ملخص
تعمل السعودية عبر مؤتمر الاستثمار الثقافي إلى تحويل الثقافة من قطاع يعتمد على الدعم الحكومي إلى رافعة اقتصادية مستدامة، إذ بلغت مساهمته 1.6 بالمئة من الناتج المحلي مع استثمارات تفوق 81 مليار ريال وتوقيع اتفاقات بـ5 مليارات. الاستراتيجية تقوم على التعليم، جذب القطاع الخاص، وصناديق استثمارية كبرى، بهدف جعل الثقافة مورداً اقتصادياً منافساً عالمياً وقوة ناعمة تعزز الهوية وجودة الحياة.
اشتهرت الثقافة ومعظم منتجاتها في العقود الأخيرة بأنها "لا تؤكل عيشاً" في المنطقة العربية، فاعتمدت أكثر الأعمال الرائجة فيها على القطاع غير الربحي أو الدعم الحكومي، إلا أن السعودية التي أعادت تقديم نفسها منذ إطلاق رؤيتها 2030 تحاول قلب تلك المعادلة بنقل الثقافة من عبء اقتصادي إلى قطاع مستدام، غني بالموارد والعوائد البليونية، أسوة بدول أخرى حديثة النمو مثل كوريا الجنوبية.
لذلك كان السؤال الأبرز في العاصمة السعودية، حيث اجتمع وزراء ومستثمرون ومثقفون في "مؤتمر الاستثمار الثقافي"، هل تستطيع الثقافة أن تتحول من فضاء رمزي وجمالي إلى مورد اقتصادي قادر على المنافسة عالمياً؟
وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود لم يتردد في الإجابة لدى افتتاح المناسبة الدولية، حين اعتبر تجمع نخبة من القادة المؤثرين في الاقتصاد الإبداعي فرصة لبحث "مستقبل الاستثمار الثقافي وآفاقه وإمكاناته التنموية"، في حين كشف عن أن القطاع في بلاده حقق "نقلة تاريخية حولته إلى رافعة اقتصادية أساسية، إذ قفزت مساهمته في الناتج المحلي إلى 1.6 في المئة، ووصل عدد العاملين فيه إلى 234 ألفاً، فيما بلغ الدعم المالي المتدفق إليه نحو ملياري دولار في عام 2024، وتجاوزت استثمارات بنيته التحتية 81 مليار ريال".
الرهان على الفرص الواعدة في المجال دفع الوزير إلى إعلان إنشاء "جامعة الرياض للفنون" قريباً، ليكون من شأنها أن تسهم في "رفد القطاع الثقافي بالمواهب والمبدعين، التي نهدف إلى أن تكون ضمن أفضل 50 جامعة دولية متخصصة في الفنون والثقافة".
وكانت السعودية أطلقت لتوها أول كلية متخصصة في تعليم الفنون 2024، بشراكة استراتيجية بين وزارة الثقافة وجامعة الملك سعود، تضم ثلاثة أقسام رئيسة، هي الفنون الأدائية التي تقدم برامج في المسرح والسينما والموسيقى والتصميم الذي يركز على الجرافيك والأزياء والمجوهرات، والفنون البصرية التي تعنى بالطباعة والرسم والنحت والخط العربي.
جامعة من 13 كلية تؤسس حجر أساس للفنون
أما الجامعة الجديدة، فقالت الثقافة إنها تستهدف أن تكون "حجر أساس في تعليم الفنون والثقافة، عبر شراكات مع مؤسسات أكاديمية دولية رائدة في التخصصات الثقافية، وفق نهج يدمج ما بين التعليم النظري والتطبيقي، وتمكن الطلاب من اكتشاف شغفهم وتطوير مواهبهم، من خلال توفير بيئة تعليمية مبتكرة، تعزز التفاعل الثقافي في المجتمع السعودي والعالمي"، تضم 13 كلية ثقافية، وتغطي مجموعة واسعة من التخصصات، مثل الأفلام والموسيقى، والإدارة الثقافية والتصوير، وفنون الطهي، وغيرها، على أن تقدم البرامج القصيرة كافة من الدبلومات والبكالوريوس حتى الماجستير والدكتوراه.
لكن الوزير السعودي نبه إلى أن المسؤولية في تنمية الحقل الواعد لا تتوقف عند الجهود الحكومية وحدها، بل يجب أن يأخذ فيها القطاع الخاص أيضاً زمام المبادرة، مؤكداً أنه "أمام النمو المتسارع للصناعات الإبداعية والتنموية، يأتي دور القطاع الخاص كشريك استراتيجي وأساس في رحلة تطوير القطاع الثقافي السعودي".
