Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

موسكو تشدد بوجه الغرب: نزع سلاح أوكرانيا وحيادها هما الحل

لافروف حول سياسات الاتحاد الأوروبي: هذه ليست دبلوماسية إنها بالفعل تدهور أساليب السياسة الخارجية

ترمب يحمل صورة تظهره وبوتين خلال لقائهما في ألاسكا، وذلك خلال استقباله رئيس الفيفا جياني إنفانتينو في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض، في 22 أغسطس الحالي (رويترز)

ملخص

تظل فكرة اللقاء "الافتراضي" بين بوتين وزيلينسكي قائمة، في إطار كل ما يقال حول قرب عقده، أو "في غضون أسبوعين"، بحسب ترمب. وخلال حديث إلى شبكة تلفزيون "أن بي سي" الأميركية قال لافروف إن اللقاء بين بوتين وزيلينسكي لا يزال رهن ما طرحه الجانب الروسي من شروط، وفي مقدمتها الحاجة إلى وجود أجندة واضحة ومفصلة لمثل هذا اللقاء.

كشف الاجتماع الأخير الذي جمع في "البيت الأبيض" بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي ومعه زعماء المعسكر الغربي (قيادات كبرى الدول الغربية والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي) عن مدى تعقد الحلول وعودة الأزمة الأوكرانية لسابق "لوغاريتماتها". فبعد اتفاق ترمب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين خلال قمة ألاسكا على أولوية المبادئ الرئيسة للحل ومن بينها إقرار "تبادل الأراضي" وتوقيع اتفاق السلام قبل وقف إطلاق النار، عاد المجتمعون في "البيت الأبيض" لما يسمى "الضمانات الأمنية" التي يبدو أنها تعيد الأزمة الأوكرانية للنقطة "صفر". ولعل ذلك ما دفع وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف إلى إعلان رفض موسكو ما اتفقت عليه قيادات المعسكر الغربي، بوصفه "أمراً غير مقبول إطلاقاً"، ويقف على طرفَي نقيض من أية "تسوية مستدامة وعادلة وطويلة الأمد"، فضلاً عما تقوله موسكو حول أن "نزع سلاح أوكرانيا" يختزل في مضمونه مطلب الوضعية الحيادية للدولة الأوكرانية، ويعني ضمناً الاستجابة لما تطالب به حول تراجع أوكرانيا عن مطلب الانضمام إلى "الناتو".

الضمانات الأمنية لأوكرانيا

وكان اجتماع "البيت الأبيض" طرح ضرورة تسليح الجيش الأوكراني وإمداده بأحدث المعدات والأسلحة بما في ذلك المنظومات الجوية الدفاعية على غرار "منظومات باتريوت" الأميركية، وغير ذلك من أحدث ما في ترسانات البلدان الغربية ومن بينها ما تنتجه ألمانيا وبريطانيا وفرنسا، فضلاً عن اضطلاع الولايات المتحدة بتوفير الحماية الجوية لأوكرانيا، وإمدادها بالآلاف من القوات المشتركة استناداً إلى المادة الخامسة من ميثاق "الناتو"، وفقاً لما وعد به الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بحجة المشاركة في التدريبات الجوية والبحرية. وثمة من يقول في روسيا إن البلدان الغربية تقترب بذلك من التورط المباشر في الحرب الأوكرانية، بعد أن تحولت خلال الفترة الأخيرة من مجرد عامل مساعد، إلى أطراف مباشرة في الأزمة، بما يهدد بنشوب حرب عالمية ثالثة. وفي هذا الصدد ثمة من يعيد للأذهان ما سبق وأعلنه بوتين ضمن مذكرتيه إلى كل من الإدارة الأميركية السابقة وقيادة حلف شمال الأطلسي في ديسمبر (كانون الأول) عام 2021 حول ضرورة توفير الضمانات الأمنية الكافية لروسيا وعودة حلف "الناتو" لحدود عام 1997، بما كان يعني ضمناً محاولة درء أخطار استمرار الحلف في توسعاته، ومن بينها ما أعلنه خلال مؤتمر بوخارست عام 2008 حول نواياه في شأن انضمام أوكرانيا وجورجيا إلى هذا التحالف العسكري. ويذكر المراقبون أيضاً ذلك الرد الذي جاءه من الطرفين برفض ما يطلبه، مما كان في مقدمة أسباب بداية "العملية الروسية الخاصة" في أوكرانيا، إضافة إلى رفض أوكرانيا التزام تنفيذ "اتفاقات مينسك" التي جرى توقيعها في أواخر عام 2014 ومطلع عام 2015.


