Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قانون جديد للإعلام في لبنان... رفض إحياء "النزعة البوليسية"

تشكل محكمة المطبوعات الإطار المعمول فيه لملاحقة الصحافيين في البلاد

الإعلام اللبناني في انتظار إطار تشريعي جديد ومواكب للعصر (أ ف ب)

ملخص

في عام 2010، بدأت النقاشات حول إقرار قانون جديد للإعلام في لبنان، بعد مضي 15 عاماً تستمر محاولات الجهات الحقوقية لإقرار قانون عصري يراعي خصوصية الصحافيين المستقلين، ويؤمن الحماية الكافية للحريات.

تشير حال الشد والجذب داخل البرلمان اللبناني إلى اقتراب النقاشات حول "القانون الجديد للإعلام" من خواتيمها. وفي انتظار خروج الدخان الأبيض من اجتماعات اللجان، وعلى رغم التوافق الظاهري على حماية "المكاسب" التي راكمها رجال الصحافة والكلمة في البلاد خلال العقود الماضية، فإن ثمة خلافات في وجهات النظر تشي بها عملية البحث في التفاصيل، انطلاقاً من التوافق على "قواعد التجريم"، وإيجاد الإطار التنظيمي لقطاع الإعلام، ووضع المعايير الواضحة للتمييز بين صحافي خاضع لمندرجات القانون ومؤثر في عالم الفضاء الافتراضي.

تسريب ونفي

في نهاية أغسطس (آب) الماضي، انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي قائمة تعديلات اقترحها وزير الإعلام اللبناني بول مرقص على اقتراح القانون الجديد للإعلام، تتضمن إعادة العمل بالتوقيف الاحتياطي في بعض الأحوال مثل انتهاك الحياة الخاصة أو التعرض لكرامة الأشخاص، إلا أن الوزير مرقص صرح بعد اجتماع لجنة الإدارة والعدل النيابية، بأنه ليست لديه "أية ملاحظات على اقتراح قانون الإعلام بصيغته الحالية"، مضيفاً "أفهم تماماً هواجس كل من لديه قلق على حرية الرأي والتعبير، وهو هاجسنا المشترك، لكن أطمئن الجميع أننا نسير في اتجاهات تحررية وتقدمية".
على رغم النفي الجازم من وزير الإعلام لوقوفه وراء تعديلات إضافية لاقتراح القانون، فإن "الملاحظات المزعومة" أعادت السجال في شأن لجوء السلطة إلى القبضة البوليسية في مواجهة الإعلام، والسؤال عن مصير الضمانات القانونية للصحافيين، ومنع التوقيف، وحصر الملاحقة أمام محكمة المطبوعات.
وفي منشور له على "فيسبوك"، أشار الصحافي اللبناني علي نور الدين إلى أن "التعديلات المقترحة تطاول السماح بتوقيف الصحافيين احتياطياً لأسباب فضفاضة، ومنع أي صحافي من التعرض لأي ملف، بمجرد حصول دعوى من شاكٍ ما، واستحداث لجنة للمؤثرين تُعتبر مرجعية للمواقع الإلكترونية بموجب مرسوم يقترحه وزير الإعلام، إضافة إلى استبدال مبدأ العلم والخبر بمبدأ الترخيص".


كما كشف بيان صادر عن "منظمة العفو الدولية"، ووقعت عليه 14 منظمة حقوقية لبنانية عن أنه "في الـ31 من أغسطس، تلقى أعضاء مجلس النواب تعديلات مقترحة على نص اقتراح القانون"، و"راجعت المنظمات التعديلات المقترحة، وهي تشمل إعادة العمل بالتوقيف الاحتياطي في حال اقترنت بالظروف المشددة".
وأكدت المنظمات الحقوقية أن "إقرار مثل هذا التعديل سيشكل خطوة كبيرة إلى الوراء في ما يتعلق بحماية الحق في حرية التعبير وحرية الإعلام في لبنان"، إذ "لا تحدد التعديلات المقترحة ما يعنيه التعرض لكرامة الأشخاص أو حياتهم الخاصة"، مشددةً على أن "القانون الفضفاض الذي يترك الناس في حال من عدم اليقين في شأن ماهية التعبير الذي قد يشكل انتهاكاً للقانون، له أثر سلبي في حرية التعبير، إذ قد يمارس الناس الرقابة الذاتية خوفاً من الاستدعاء إلى التحقيق أو التوقيف الاحتياطي أو الملاحقة القضائية".
كما تطرقت المنظمات الحقوقية إلى التعديلات المقترحة التي ستفرض مزيداً من القيود غير المشروعة على عمل المؤسسات الإعلامية التي تواجه دعاوى قضائية، وذلك بمنع المؤسسات من "تناول الشاكي بموضوع النزاع طوال فترة النظر في النزاع". إضافة إلى إلزام وسائل الإعلام المرخصة تقديم تقارير دورية إلى وزارة الإعلام والمجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع، تتضمن معلومات مفصلة عن جدول برامج البث، وتفرض على وسائل الإعلام الإلكترونية نظام الترخيص المسبق عوضاً عن نظام العلم والخبر.

"أولوية" استقلالية الإعلام

ينتظر الصحافيون في لبنان قانوناً جديداً للإعلام يؤمن الاستقلالية، ويحقق الاستقرار الوظيفي والنفسي للعاملين في ميدان الإعلام، وتقول الصحافية المستقلة صفاء عياد إن "الصحافيين ينتظرون بعد أعوام من النقاش في مجلس النواب قانوناً يؤمن الحماية للجسم الصحافي، وعدم التعرض لهم بالتوقيف الاحتياطي أو النظر بالدعاوى المرتبطة بعملهم في محكمة أخرى غير محكمة المطبوعات، وألا يستدعى الصحافي إلى مكتب جرائم المعلوماتية أو أي جهاز أمني".
وسلطت عياد الضوء على وضع الصحافيين العاملين في المواقع الإلكترونية والمنصات الإعلامية الرقمية، حيث يجب أن يؤمن القانون الجديد الحماية للصحافيين المستقلين (Freelancers)، وضمان تسجيلهم في المؤسسات النقابية، وأن يشملهم الضمان أو التأمين الصحي، وشددت على ضرورة وضع معايير واضحة، وعدم الخلط بين الصحافي والمؤثر أو الناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، و"التمييز بين العمل الصحافي الملتزم والمنتظم وصانع المحتوى الذي لا علاقة له بالعمل الإعلامي، وهدفه الانتشار على السوشيال ميديا". وتطالب عياد بـ "تقنين" عمل الصحافيين المستقلين، وإقرار عقود لضمان حقوق "الفريلانسر" في الإعلام.
من جهته، يشدد الصحافي المستقل أيمن شحادة على "ضرورة إقرار قانون جديد للإعلام في لبنان لمواكبة التطورات في المجال، ذلك أن لبنان متقدم جداً على المستوى المهني ولكنه متأخر جداً على مستوى التشريع"، مطالباً بممارسة ضغوط على النواب لإقرار قانون حديث للإعلام بعد مرور أكثر من 10 أعوام على بدء المناقشات حوله، ومن ثم إمكانية تعديله عند الحاجة وبروز الفجوات".


ويلفت شحادة إلى أن "لبنان متأخر جداً على مستوى حرية الصحافة، ومن ثم فإن من شأن إقرار قانون جديد أن يدفع البلاد على سلم الحريات"، مؤكداً "الحاجة إلى نقل الملاحقات القضائية للصحافيين من الميدان الجزائي إلى المدني، لأن روح أي قانون يجب أن تتمحور حول حماية الحريات وعدم تجريم الصحافي"، ويتحدث شحادة عن تجربته الشخصية، حين استُدعي للمثول أمام جهة أمنية بسبب "تحقيق استقصائي عن رشى في المرفأ"، ولكنه لم يمثل بسبب الحصانة الصحافية وموقف النقابة الرافض لملاحقة الصحافي ضمن أطر غير مشروعة.
من جهة أخرى، يتطرق شحادة إلى "الحاجة لمكافحة الصحافة الصفراء التي يدور عملها حول بث الشائعات من خلال الكشف عن المديرين المسؤولين عن المؤسسات"، منوهاً بضرورة تطبيق القوانين الجديدة، وألا تبقى حبراً على ورق، وأن "يتحول القانون إلى إطار تشريعي مرجعي كي لا يبقى هناك فجوة في التعاطي مع الإعلام الجديد الذي يتسع نطاقه باستمرار".

تقدم بطيء

تحاول لجنة الإدارة والعدل النيابية إقرار اقتراح القانون الجديد للإعلام، حسب تصريح رئيس اللجنة النائب جورج عدوان الذي أكد أن "جميع أعضاء اللجنة متفقون على أن القانون يجب أن يكرس الاستقلالية الكاملة وحرية التعبير للإعلاميين"، لافتاً إلى أن "أية مواقف مشككة في عمل اللجنة لا تستند إلى وقائع، ولم يتقدم وزير الإعلام بأي اقتراح لتعديل القانون، بل يشارك بروحية داعمة لحرية الإعلام واستقلالية الهيئة الوطنية وحماية الإعلاميين"، كما قال عدوان، "هدفنا حماية الإعلام والإعلاميين، وإن لم يكن هذا هو الهدف، فلا جدوى من إصدار قانون جديد".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

"المجتمع المدني" حاضر  

لعب المجتمع المدني دوراً أساسياً في صياغة اقتراح القانون الجديد للإعلام في لبنان. وتشير الناشطة في جمعية مهارات ليال بهنام أن "اقتراح اللجنة النيابية المصغرة التي أنهت عملها في مايو (أيار) الماضي حمل تطورات مهمة، بخاصة لناحية إلغاء العقوبات الجزائية في قضايا النشر والتعبير ومنع التوقيف الاحتياطي، والانتقال إلى المساءلة المدنية، وإنشاء هيئة وطنية مستقلة للإعلام"، مشددةً على أن "التحدي هو أن تبقي نقاشات لجنة الإدارة والعدل على هذه الإصلاحات لاسيما الإبقاء على ما وصل إليه اقتراح اللجنة المصغرة لناحية الانتقال إلى المسؤولية المدنية في قضايا النشر والتأكيد على إلزامية الشفافية في التمويل والملكية ونشرها للجمهور بشكل واضح، وضرورة تحصين استقلالية الهيئة الوطنية للإعلام بشكل أكبر وضمان عدم خضوعها للمحاصصة السياسية". 

وتستعرض بهنام موقف مؤسسة مهارات لناحية أبرز الإصلاحات الواجبة، وهي "أن يتضمن القانون الإصلاحات الجوهرية لجهة، إلغاء السجن والتوقيف الاحتياطي في جميع قضايا التعبير، واعتماد المسؤولية المدنية فقط، إضافة إلى إنشاء هيئة وطنية مستقلة تشرف على الإعلام بعيداً عن التدخلات السياسية، وتكون مرجعا ً لمراقبة التعددية والشفافية، ناهيك عن تعزيز شفافية ملكية وسائل الإعلام وتمويلها وإتاحة المعلومات للجمهور والانتقال إلى نظام العلم والخبر كقاعدة لتأسيس المؤسسات الإعلامية، وحصر التراخيص فقط بالمؤسسات التي تستخدم الترددات الأرضية. ووضع إطار حديث للإعلام العام ليعمل بمنطق خدمة المصلحة العامة لا كأداة سياسية للحكومة، وأخيراً تكريس حماية الصحافيين ومصادرهم وتوسيع نطاق هذه الحماية".

تشريع "العصر الرقمي"

تنظر المحامية نيرمين الأحمد إلى "مشروع القانون الجديد لتنظيم الإعلام في لبنان" بوصفه "محطة إصلاحية طال انتظارها، إذ يسعى إلى إعادة رسم الحدود بين حرية التعبير من جهة، والمسؤولية المهنية والقانونية من جهة أخرى. فالبيئة الإعلامية تحتاج إلى فضاء حر، ولكن المجتمع في المقابل بحاجة إلى ضوابط تكفل احترام الحقوق وتحمي الأفراد من التجاوزات".
من هذا المنطلق، تعتقد الأحمد أن "أحد أبرز الإصلاحات يتمثل في توسيع صلاحيات الهيئة الوطنية للإعلام التي لم تعد سلطة رمزية بل أُنيط بها تدرّج واضح من الإجراءات: من الاستيضاح والتنبيه، مروراً بالإنذار والإلزام بنشر تقارير عن المخالفات، وصولاً إلى الإحالة أمام القضاء وفرض الغرامات، وهذا التحول يضع المؤسسات الإعلامية أمام مسؤولية فعلية ويعزز مبدأ المحاسبة في قطاع كثيراً ما اتُّهم بالانفلات"، منوهةً بما سمته "خطوة نوعية" تتمثل بإنشاء لجنة أخلاقيات إعلامية تتولى متابعة الالتزام بمدونات السلوك التي تعد بالتشاور مع النقابات والمجتمع المدني، وهذه المدونات ليست مجرد نصوص توجيهية إنما قواعد ملزمة لترسيخ التحقق من المعلومات، واحترام الخصوصية، ومكافحة خطاب الكراهية وصون حقوق المرأة والأطفال، والأهم أنها تمنح الصحافيين مظلة قانونية تحميهم من أي ضغط أو إكراه يهدف إلى تحريف أعمالهم أو الكشف عن مصادرهم مما يعزز استقلالية العمل الصحافي".
أما على المستوى القضائي، فتقارب المحامية الأحمد ما جاء به المشروع لناحية "حسم إشكالية كثيراً ما أثارت الجدل، إذ حصر من جهة المبدأ النظر في شبه جرائم الرأي والإعلام بالمحاكم المدنية، مستبعداً المحاكم العسكرية التي لا تتوافق مع معايير المحاكمة العادلة". واستدركت، "غير أن المشروع لم يلغِ بصورة صريحة اختصاص المحاكم الأخرى في الجرائم ذات الطبيعة المختلفة مما يستدعي متابعة دقيقة عند التطبيق لضمان احترام هذه القاعدة الجديدة".
وتطرقت الأحمد إلى محاولة المشرع مواكبة التطور التقني، إذ "يُسجَل للمشروع إنجازه البارز على صعيد الإعلام الرقمي، إذ وضع للمرة الأولى إطاراً قانونياً واضحاً للمحتوى المنشور عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، فألزم المؤسسات الإعلامية باحترام آليات الرد والتصحيح والإزالة في الفضاء الرقمي أسوة بالوسائل التقليدية، هذه المقاربة تشكل ثغرة أُقفلت في التشريع اللبناني وتواكب طبيعة النشر الفوري وسرعة تداول المعلومة بما يعزز حماية المتضررين من دون التضييق على حرية النشر".
لتخلص إلى أن "المشروع يقدم إطاراً إصلاحياً متقدماً يعزز دور الإعلاميين ويضمن التوازن بين الحرية والمحاسبة ويؤسس لبيئة أكثر مهنية واستقراراً، إلا أن نجاحه العملي يبقى رهن استقلالية الهيئة الوطنية والتزام المؤسسات الإعلامية روح النص قبل حرفيته".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير