفي الأميركي، فإن تأثيراته ستطاول حتماً بقية الأسواق العالمية، وربما تقود إلى أزمة مالية جديدة لا يحتاج إليها العالم اليوم، مؤكداً ضرورة التعامل الجاد مع ظاهرة التمويل الموازي، عبر دراستها بصورة عاجلة وإدراجها ضمن أطر ومعايير القوانين المصرفية، أو في الأقل تقييم حجم تأثيرها المحتمل في استقرار القطاع المالي العالمي.

"القطاع المصرفي الموازي يفرض واقعاً جديداً"

من جانبه، قال المحلل المالي حسن الريس إن مصطلح "القطاع المصرفي الموازي" يستخدم للإشارة إلى الخدمات المصرفية التي تقدمها جهات غير مصرفية، مثل شركات أنظمة الدفع وحتى شركات الاتصالات، التي أصبحت توفر خدمات مالية مشابهة لتلك التي تقدمها البنوك، كمعالجة المدفوعات وغيرها من المعاملات المالية.

وتتميز هذه الجهات بأنها غير خاضعة للرقابة التنظيمية الصارمة التي تلتزم بها البنوك، مما جعلها أكثر مرونة وقدرة على جذب المستهلكين بفضل سهولة الخدمات وسرعتها، فعلى سبيل المثال يمكن للمستخدم اليوم دفع رسوم مواقف السيارات عبر هاتفه المحمول، بدلاً من استخدام بطاقته المصرفية، في مشهد يعكس التحول نحو البدائل الرقمية.

وعلى المدى القصير، لا تشكل هذه الخدمات تهديداً مباشراً للبنوك والمؤسسات المالية، إذ لا تزال الأخيرة تواجه تحديات تقنية وتشغيلية تمنعها من تقديم مثل هذه الخدمات لجميع عملائها، خصوصاً في ما يتعلق بمعالجة المعاملات المعقدة أو مكافحة الاحتيال المالي.

لكن على المدى الطويل، يتوقع أن تزداد المنافسة مع توجه المستهلكين نحو المنصات التي توفر الخدمات السريعة والمتكاملة في مكان واحد، مما قد يشكل تحدياً جوهرياً أمام البنوك التقليدية. ومع هذا التحول، يرجح أن يشهد القطاع المالي مزيداً من عمليات الاندماج والاستحواذ، وقد يؤدي ذلك إلى اختفاء بعض المؤسسات المصرفية التي تعجز عن مواكبة التطور.

أما على صعيد الأرباح فمن المتوقع أن تؤثر هذه الخدمات الجديدة سلباً في ربحية البنوك ونموها، وقد تواجه بعض المؤسسات خسائر محدودة، لكن ذلك لا يعني بالضرورة دخول الاقتصاد في حالة ركود، إذ إن الركود عادة ما ينتج من انفجار فقاعة اقتصادية تؤدي إلى انهيار مفاجئ في قيم الأصول نتيجة ضعف اقتصادي عام.

تراجع معايير الإقراض

ولم تقتصر الخسائر على البنوك الإقليمية، إذ أعلنت "جيه بي مورغان" خسائر تقارب 170 مليون دولار في الربع الثالث من العام نتيجة انهيار شركة "تريكولور هولدينغز"، وهي مؤسسة متخصصة في قروض السيارات لذوي التصنيف الائتماني المنخفض، التي تقدمت بطلب إفلاس في منتصف سبتمبر (أيلول) الماضي، تاركة بنوكاً عدة أمام ديون غير مسددة.

كما كشف بنك "فيفث ثيرد" عن احتمال خسارة تصل إلى 200 مليون دولار مرتبطة بنشاطات احتيالية مزعومة، فيما أعلنت شركة توريد قطع غيار السيارات "فيرست براندز" إفلاسها أواخر الشهر ذاته، وسط تساؤلات حول دقة حساباتها المالية واختفاء مبالغ من أموال المستثمرين.

وبينما يرى بعض الخبراء أن ما يحدث هو نتيجة طبيعية لتوسع الائتمان في فترة ما بعد الجائحة، يعتقد آخرون أن تزايد اعتماد البنوك على الإقراض للقطاع الموازي يخلق ثغرات رقابية قد تتحول إلى أخطار نظامية مستقبلية إذا لم تفرض عليها ضوابط تنظيمية أشد.

في الوقت نفسه يتوقع محللون أن تبقى ثقة الأسواق هشة في المدى القريب، إذ ستتفاعل سريعاً مع أي مؤشرات على ضعف في جودة الأصول أو تزايد حالات التعثر.

اقرأ المزيد