تداعيات نجاح بوتين في ألاسكا

كل ذلك نجح بوتين في توضيحه لنظيره الأميركي خلال لقاء ألاسكا، وما يبدو أن ترمب اقتنع به وتراجع عما سبق من إنذارات وتهديدات لروسيا بعقوبات جديدة، أعلنها وحدد توقيتاتها قبل لقائه بوتين. وكان ترمب تراجع أيضاً عن ضرورة وأولوية وقف إطلاق النار قبل اتخاذ أية إجراءات للتسوية، مما كان زيلينسكي ومن معه من قيادات "المعسكر الغربي" يصر على نقيضه. كما أن ما رشح من تسريبات يقول أيضاً إن بوتين نجح في استمالة نظيره الأميركي إلى رؤيته التي كثيراً ما حاول إيصالها إلى الرؤساء الأميركيين السابقين منذ لقائه الأول مع الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون عام 2000، بما فيها ما يتعلق بالموقف من حلف شمال الأطلسي وما يراوده من أفكار حول الانضمام إليه.
وإذا كان بوتين تراجع عن مطلبه الذي سبق وطرحه ضمن مذكرتيه إلى قيادات "الناتو" والإدارة الأميركية السابقة حول ضرورة عودة الحلف لحدود عام 1997، فإنه أوضح مبررات إصراره على عدم التنازل عما يتعلق بضمانات الأمن لحماية مصالح روسيا الوطنية، غير أن ما عاد أطراف "المعسكر الغربي" لطرحه من ضمانات أمنية لأوكرانيا، يبدو أشبه بمحاولة غير مباشرة للالتفاف على ما يطلبه بوتين من ضرورة تراجع أوكرانيا عن مطلب انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي.

ويتفق مع ذلك جيفري ساكس، البروفيسور الأميركي بجامعة كولومبيا والمستشار السابق للرئيس الأوكراني السابق ليونيد كوتشما في تسعينيات القرن الماضي ومطلع القرن الحالي. وخلال مداخلته في برنامج "اللعبة الكبرى" الذي يقدمه اليهودي- الروسي دميتري سايمس و"المنشق" السوفياتي السابق الذي هاجر إلى الولايات المتحدة عام 1973، وارتبط بالعمل ضمن فريق الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون، قبل تحوله إلى العمل محرراً في مجلة "ناشيونال إنترست"، ثم عودته لروسيا مرة أخرى عام 2022، كشف جيفري ساكس عن أن بوتين استطاع تفسير الأسباب التي دفعته إلى اتخاذ قراره حول "العملية الروسية العسكرية الخاصة" في أوكرانيا، وتأكيد تقدم قواته على طول خطوط المواجهة مع أوكرانيا، مقروناً بخريطة عرضها الرئيس الأميركي على "ضيوفه" في البيت الأبيض، دعماً لما يعرضه عليهم من حلول عملية في الوقت الراهن.

شروط بوتين لا تزال قائمة

تظل فكرة اللقاء "الافتراضي" بين بوتين وزيلينسكي قائمة، في إطار كل ما يقال حول قرب عقده، أو "في غضون أسبوعين"، بحسب ترمب. وخلال حديث إلى شبكة تلفزيون "أن بي سي" الأميركية قال لافروف إن اللقاء بين بوتين وزيلينسكي لا يزال رهن ما طرحه الجانب الروسي من شروط، وفي مقدمتها الحاجة إلى وجود أجندة واضحة ومفصلة لمثل هذا اللقاء. كما أن موعداً محدداً لهذا اللقاء لم يتحدد بعد في الوقت الراهن. وأضاف لافروف أن ما تطرحه روسيا من شروط ومن بينها ضرورة إعلان أوكرانيا التزامها التخلي عن طلب الانضمام إلى "الناتو"، فضلاً عما سبق ونقلته وكالة "رويترز" عن مصادر لم تذكرها، حول أن موسكو أبدت قدراً من المرونة خلال قمة ألاسكا إزاء مسألة الأراضي، إذ تخلت عما سبق وطرحته حول ضرورة انسحاب القوات الأوكرانية إلى ما وراء الحدود الإدارية لمقاطعتي زابوريجيا وخيرسون، وأن موسكو لا تزال تصر على ضرورة الانسحاب إلى ما وراء الحدود الإدارية لكل منطقة دونباس، وذلك ما لم يعلق عليه الجانب الروسي بعد.
لكن هناك من التصريحات الرسمية السابقة التي تؤكد أن بوتين يمكنه لقاء زيلينسكي، لكنه لن يستطيع التوقيع معه على أية وثائق، نظراً إلى ارتباط ذلك بشرعية الأخير التي انتهت في مايو (أيار) عام 2024، فلم يعُد له حق التوقيع بسبب انتهاء فترة صلاحيته كرئيس لأوكرانيا، وأن هناك من يملك هذا الحق الدستوري، وهو رئيس مجلس الرادا (البرلمان الأوكراني)، بحسب ما أشار بوتين صراحة في أكثر من مناسبة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اتفاق رؤية ساكس مع لافروف

