ملخص
في روايته "جاسوس رغم أنفه"، يواصل الكاتب محمد مصطفى عرفي مشروعه السردي، الذي اعتاد عبره فتح ملفات جيوسياسية معقدة، تتصل بمناطق التوتر والنزاع حول العالم، فاختار هذه المرة أن تدور الأحداث بين مصر ودبي وباكستان، التي استحوذت على النصيب الأكبر منها.
استفاد محمد مصطفى عرفي في روايته "جاسوس رغم أنفه" (الدار المصرية اللبنانية) من خصوصية باكستان، التي تعيش بعد تقسيم شبه القارة الهندية صراعات ملتهبة، وعلاقات ملتبسة مع جيرانها، وتواجه اختراقات وتدخلات من أجهزة استخبارية، فتمكن عبر سرد سياسي ذي طبيعية بوليسية، من إعادة تشكيل مشهد مضطرب، مازجاً بين التخييل والإحالات الضمنية إلى واقع حقيقي، وبين الرصانة والإثارة والتشويق.
انتهج الكاتب سرداً ذاتياً منح صوته لشخصيته الرئيسة "إسماعيل كمال البيلي"، وانطلق - في بناء شبه دائري - من حدث محوري، شكل بؤرة السرد، إذ خضع البطل فور وصوله إلى دبي قادماً من باكستان، لتحقيق أجرته معه أجهزة الأمن. وكان هذا التحقيق الذي استمر نحو سبع ساعات، وسيلة لارتداد زمني عكسي، وسبيلاً سلكه البطل لاستعادة أحداث عاشها في مصر ودبي وإسلام آباد. واتخذ عرفي من الترتيب الزمني لساعات التحقيق، عنواناً لكل فصل من فصول روايته. وكانت تقنية الفلاش باك، جسراً ربط بين تلك الساعات السبع، وما سبقها من سنوات.
الإثارة والتشويق
يحمل عنوان النص، دلالات تحيل إلى مناخ استخباري، مما هيأ القارئ لرحلة مشحونة بالتوتر والإثارة، وزاخرة بالملاحقات والمطاردات، وهو ما لبث أن أكدته الأحداث. فـ"إسماعيل" الذي غادر مصر للعمل في معرض لبيع السيارات في دبي، وعاش حياة هادئة بها طوال تسع سنوات، استطاع خلالها كسب المال الوفير وزيادة حجم مدخراته، انقلبت حياته رأساً على عقب بعد موت صاحب المعرض "الشيخ عدنان"، واضطر إلى الاستجابة لطلب ابنه الأكبر "الدكتور صهيب"، الذي أراد إيفاده إلى إسلام آباد لفتح فرع جديد للمعرض يتولى هو إدارته. ومع توالي الأحداث التي يستعيدها البطل أمام لجنة التحقيق، يتجلى الطابع السياسي للسرد، الأجواء المتوترة، والحبكة البوليسية، والبنية المعقدة التي تقاطعت خلالها حكاية الشخصية المحورية، مع قضايا دولية، وصراعات بين القوى الكبرى. وتصاعدت نبرة التشويق عبر ما نثره الكاتب من غموض، وما أثاره في مستهل رحلته من تساؤلات، حول طبيعة المصاب الذي ألم بالراوي والحالة المزرية التي يعيشها، وأسباب حظره من السفر من باكستان، وما يحيط به من مؤامرات تحاك في الخفاء.
وعزز تلك الصبغة التشويقية عبر ما دفع به من مفاجآت، لم تنفك تتكشف على طول خط السرد، ولم يؤد انكشافها إلا إلى مزيد من التعقيد والإثارة وحبس الأنفاس، ولا سيما بعد إدراك "إسماعيل" دخوله شرنقة لم يستطع الفكاك منها، ومحاولة كل جهاز من أجهزة الاستخبارات الباكستانية والبريطانية والأميركية استغلاله. تسعى تلك الأجهزة إلى الكشف عن حقيقة القوافل الطبية وتورط "صهيب"، وحقيقة معرض السيارات، الذي لم يكن سوى غطاء لعمليات تجارية مشبوهة مع "طالبان"، وتبين حقيقة كل من "ديان" و"إرفانا"، اللتين ظن "إسماعيل" أنه قادر على التلاعب العاطفي بهما، في حين كانت كل منهما تستخدمه لتحقيق مصالح جهاز الاستخبارات الذي تعمل لصالحه، "بحسب ما ذكرته ديان، فإنني متورط من دون علمي في مصيبة سوداء. إرفانا ليست تلك الفتاة البسيطة البريئة العذراء مثلما تبدو، بل هي عميلة المخابرات العسكرية الباكستانية، وتعمدوا أن يدفعوها دفعاً لإقامة علاقة معي" ص 155.