واعتبر أن المؤتمر سيكون ترجمة فعلية لتعزيز تلك الشراكة "عبر توقيع 89 اتفاق بقيمة تقارب 5 مليارات ريال (1.33 مليار دولار)"، وذلك في سياق التكامل بين بين الدولة والقطاع الخاص الذي قال إنه "يشكل قاعدة صلبة لدفع عجلة الاقتصاد الإبداعي، وبناء منظومة ثقافية قادرة على المنافسة إقليمياً وعالمياً".
وزير الاستثمار خالد الفالح أوضح بلغة الأرقام حجم العمل الاستثماري في القطاع، قائلاً "طورنا 40 فرصة استثمارية مدرجة في القطاع الثقافي، بعضها يوفر عائداً يصل إلى 20 في المئة. بعض القطاعات الفرعية ستحتاج إلى دعم حكومي أو منح، لكن لدينا بالفعل 1700 رجل أعمال استثمروا 500 مليون دولار في الثقافة والصناعات الإبداعية"، كاشفاً عن "صندوق جديد بقيمة 150 مليار ريال للاستثمار في الفئات الثقافية والإبداعية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
الانفاق على الثقافة مربح!
أما وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، فقد شدد أثناء النقاش في المؤتمر على أن الثقافة محرك اقتصادي يتجاوز قطاعها المباشر، موضحاً أن "كل دولار ينفق في القطاعات الإبداعية يحقق 2.5 دولار في قطاعات أخرى مثل السياحة والترفيه. اليوم لدينا 135 ألف شخص يعملون في القطاعات الثقافية، وندرب حالياً نحو 5 آلاف شاب وشابة. نستهدف مضاعفة القطاع ثلاث مرات بحلول 2030"، مؤكداً أن المملكة "تملك فرصة كبيرة لتصدير ثقافتها عالمياً عبر أكثر من 600 متحف ومشاريع كبرى مثل العلا والدرعية".
وترى قناة "العربية بزنس" أن المؤتمر يضع الثقافة في قلب المعادلة الاقتصادية السعودية، من خلال توقيع اتفاقات بمليارات الريالات وإطلاق مبادرات تعليمية واستثمارية جديدة، لكنه في الوقت نفسه يختبر قدرة القطاع على التحول من إنفاق حكومي كثيف إلى دورة اقتصادية مستدامة يقودها القطاع الخاص والمحتوى المحلي.
وفي جلسات المؤتمر تناول المشاركون تجارب دولية عدة، رأوا أن مقومات الرياض تفوقها بمراحل حين بدأت أول الأمر، مثل كوريا الجنوبية وحتى إسبانيا، العريقة في المجال السياحي، وذلك بالنظر إلى المزايا الثقافية التي تملكها السعودية، والموارد المالية الضخمة، وقاعدة سكانية شابة متعطشة للفنون، ومشاريع ثقافية وسياحية عالمية. لكن التحدي، كما يشير اقتصاديون، يكمن في الاستدامة والمحتوى.
ولهذا أكد وزير الثقافة على هذه النقطة، عندما وقع كلمته في المؤتمر بالقول "الثقافة أصبحت أصلاً مؤثراً، بعوائد قابلة للقياس ونماذج قابلة للتوسع وقيمة طويلة الأجل".
الخبير الاقتصادي أحمد الشهري رأى من منظور تاريخي واقتصادي أن "القطاع الثقافي هو الذي يحافظ على أفكار الشعوب ومعتقداتها ومنتجاتها، إذا خصصنا 15 في المئة من مواردنا المالية لهذا القطاع، يمكن أن نسارع وتيرة التقدم نحو اقتصاد متطور، لكن الإنفاق وحده لا يخلق صناعة إذا لم تتوافر بيئة تنافسية وتشريعات واضحة"، في إشارة إلى الحاجة إلى توازن بين الدعم الحكومي والابتكار الفردي.
نمو متسارع يستوقف لورد بريطاني
الاهتمام الدولي بالمؤتمر كان حاضراً، إذ استقطب 1650 مشاركاً ومتحدثاً لإحياء 50 جلسة، ومن بين أولئك اللورد البريطاني نيل ميندوزا الذي كتب على منصة "إكس" تعليقاً أرفقه بصورته وسط المؤتمر، "يؤخذ المؤتمر على محمل الجد جداً. افتتحه وزير الثقافة الأمير بدر، تلاه وزيرا الاستثمار والاقتصاد. "الثقافة كأصل استثماري" تستقطب الاستثمارات الأجنبية، وزارة الثقافة السعودية بدأت قبل سبع سنوات، وأصبحت أكبر خمس مرات من وزارة الثقافة البريطانية".
في غضون ذلك يرى المستثمر السعودي في قطاع الثقافة منصور الزغيبي، وهو يتحدث إلينا على هامش المؤتمر، أن المجال واعد بفضل التمكين الذي يجده من الدولة، لكن الرهان الأكبر في نظره سيكون أكثر على المستقبل، بالنظر إلى الجيل الذي يكبر مع الحراك الذي لا يزال في بداياته.