 أما عن الحلول المقترحة، فقال جيفري ساكس الخبير بشؤون روسيا وأوكرانيا وبلدان الكومنولث، إنها تكمن في ضرورة توفير الضمانات اللازمة لحماية المصالح الروسية، وليس تسليح أوكرانيا، وما يعرضه "حلفاؤها الغربيون". وقال أيضاً بضرورة أن تتولى أوكرانيا بنفسها معالجة مشكلاتها الداخلية من دون أي تدخل من الخارج. كما اعترف ساكس بخطأ بلاده (الولايات المتحدة) بتزعمها لتوجهات توسع "الناتو"، ومحاولات تأصيل هذا التوجه منذ تسعينيات القرن الماضي. ولعله كان لافتاً كذلك في هذا الصدد أن ما قاله ساكس خلال مداخلته، اتفق في كثير من جوانبه مع رؤية موسكو حيال سبل التوصل إلى التسوية المنشودة. ومن ذلك ما قاله حول الضمانات الأمنية اللازمة لأوكرانيا، وضرورة الوضوح والشفافية في معرفة الأطراف المعنية حدود التزاماتها، إضافة إلى ضرورة معرفة أهمية الوضعية الحيادية لأوكرانيا، وأن الرقابة التي تطالب بها لا تعني الاستجابة لكل ما تطلبه أوكرانيا بكل ما تعرب البلدان الأوروبية عن تقديمه من أسلحة. كما أعلن ساكس اتفاقه مع ما صدر عن وزير الخارجية الروسي من اقتراحات ومن بينها أن "تضطلع البلدان أعضاء مجلس الأمن بمسألة الرقابة الدولية"، وطرح أيضاً فكرة اجتماع وزراء خارجية الدول الأوروبية مع لافروف والاستماع إلى ما سيقوله بوصفه الأكثر خبرة وحنكة دبلوماسية يعود تاريخها لسبعينيات القرن الماضي. وكان لافروف سبق وعبّر عن رفضه لما أسفر عنه اجتماع "البيت الأبيض" الذي جمع ترمب مع قيادات "المعسكر الغربي" من اقتراحات، فضلاً عما أعرب عنه ساكس من شكوك تجاه اقتراح الدول الغربية الذي يكاد يرقى إلى حد المطلب الرئيس حول نشر القوات الأوروبية المشتركة في أراضي أوكرانيا تحت ستار ما يسمى "قوات حفظ السلام"، حتى إن المستشار الألماني فريدريش ميرتس أعلن عن تحفظاته تجاه إرسال جنوده الى أوكرانيا.

انتقاد لافروف لدبلوماسية كايا كالاس

ووصف لافروف بيان رئيسة وزراء إستونيا السابقة ومفوضة الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي حول روسيا كايا كالاس بأنه "تدهور في الأساليب الدبلوماسية"، وأشار عميد الدبلوماسية الروسية وأحد أقدم وزراء الخارجية في العالم، إلى أن كالاس معروفة بعدائها المفرط للاتحاد السوفياتي السابق وللسياسة الروسية وتوجهاتها، كما أن ما صدر عنها من تصريحات تعكس "عدم الثقة بالاتفاقات مع روسيا"، يشي في جوهره بتدهور أساليب السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي". وأضاف أن "هذه ليست دبلوماسية، إنها بالفعل تدهور أساليب السياسة الخارجية التي في الواقع، تعبّر عما يحصره الاتحاد الأوروبي في العقوبات".