تشابهات وتمايزات
أتاح امتداد الفضاء المكاني للسرد، إضاءة الملامح والسمات التي تميز الإنسان أينما كان. وأتاح في الوقت ذاته إبراز الفوارق الثقافية بين مجتمع وآخر، فبينما لم يتسن للبطل الذي درس العلوم السياسية أن يلتحق بالعمل الدبلوماسي، بسبب انتمائه لطبقة فقيرة، لا يتيح كثير من الأثرياء الباكستانيين في منازلهم مساكن آدمية للخدم وكأنهم لا ينتمون إلى البشر. وحاول الكاتب عبر تلك المقاربات، إبراز الطبقية كآفة اجتماعية، تنال من كرامة الإنسان أينما كان.
وأضاء المعاناة التي يعيشها الهامش في كل بقعة من العالم، وكذا الفساد الضارب في مجتمعات غابت عنها الديموقراطية، وتوارى فيها القانون، ليمرر دلالات حول طبيعة النفس الإنسانية، التي تغتر بالقوة، وتشتهي المال، وتدمن الإثارة، وتنفلت في خطاياها وشهواتها. وعلى رغم تلك السمات التي تجمع الناس أينما كانوا، حرص الكاتب في الوقت عينه على إبراز التمايزات، التي تجعل لكل مجتمع خصوصيته، فمنح للمكان هوية، وجعله شخصية ضمن الشخوص، لا مجرد خلفية جامدة، وخلق منه نافذة رصد عبرها بعض الموروث الثقافي للشعوب.
فأبرز من عادات المصريين، إكثارهم من الشكوى اتقاء للحسد، واحترامهم لمشاركة أحدهم "العيش والملح"، حد اعتبارها عهداً ضمنياً لا يجوز نقضه. أما في باكستان، فرصد الزي التقليدي "الشروال"، والأطعمة الشعبية الحارة، والألوان كمكون أصيل من مكونات الثقافة والهوية الباكستانية، والرقص الشعبي، والتقاليد التي كانت دائماً مرجعاً لقهر النساء، "أنت نفسك حكيت لي عن عادة قتل الفتيات من أجل دعاوى الشرف، أو قتل الزوجات إن عجزن عن خدمة حمواتهن، أو طمعاً في إخلاء المجال للأزواج للزواج مجدداً كي يحصلوا على المهور من زوجاتهن" ص100. استدعى الكاتب أيضاً ثقافة "الكامسترا"، وهي واحدة من أهم روافد الإرث الثقافي الشعبي في شبه القارة الهندية، إذ منحتها المجتمعات هناك مكانة خاصة، وجعلت تعليمها للفتيات ضرورة لإعدادهن للحياة الزوجية، لا باعتبارها مجرد دليل جسدي وحسب، ولكن باعتبارها الوسيلة التي تتيح للمرأة، امتلاك أسرار الأنوثة، وفنون الانسجام بين الجسد والعاطفة.
ووظف الكاتب هذه الثقافة لتبرير أثر "إرفانا" على البطل، وتفسير وقوعه في شركها، وافتتانه بها حتى بعدما تكشفت له حقيقتها. كما تطرق إلى بعض الأساطير الرائجة والمتوارثة في المجتمع الباكستاني، التي حاول الباكستانيون من خلالها التحايل على واقعهم البائس، كما في قصة "المهراجا والفقير"، إذ يؤمنون بتناسخ الأرواح، ويعتقدون أن الفقير بعد موته سيبعث في هيئة مهراجا شديد الثراء، في حين تبعث القبيحة في حياة تالية كأميرة جميلة يخطب ودها الأمراء.
ظواهر سياسية
فرضت الطبيعة السياسية للسرد، واختيار مدينة "إسلام آباد" كفضاء مكاني للقسم الأكبر من الأحداث، انفتاح النص على قضايا واقعية، وإن طرحت عبر حيلة التخييل، فتعرض الكاتب لفساد النخب، التي تحتكر الفرص والسلطة والمال والنفوذ، ودان صور النفاق الديني التي تتجلى في أكثر المجتمعات تشدداً. كما تطرق لصور من العنصرية في المجتمع الباكستاني، تمارسها الطبقة الثرية ضد الفقيرة، ويمارسها المسلمون ضد من ينتمون لديانات أخرى، "أجاب كرامات بدهشة بأنه مسلم طاهر لا ينظف دورات المياه، أما بهران غير المسلم فهو يستطيع ذلك. لمح الدهشة في عيني، فأومأ بكل أريحية أن هذه هي تقاليدهم المتوارثة" ص66. كما طرح قضايا أخرى مثل العنف والطائفية، والتطرف والإرهاب، والفساد السياسي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واتسق مع هذا الطرح استدعاء أشكال من الصراع، بعضها اندلع بين الهند وباكستان، وبين المخابرات الباكستانية من جهة والمخابرات البريطانية ثم الأميركية من جهة أخرى، وبين السلطة السياسية الباكستانية في نهاية التسعينيات المتمثلة في "نواز شريف"، والجيش الباكستاني بقيادة "برفيز مشرف"، وبين السنة والشيعة من الشعب الباكستاني نفسه. وقاد هذا المناخ السياسي المضطرب، الذي وجد البطل فيه نفسه فريسة تسعى إليها مختلف أجهزة المخابرات، إلى دخوله معمعمة صراعات وانقسامات داخلية، بين التوقف والتراجع، ومحاولات التعايش ورغبات الهرب، وبين العقل والعاطفة. واقتضت تلك الصراعات والقضايا، التي ربط الكاتب عبرها بين المحلي والعالمي، بروز الخطاب المعرفي، الذي أسهم في بناء صدقية النص، وبدا كجزء أصيل من النسيج، ولا سيما المعارف التي تناولت جغرافيا وتاريخ باكستان.
رؤى متباينة
حاول الكاتب كسر أحادية الصوت الذي فرضه أسلوب السرد الذاتي، وضمير المتكلم، وذلك عبر السماح للشخوص الأخرى باستخدام صوتها والتعبير عن رؤاها، من خلال مساحات الحوار الممتدة داخل النسيج، مما أضفى صبغة موضوعية على النص. فبينما تعاطف البطل مع انحياز "كرامات شيخ" للجيش في انقلابه على نواز شريف، عارضته "إرفانا" التي وجدت الانقلاب قتلاً للديموقراطية. وبينما وجد "إسماعيل" أن البيئة الباكستانية تجعل من الديموقراطية قنبلة موقوتة، رأت "إرفانا" أنها تتضمن قدراً من المحاسبية، وتتيح للمجتمعات إصلاح ذاتها.
وكما سمح الحوار ببروز رؤى متعددة ومتباينة، سمح كذلك إلى جانب السرد، بنقل تناقضات العالم الذي تختلط فيه رائحة الورد برائحة البارود، يتجاور فيه التقدم الذي أنتج القنبلة النووية، ومستوى مترد من النظافة في الشوارع والمطاعم والبيوت، يعيش فيه المنعمون إلى جانب المعدمون، وتتوارى فيه الحقائق خلف الأكاذيب. كما تجلى عبر المساحات الحوارية حرص الكاتب على مراعاة مقتضى الحال، فجاءت لغة كل شخصية مناسبة لأيديولوجيتها، وخلفيتها الثقافية والاجتماعية، فحكمت لغة البطل الخبير بالسوق، اعتبارات المكسب والخسارة. وعبرت لغة السفير الأفغاني عن عقيدة ومشروع سياسي للجماعة المسيطرة على الحكم في أفغانستان. كما اتسقت لغة الإنجليز والأميركيين من العاملين بالاستخبارات، مع خلفيتهم الثقافية والسياسية والحضارية. وعبر كل ما ساقه الكاتب من تباينات ومفارقات، تمكن من تمرير رؤاه حول الديموقراطية، والأسباب الحقيقية للتطرف، ونفوذ القوى الكبرى وتدخلاتها في شؤون مختلف الدول والشعوب.