يعتقد الزغيبي أن المناسبة شكلت "نقلة نوعية في الوعي بدور الثقافة، بوصفها قطاعاً استراتيجياً يتجاوز حدود النشاط الفكري ليبلغ فضاء الاستثمار وصناعة القيمة. لقد أثبتت الثقافة اليوم أنها رافد اقتصادي ومعرفي يعزز مستهدفات البلاد، ويتيح بناء جسور متينة بين المبدعين والمؤسسات".
ويروي أنه في تجربته غير الربحية عبر "صالون نبل الثقافي" لمس عن قرب الوعي من جانب الجيل الجديد بأثر الثقافة ولو عبر أدوات غير تقليدية، مما جعله يؤمن بأن "الفعل الثقافي يجب أن يتحول إلى منصة استثمارية تنتج محتوى نوعياً، وتفتح آفاق تعاون وشراكات، تضمن استدامة النشاط عبر تعزيز البعد التنموي".
ويعتبر أن الجيل الجديد على رغم حداثة تجربته مستهلك للثقافة، كما وجدنا في مناسبات عدة، مما يعزز الاعتقاد القائم بأن "الثقافة في جوهرها قوة ناعمة اقتصادية، تعزز جودة الحياة وتثري الهوية، وقادرة على خلق فرص مستدامة للأجيال المقبلة بإذن الله".
حياكم الله أصدقاء #صالون_نُبل_الثقافي في لقاء:
— صالون نُبل الثقافي (@Noblecul11) September 13, 2025
تأمّلات في المادة والمعنى
ضيف اللقاء:
د. سهام العبودي
أستاذة الأدب والنقد المشارك@SEHAM_ALOBODI
المحاورة:
د.هيفاء الحمدان
أكاديمية وشاعرة @haifarashed
▪️التاريخ: 16 سبتمبر
▪️ اليوم:الثلاثاء
▪️الساعة 8:30
بيت الثقافة pic.twitter.com/P7QruF52NA
وبرهن عدد من المبدعين الأجانب في المؤتمر على إمكان تحويل الثقافة إلى مورد اقتصادي بنجاح عروض أفلام عالمية في السعودية مثل "باد بوي" وآخرين، على رغم حداثة التجربة وتحقيقها أرقام مبيعات فاجأت المراقبين، وفق تقديرهم، إلى جانب استعراضهم تجارب عالمية وعربية، حول فيه الأصل الثقافي إلى نشاط مستدام بإيرادات مجزية، كما في تجربة توظيف طبيعة "العلا" السعودية، ومهرجان "كناوه" الموسيقي في المغرب.
إلى ذلك تستهدف محاور المؤتمر تقديم الثقافة بوصفها فرصة استثمارية جاذبة، من خلال استعراض نماذج تمويل مبتكرة، وبناء شراكات استراتيجية، وتطوير آليات جديدة تسهم في دعم الصناعات الإبداعية، وتعظيم دور رأس المال الثقافي في تحفيز النمو الاقتصادي العالمي، كما يسلط الضوء على إسهام الاستثمار الثقافي في تمكين المواهب الوطنية، وتعزيز العدالة والشمول، وتوسيع نطاق التأثير الثقافي خارج الحدود الوطنية عبر الدبلوماسية الثقافية.
وتنظر الرياض وفق خطتها التنموية الطموحة إلى الثقافة بوصفها من "مقومات جودة الحياة" التي تتنافس كل القطاعات في البلاد على تحقيقها، بينما أعرب وزير الثقافة الشاب الأمير بدر عن ثقته بأن الثقافة في السعودية "تقف على أرض صلبة، فلدينا مبدعون سعوديون في شتى المجالات، كما نقف اليوم على أرض غنية بالصناعة الإبداعية في الحقول الثقافية المتنوعة، وطاقات بشرية مبشرة تجاوز إبداعها حدود بلادنا ليصل إلى العالم، لذا سنعمل في الوزارة بنهج تشاركي مع المبدع السعودي، رأسمال الثقافة، وسنذهب بعيداً لخلق بيئة تدعم الإبداع وتساهم في نموه، وسنفتح نوافذ جديدة للطاقة الإبداعية عند السعوديين".
جاء ذلك في سياق الوعد الذي قطعه أول ما نشأت الوزارة، وهو ما لمسه الكثيرون في فترة وجيزة داخل البلاد وخارجها، إذ جابت مبادرات وزارته المناطق المحلية وعواصم العالم، تبهر وتطرب، في مشهد أبرز أيقوناته "أوركسترا" التي نشأت حديثاً، لكنها حققت صدى عالمياً، في نيويورك وباريس ولندن وأخواتها، تقدم فن المملكة الأصيل وأنغامها وفلكلورها الغني بالتنوع، والممتد لقرون.