ومن اللافت أيضاً وفي صدد ما ادعاه لافروف من كراهية تكنها كالاس للسوفيات، وعدائها المفرط لكل ما هو سوفياتي أو روسي الهوية، هو أنها توعدت قبل احتفالات موسكو بالذكرى الـ80 للنصر على ألمانيا "الهتلرية" ودحر الفاشية والنازية في الحرب العالمية الثانية، بمحاسبة كل من يقدم على مخالفة "تعليماتها" بعدم الاستجابة لدعوة بوتين إلى المشاركة في هذه الاحتفالات. وكان رئيس وزراء سلوفاكيا روبرت فيتسو أول من بادر إلى رفض "تعليمات" كالاس وسافر إلى موسكو، لينضم إلى المشاركين في تلك الاحتفالات التي لم يحضرها زميله ونظيره المجري فيكتور أوربان، لأسباب تعود لتورط المجر في الانضمام إلى القوات الألمانية إبان أعوام الحرب العالمية الثانية، حتى إن يظل في واقع الأمر رافضاً لكل توجهات كالاس ومناهضاً لكثير من قرارات الاتحاد الأوروبي.
ولعل "الوضع البائس للدبلوماسية الأوروبية الذي يتدهور يوماً بعد يوم"، بحسب تقديرات لافروف، يمكن أن يكون تفسيراً لعدم دعوة كالاس إلى المشاركة في "اجتماع البيت الأبيض" مع الرئيس ترمب، فيما تسجل القوات الروسية تقدماً يتزايد يوماً بعد يوم على خطوط المواجهة، بما في ذلك داخل الأراضي الأوكرانية.


عدم التزام زيلينسكي

وعلى رغم ما تتضمنه قائمة الشروط التي يطرحها الجانب الروسي من بنود، ومن بينها نزع سلاح الجيش الأوكراني وإعلان الوضعية الحيادية للدولة الأوكرانية، تناقلت وكالات الأنباء والوسائل الإعلامية ما أعلن عنه زيلينسكي من سلاح جديد بعيد المدى قادر على الطيران لـ3 آلاف كيلومتر، وهو صاروخ "فلامينغو أف بي-5" FP-5 Flamingo الذي عرض على الصحافيين الغربيين أخيراً، بما يعني نظرياً، قدرته على الوصول إلى الجزء الأوروبي بأكمله من روسيا وغرب سيبيريا، وأعرب زيلينسكي عن أسفه لعدم توافر القدرة لإنتاج مثل هذا الصاروخ بالمئات. لكن الخبراء العسكريين انزعجوا من الحروف الإنجليزية "أف بي" FP في اسم الصاروخ، إذ إنها في الواقع تبين أن ما أعلنه زيلينسكي حول الصاروخ "فلامينغو"، هو استنساخ لصاروخ بريطاني يحمل الاسم نفسه، قدّم في بداية العام خلال المعرض العسكري في أبو ظبي. كما أن الواقع يقول وبحسب تقديرات خبراء عسكريين في موسكو، إن "كييف وببساطة لا تملك الموارد اللازمة لتطوير أسلحة حديثة معقدة بصورة مستقلة".

وفي صدد هذا التشابه مع الصاروخ البريطاني، ذكرت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن ليس هناك أمر مفاجئ في هذه "المصادفة"، "بعد أن تحولت أوكرانيا منذ فترة طويلة إلى ساحة تدريب للركض في ركاب التطورات العسكرية الغربية". وأوردت زاخاروفا عدداً من الأمثلة على ما تقول، ومن بينها قارب من طاقم واحد من نوع "غلايدر" Glyder يعتمد على التقنيات البريطانية، ويجرى تقديمه بوصفه طائرة من دون طيار أوكرانية "فيري" Fiery تعتمد على التطورات الغربية، ومنصة صورايخ "أم أل آر أس ألدر" MLRS Alder التي حدّثت من قبل الألمان.
لذا فإن "الآذان البريطانية تبرز وراء حشرجة 'النازيين' الأوكرانيين بصواريخ فلامينغو"، على حد تعبير زاخاروفا.

وفي هذا الصدد أعاد مراقبون كثرٌ للأذهان "بروتوكول بودابست" الذي وقعته أوكرانيا عام 1994 ويقضي بنزع سلاحها النووي بضمان كل من روسيا والولايات المتحدة وبريطانيا، والجدل الذي احتدم حول رغبتها في الانسحاب منه تأكيداً لاستعادة حقها في ملكية الأسلحة النووية، فضلاً عما تردد آنذاك حول ملكية أوكرانيا للقنبلة القذرة واحتمالات استخدامها، مما أثار في حينه لغطاً شديداً حول خطورة تنفيذ ما سبق وهددت به بعض القيادات الأوكرانية. ولا يمكننا في هذا الصدد إغفال ما يكرره زيلينسكي خلال مناسبات عدة حول أنه لن يعترف أبداً بشرعية "احتلال" روسيا لأي من المناطق الأوكرانية وأنه يظل عند رأيه في أن "أوكرانيا لا تنوي الاعتراف قانوناً بخسارة الأراضي"، مما يقف حجر عثرة على طريق اللقاء الثنائي مع بوتين للتوصل إلى التسوية المنشودة.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير