Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإجماع الإسرائيلي المتنامي على الاحتلال

على رغم التحفظات في شأن خطط نتنياهو لغزة، فإن معظم الإسرائيليين يؤيدون نهجه تجاه الفلسطينيين

علم إسرائيلي ممزق وسط أنقاض في غزة، أغسطس 2025 (رويترز)

ملخص

على رغم الغضب الشعبي الكبير تجاه حكومة نتنياهو بسبب إدارتها الحرب وفشلها في إطلاق سراح الرهائن، فإن الرأي العام الإسرائيلي يتفق إلى حد كبير مع توجهات الحكومة المتعلقة بالاحتلال المستمر للفلسطينيين ورفض حل الدولتين. هذا الإجماع المتزايد يركز على الحلول العسكرية ولا يعترف بالمعاناة الفلسطينية، مما يشير إلى أن أي حكومة قادمة لن تحدث تغييراً جوهرياً في السياسات تجاه الفلسطينيين.

في وقت تستعد فيه الحكومة الإسرائيلية للسيطرة العسكرية على مدينة غزة، ويخشى كثر أن تمهد الطريق للاستيلاء الكامل على القطاع واحتلاله، أثار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو غضباً في الداخل والخارج. فالأدلة الدامغة على أن أعداداً كبيرة من سكان غزة يتضورون جوعاً، وضعت القادة الإسرائيليين في مواجهة إدانة عالمية، وتهديد بفرض حظر جزئي على الأسلحة من حلفائهم، إضافة إلى اتهامات متزايدة بارتكاب إبادة جماعية.

وفي داخل إسرائيل نفسها، يواجه نتنياهو وحكومته منذ أشهر انتقادات شديدة من قادة عسكريين ورؤساء استخبارات سابقين، وزعماء المعارضة، ومثقفين، فضلاً عن جنود احتياط وعشرات الآلاف من المتظاهرين. وجوهر الخلاف بين الشعب الإسرائيلي وحكومته هو قضية الرهائن الـ50 الذين ما زالوا محتجزين لدى "حماس"، ويعتقد أن نحو 20 منهم لا يزالون على قيد الحياة. ومع ذلك في الثامن من أغسطس (آب)، قررت الحكومة الإسرائيلية تصعيد الحرب، وستؤدي الخطط الجديدة بحكم الأمر الواقع إلى احتلال كامل لغزة، مع احتمال أن يكون الهدف هو الحكم العسكري الطويل الأمد للقطاع، وهو أمر دعا إليه بعض الوزراء. وتصر الحكومة على أن توسيع العمليات العسكرية سيؤدي إلى إنقاذ الرهائن، لكن الإسرائيليين غير مقتنعين بذلك.

وبعد الإعلان عن القرار، كشف استطلاع أجرته هيئة البث الرسمية الإسرائيلية "كان" أن 28 في المئة فقط يؤيدون الخطة الجديدة، فيما تعتقد عائلات الرهائن أن هذا القرار سيؤدي إلى مقتل أحبائها. وفي تناقض مباشر مع إصرار الحكومة على إطالة أمد العمليات وتوسيعها، فإن غالبية متزايدة وثابتة، وصلت إلى أكثر من 70 في المئة في بعض الاستطلاعات الأخيرة، تؤيد إبرام صفقة لتبادل الرهائن وإنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن. ومنذ الأسابيع الأولى التي أعقبت هجوم "حماس" في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كانت شعارات مثل "الآن!" و"لا وقت!" محور الحملات الداعية إلى هذه الصفقة. ومنذ الإعلان عن الخطة الجديدة لغزة، تزايدت التظاهرات، وقد دعت عائلات الرهائن إلى إضراب عام. كل هذا أسهم في ترسيخ التصور بأن البلاد قد تعرضت للاختطاف على يد أقلية دينية يمينية متطرفة، اكتسبت نفوذاً وتأثيراً هائلين من خلال مساعدة نتنياهو على التشبث بالسلطة على رغم متاعبه القانونية. وفيما يبدو تأكيداً للانطباع بأن المتطرفين باتوا يهيمنون على الدولة، أظهرت استطلاعات متكررة أنه لو جرت انتخابات جديدة اليوم، لأطاح الإسرائيليون القيادة الحالية. بعبارة أخرى، لو كان توجه الحكومة أكثر انسجاماً مع الرأي العام، لسلكت البلاد اتجاهاً مختلفاً تماماً.

لكن الافتراض بأن إسرائيل ما بعد نتنياهو يمكن أن تسلك مساراً جديداً، يغفل إلى حد بعيد من مدى اتفاق الإسرائيليين مع الحكومة في شأن قضايا أعمق وأطول أمداً. فاستناداً إلى عدد من الاستطلاعات على مر السنين وخلال الحرب الحالية، فإن الجمهور المناهض لنتنياهو والأحزاب المعارضة الرئيسة لا يختلفون كثيراً عن القيادة الحالية في ما يتعلق بالوضع المستقبلي للفلسطينيين، وحتمية استمرار الاحتلال الإسرائيلي بصورة عامة، وقبول حرمان الفلسطينيين في الأراضي المحتلة من حق تقرير المصير، أو من الديمقراطية والحقوق المدنية في الأراضي المحتلة، من بين قضايا أخرى. وتظهر الاستطلاعات أن الغالبية العظمى من اليهود الإسرائيليين، شأنهم شأن قادتهم الحاليين، لا يتعاطفون مع معاناة الفلسطينيين في غزة، التي بالكاد تغطيها القنوات التلفزيونية والصحف الإسرائيلية الرئيسة. ويعتقد كثر أن سقوط الضحايا المدنيين وإلحاق الأذى بهم هو خطأ "حماس"، وأن الأعداد مبالغ فيها أو حتى ملفقة، كما تدعي الحكومة والمعلقون الإسرائيليون باستمرار.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إن هذه الحقائق الجوهرية تشير إلى بعض الوقائع المرة. قد يسهم إسقاط نتنياهو من السلطة في إنهاء الكارثة المتفاقمة في غزة، وقد يؤدي حتى إلى تراجع اليمين الديني عن قبضته على السياسة الإسرائيلية. لكن من غير المرجح أن يحدث ذلك تغييراً جذرياً في السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين أو أن يقدم بديلاً حقيقياً للسياسات القديمة المستمرة منذ عقود، التي تقوم على توسيع السيطرة الإسرائيلية وقمع حق الفلسطينيين في تقرير المصير. هذه الاستراتيجيات، إلى جانب محاولات التخريب الفلسطينية، هي التي أججت الصراع الأوسع نطاقاً طوال هذه الأعوام، ودمرت فرص إسرائيل في أن تكون دولة ديمقراطية، وهي نفسها التي ستدفع إلى تصعيدات عنيفة جديدة في الأعوام المقبلة. مهما ركز السياسيون والمعلقون في الولايات المتحدة، أو حتى المعارضة الإسرائيلية، على نتنياهو، فالحقيقة هي أنه عندما يتعلق الأمر بالتعنت الإسرائيلي تجاه الفلسطينيين، فإن رئيس الوزراء ليس وحده المشكلة. المشكلة تكمن في المجتمع والسياسة والثقافة الإسرائيلية التي تطورت على مر العقود.

إسرائيل في مواجهة قادتها

على رغم كل ما يشاع عن قدرته على البقاء في السلطة، فإن مستقبل نتنياهو السياسي في إسرائيل غامض. فحتى الآن، قد يخسر رئيس الوزراء الانتخابات المقبلة المقررة في أواخر أكتوبر 2026. منذ يوليو (تموز)، عندما انسحب حزبان دينيان متشددان من الائتلاف الحاكم، بات نتنياهو يترأس حكومة أقلية هشة. وإذا انهارت، فمن المرجح إجراء الانتخابات في أوائل عام 2026.

إن المعارضة لرئيس الوزراء متجذرة بعمق. فقبل هجمات السابع من أكتوبر بوقت طويل، تعرضت الحكومة لانتقادات غير مسبوقة بسبب خطتها حيال السلطة القضائية، التي رأى فيها كثر محاولة لترسيخ قبضة نتنياهو على السلطة، وإضعاف لوائح الاتهام بالفساد الموجهة ضده، وتقويض الديمقراطية الإسرائيلية، مع تمكين القوى الثيوقراطية في المجتمع. وخلال معظم الأشهر التسعة التي سبقت الهجمات، نظم مئات الآلاف من الإسرائيليين تظاهرات أسبوعية ضد الحكومة، وهدد جنود الاحتياط برفض الالتحاق بالخدمة. ووفقاً لـ"المعهد الإسرائيلي للديمقراطية"، ففي أوائل عام 2023، عندما أعلنت الحكومة للمرة الأولى عن الإصلاحات، رفضها ما بين 58 و66 في المئة من الإسرائيليين، وهي أرقام بقيت مستقرة إلى حد كبير منذ ذلك الحين، على رغم تغير وتيرة ونوع الإصلاحات خلال الحرب. ومع ذلك مضت الحكومة قدماً، فسيست التعيينات القضائية وأقالت المستشارة القضائية للحكومة [منصب المستشار القضائي للحكومة يلعب دوراً محورياً في نظام الحكم في إسرائيل باعتباره مراقباً لقرارات الحكومة وممارساتها، الملزمة بمراعاة القانون الأساسي الإسرائيلي].

ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تصاعدت نقمة الرأي العام. وخلافاً لمعظم الحكومات في زمن الحرب، لم ترتفع نسب تأييد ائتلاف نتنياهو الحاكم بل هبطت إلى أدنى مستوياتها، وبقيت على هذه الحال طوال الأشهر الستة الأولى من الحرب، وهي نسب كان من شأنها أن تمنح حزب الليكود بزعامة نتنياهو وحلفاءه في الائتلاف ما بين 41 و46 مقعداً فقط من أصل 120 في الكنيست لو جرت الانتخابات حينذاك. وقد أظهرت الاستطلاعات باستمرار أن ثلثي الجمهور أو أكثر يريدون استقالة نتنياهو، إما فوراً أو عند انتهاء الحرب. ووفقاً لاستطلاعات الرأي الحالية، لو جرت الانتخابات الآن، فإن الأحزاب التي شكلت ائتلاف نتنياهو الأصلي لن تتمكن من الفوز بالغالبية في الكنيست المكون من 120 مقعداً (وباستثناء الاستطلاعات المرتبطة باليمين المتطرف، فقد أظهرت جميع استطلاعات الرأي الإسرائيلية الموثوقة تقريباً على مدى أكثر من عام أن أحزاب الائتلاف ستخسر 10 مقاعد في الأقل من المقاعد الـ64 التي فازت بها في انتخابات 2022). وحتى الحرب القصيرة التي استمرت 12 يوماً مع إيران في يونيو (حزيران)، وحظيت بدعم واسع من الجمهور الإسرائيلي، لم تنجح في تحسين شعبية الائتلاف.

الأسباب وراء هذا الاستياء الواسع النطاق من الحكومة واضحة. في المقام الأول، يأتي رفض الحكومة المتكرر إعطاء الأولوية للرهائن الذين تحتجزهم "حماس" من خلال التوصل إلى صفقة لإعادتهم. كثير من الإسرائيليين يعتقدون أن الحكومة ما كانت لتبرم الصفقة الأولى في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 لولا الضغط الشعبي. ومنذ أوائل عام 2024، أيدت غالبية الإسرائيليين بصورة منتظمة إبرام صفقة لإعادة من تبقى من الرهائن. ومنذ بدء وقف إطلاق النار الذي دام شهرين في مطلع 2025، أيد أكثر من 70 في المئة استمرار وقف إطلاق النار من أجل السماح بعودة مزيد من الرهائن، وفقاً لاستطلاعات أجراها "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية". وبحلول يونيو، قال أكثر من ثلاثة أرباع الإسرائيليين إنهم يؤيدون إطلاق سراح جميع الرهائن المتبقين مقابل إنهاء الحرب بصورة كاملة، بحسب استطلاع أجراه معهد "أغام لابز" Agam Labs، التابع للجامعة العبرية.

تعتقد غالبية كبيرة من اليهود الإسرائيليين أن أعداد الضحايا الفلسطينيين جائزة

وتشعر غالبية كبيرة من الإسرائيليين بالغضب من تنصل الحكومة من تحمل المسؤولية عن هجمات السابع من أكتوبر. ففي استطلاع رأي أجريته في أواخر نوفمبر 2024 لمصلحة معهد "زولات"، وهو مركز بحوث ليبرالي، قال 69 في المئة إنه ينبغي إنشاء لجنة تحقيق رسمية مستقلة للنظر في الإخفاقات الأمنية المحيطة بالهجوم، فيما أيد 27 في المئة تشكيل لجنة تعينها الحكومة لهذا الغرض. وفي مارس (آذار) الماضي وجد استطلاع للرأي أن نسبة الإسرائيليين الذين يؤيدون تشكيل لجنة مستقلة قد ازدادت لاحقاً لتصل إلى 75 في المئة. لكن بعد ما يقارب عامين من الحرب، لم تنشئ الحكومة أي لجنة على الإطلاق.

وهناك شكوى أخرى ضد الحكومة تتعلق بإعفاء اليهود الأرثوذكس المتدينين المتشددين (الحريديم) من الخدمة العسكرية في جيش الدفاع الإسرائيلي. فغالبية ساحقة من اليهود الإسرائيليين ترغب في إنهاء هذه الممارسة التاريخية، ولكن بدلاً من ذلك، طرحت الحكومة مشروع قانون يفرض قيوداً صغيرة وتدريجية على تجنيد اليهود المتشددين، وهو ما يراه معظم الإسرائيليين "قانوناً للتهرب من التجنيد" يهدف إلى ترسيخ إعفاء دائم وواسع لمعظم أفراد هذه الفئة. في يوليو، وجد "معهد دراسات الأمن القومي" أن 73 في المئة من اليهود الإسرائيليين يعتقدون أن مثل هذا القانون سيضر بأمن الدولة. وحتى الآن، لم تصادق الحكومة على مشروع القانون، على رغم الضغوط الشديدة من حلفائها الدينيين السابقين في الائتلاف. هذا التأخير دفع حزبين متشددين إلى الانسحاب من الائتلاف في يوليو، مع إمكان تصويتهما مع المعارضة إذا طرح اقتراح بحل الكنيست في الأشهر المقبلة. ونتيجة لذلك، بات مصير البلاد في أيدي الأحزاب الحريدية التي تمثل 14 في المئة فقط من السكان الإسرائيليين، بحسب "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية".

وبالنسبة إلى جزء كبير من الرأي العام، فإن تجنب إبرام صفقة مع "حماس" لإطلاق سراح الرهائن، وإعفاء اليهود الحريديم من الخدمة العسكرية، وغياب المساءلة عن الفشل في منع هجمات السابع من أكتوبر، إلى جانب الهجوم المستمر على الجهاز القضائي الإسرائيلي، كلها أدلة على التدهور الأخلاقي والسياسي للائتلاف الحاكم. ويرى كثر أن هذه القضايا هي امتداد للنزعات غير الليبرالية، والثيوقراطية، والاستبدادية أو الفاسدة التي دفعت إلى خطة إصلاح القضاء عام 2023، وهي نزعات أصبحت الآن مشحونة أكثر بفعل ظروف الحرب التي استغلت لفرض أجندة متطرفة (مسيحانية) تتمثل في احتلال دائم، وضم فعلي للضفة الغربية، وإعادة توطين غزة. ونظراً إلى مستوى الغضب الشعبي، من المغري الافتراض أن القيادة في مرحلة ما بعد نتنياهو سترفض الأصولية اليمينية التي أطالت أمد الحرب في غزة، وأودت بحياة عشرات الآلاف من المدنيين هناك، وأحدثت أزمة مجاعة مروعة، وألحقت ضرراً بالغاً وغير مسبوق بسمعة إسرائيل عالمياً. لكن مثل هذه الافتراضات تتمسك برؤية مثالية زائفة عن الديمقراطية الإسرائيلية تغفل عن حقيقة أكبر تتعلق بالناخب الإسرائيلي.

التطرف يصبح التيار السائد

على رغم النفور المتزايد من حكومة نتنياهو، لا يختلف المجتمع العام في إسرائيل اختلافاً جوهرياً عن رئيس الوزراء وحكومته اليمينية المتطرفة في كثير من القضايا الجوهرية والأساسية البعيدة المدى. وهذا التقارب ليس مصادفة: فكثيراً ما برع نتنياهو في استيعاب توجهات الرأي العام الكامنة، وفي كثير من الأحيان في تشكيلها والتلاعب بها. وينطبق هذا بصورة خاصة على القضايا المتعلقة بتصور إسرائيل لنفسها كدولة تواجه تهديدات وجودية مستمرة، سواء من الإرهاب الفلسطيني، أو إيران، أو معاداة السامية العالمية، أو من أعدائها الداخليين مثل اليسار أو المواطنين العرب في إسرائيل.

لنأخذ مثلاً حل الدولتين. يدرك رئيس الوزراء تمام الإدراك أن غالبية الإسرائيليين يعارضون هذا المفهوم. ففي يونيو، وجد استطلاع "مؤشر السلام" الذي أجرته جامعة تل أبيب أن ثلث الإسرائيليين فقط يؤيدون إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. أما بين اليهود الإسرائيليين، فالنسبة أصغر، إذ يدعم أقل من ربعهم هذه الفكرة. وهكذا، عندما يصر نتنياهو على أنه سيقاوم الجهود الدولية الرامية إلى تعزيز إقامة دولة فلسطينية، أو أي صورة حقيقية من صور تقرير المصير الوطني للفلسطينيين، فإنه يمثل مواقف الغالبية الكبرى من الناخبين اليهود. ونادراً ما يجرؤ أي من قادة المعارضة الرئيسين في إسرائيل على مخالفته الرأي. فمثلاً، يتبنى صقور الأمن الإسرائيليون، مثل بيني غانتس، الجنرال الإسرائيلي الذي كان يعتبر عضواً معتدلاً في "حكومة حرب" نتنياهو خلال الأشهر الثمانية الأولى من الحرب، موقفاً متردداً ومتحفظاً حيال فكرة الدولة الفلسطينية، بينما يعارضها قادة اليمين العلماني، مثل أفيغدور ليبرمان، علناً. أما رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، الذي تظهر استطلاعات الرأي أنه المرشح الأوفر حظاً بين مرشحي المعارضة، فقد كان في مواقفه السابقة أكثر يمينية من نتنياهو وكان يعارض دائماً حل الدولتين.

تظهر الاستطلاعات أن الغالبية العظمى من اليهود الإسرائيليين، شأنهم شأن قادتهم الحاليين، لا يتعاطفون مع معاناة الفلسطينيين في غزة

والأحزاب الوسطية في إسرائيل لا تختلف كثيراً. فحتى الحزب اليساري الصهيوني الموحد في إسرائيل، "الديمقراطيون"، بقيادة يائير غولان، وهو لواء متقاعد ونائب سابق لرئيس أركان جيش الدفاع الإسرائيلي، يتجنب في الغالب طرح موضوع الدولة الفلسطينية أو حل الدولتين. وعلى نحو مماثل، تجنب يائير لبيد، الرئيس الرسمي للمعارضة الإسرائيلية وزعيم حزب "يش عتيد" الوسطي، الحديث عن الموضوع في الغالب منذ بدء الحرب، على رغم أنه كان آخر رئيس وزراء إسرائيلي يدعم حل الدولتين علناً خلال فترة ولايته القصيرة في أواخر عام 2022. وحدهم قادة الأحزاب العربية يتحدثون بحرية عن تأييد إقامة دولة فلسطينية. أحد هؤلاء القادة، أيمن عودة، أعلن بالفعل أنه لن يترشح مرة أخرى، لكن الكنيست لا يزال يسعى إلى عزله بسبب منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أصر اليمينيون على أنه مثير للاشمئزاز أعرب فيه عن تعاطفه مع السجناء الفلسطينيين إلى جانب الرهائن الإسرائيليين، معتبرين أنه يضع الطرفين على قدم المساواة من الناحية الأخلاقية. وانضم ستة أعضاء من المعارضة إلى الحكومة في التصويت على العزل، لكن الاقتراح لم يحصد العدد الكافي من الأصوات.

إن الرفض الإسرائيلي المتزايد لحل الدولتين، يظهر جزئياً، النزعة العدائية المتشددة تجاه الفلسطينيين التي برزت منذ السابع من أكتوبر. لكن هذا الرفض استند إلى مواقف سلبية وعدائية متبادلة كانت قائمة من قبل، كما يتضح من استطلاعات الرأي الإسرائيلية - الفلسطينية المشتركة التي أجريتها مع الباحث الفلسطيني خليل الشقاقي قبل اندلاع الحرب بوقت طويل. لا شك في أن الحرب أطلقت العنان لمزيد من المشاعر المتطرفة. فقد دعا الوزراء الإسرائيليون بانتظام إلى حصار غزة وتجويعها وتسويتها بالأرض، وربما إسقاط قنابل نووية عليها، ونادراً ما عرضت وسائل الإعلام الإسرائيلية الرئيسة أو ناقشت حجم المعاناة الإنسانية الهائلة التي تتكشف هناك، مما يسمح للإسرائيليين بتجاهل مثل هذه الصور إن شاءوا، على رغم أن هذه المعلومات متاحة بسهولة من خلال وسائل الإعلام الإسرائيلية الناقدة والشبكات الدولية ووسائل التواصل الاجتماعي.

في استطلاع "مؤشر السلام" الذي أجري في يناير 2024، وبعد مقتل أكثر من 25 ألف فلسطيني في غزة، قال 88 في المئة من الإسرائيليين اليهود إن سقوط الضحايا الفلسطينيين (من دون تحديد ما إذا كانوا من المدنيين أو المقاتلين) كان مبرراً في سبيل تحقيق أهداف الحرب الإسرائيلية. وبحلول يوليو 2025، ارتفع عدد القتلى إلى 60 ألفاً، من بينهم آلاف الأطفال الصغار. ومع ذلك وجدت هذه السلسلة نفسها من الاستطلاعات أن 72 في المئة، وهي نسبة تمثل غالبية كبيرة من اليهود الإسرائيليين، يعتقدون أن الخسائر جائزة. وفي استطلاع يوليو، أيدت نسبة مماثلة تقريباً، 74 في المئة من الإسرائيليين اليهود، "الهجرة الطوعية" لسكان غزة، بينما أيدت غالبية من المشاركين اليهود "الإجلاء القسري" (ويظهر المواطنون العرب في إسرائيل دعماً ضئيلاً جداً لهذه السياسات مما يجعل المتوسط الإجمالي الإسرائيلي لتأييدها أقل مما هو عليه فعلياً [بين الغالبية اليهودية]، لذا فإن هذا المتوسط مضلل).

وحتى بعض أكثر مقترحات الحكومة قسوة تجاه الفلسطينيين في غزة حظيت بتأييد شعبي كبير. ففي مايو (أيار)، على سبيل المثال، نشر الباحث في جامعة ولاية بنسلفانيا، تمير سوريك، استطلاع رأي أظهر أن 82 في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون طرد الفلسطينيين من غزة. وعلى رغم أن البعض شكك في منهجية الاستطلاع أو نتائجه، فإن "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" وجد بعد ذلك بوقت قصير في استطلاعه الشهري أن 77 في المئة من اليهود الإسرائيليين يعتقدون أن على إسرائيل ألا تهتم بمعاناة المدنيين الفلسطينيين في غزة، وأن 63 في المئة يعارضون تقديم المساعدات الإنسانية هناك. علاوة على ذلك، أظهر استطلاع المعهد في يوليو أن 79 في المئة لم يشعروا شخصياً بأي انزعاج من "تقارير المجاعة والمعاناة بين السكان الفلسطينيين في غزة". كذلك وجد استطلاع أجرته صحيفة "معاريف" الإسرائيلية في نهاية يوليو أن 47 في المئة من اليهود الإسرائيليين يعتقدون أن المجاعة في غزة أكذوبة من صناعة "حماس". وفي استطلاع "مؤشر السلام" في يوليو، أيد أكثر من 60 في المئة من السكان اليهود خطة وزير الدفاع الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، لبناء معسكر يتركز فيه الفلسطينيون قرب رفح، حيث لن يسمح لهم بالمغادرة إلا إذا أرادوا السفر إلى بلد آخر. ولم تتضح بعد المواقف الإسرائيلية تجاه خطة الحكومة الأخيرة للاحتلال العسكري الكامل لغزة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي عموماً أن أقلية وازنة من اليهود الإسرائيليين، ولكنها لا تصل إلى مستوى الغالبية، تؤيد الآن الضم الكامل "للأراضي المحتلة". ووفقاً لاستطلاع "مؤشر السلام" في يوليو، فإن 40 في المئة من اليهود الإسرائيليين قد أيدوا الضم. ووجد الاستطلاع نفسه أن 46 في المئة من اليهود الإسرائيليين يؤيدون الآن بناء مستوطنات يهودية في غزة.

المستقبل الاستبدادي

إن تصلب المواقف تجاه الفلسطينيين يظهر أيضاً اتجاهات طويلة المدى في المجتمع الإسرائيلي. من حيث الانتماء السياسي، هناك 60 في المئة من الإسرائيليين اليهود، وهي غالبية ساحقة، يعرفون عن أنفسهم الآن على أنهم يمينيون، مقابل 12 في المئة يعتبرون أنفسهم يساريين، وأكثر بقليل من 25 في المئة يقولون إنهم وسطيون، وفقاً لاستطلاع أجراه "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" في يونيو. لكن هذه الاتجاهات لم تبدأ في السابع من أكتوبر. ففي الفترة التي سبقت انتخابات 2022، نادراً ما كان هناك من يتحدث، سواء من المرشحين أو من معظم الجمهور الإسرائيلي اليهودي، عن الفلسطينيين أو عن نظام الاحتلال الإسرائيلي الذي دام ستة عقود تقريباً. ويشمل ذلك سيطرة إسرائيل على حدود غزة ومجالها الجوي ومياهها الإقليمية وجميع حركة الدخول والخروج من القطاع (بالتعاون مع مصر)، وهو ما صنفته اللجنة الدولية للصليب الأحمر على أنه احتلال مستمر حتى قبل السابع من أكتوبر.

ومن المفارقات أن قبول الجمهور الإسرائيلي بالحكم العسكري الطويل الأمد على شريحة كبيرة من السكان الفلسطينيين تزامن مع تصاعد القلق في شأن الديمقراطية الإسرائيلية نفسها. وهكذا، فإن الجماهير الغفيرة من الإسرائيليين الذين هتفوا "ديمقراطية!" مساء كل سبت طوال عام 2023 احتجاجاً على إصلاحات نتنياهو القضائية، تجاهلت أخطر تهديد للديمقراطية الإسرائيلية، وهو الحكم العسكري المفروض على شريحة كبيرة من السكان الفلسطينيين المحرومين من حقوقهم السياسية. في ذروة الاحتجاجات، في صيف عام 2023، وجد استطلاع رأي أجريته لمصلحة "التحالف من أجل السلام في الشرق الأوسط" (ALLMEP)، وهو منظمة جامعة للأطراف الساعية للسلام، يمولها "معهد الولايات المتحدة للسلام" (USIP) أن 88 في المئة من الإسرائيليين اليهود الذين تراوح أعمارهم ما بين 15 و21 سنة يعتقدون أن إسرائيل "يمكن أن تكون دولة ديمقراطية على رغم سيطرتها (فعلياً) على الضفة الغربية وغزة، حيث لا يمكن للفلسطينيين التصويت في الانتخابات الإسرائيلية". وبعبارة أخرى، فإن الجيل الصاعد من الشباب اليهود الإسرائيليين، وهذا قبل السابع من أكتوبر، يعتبر بغالبية ساحقة أن حرمان ملايين الفلسطينيين من حقوقهم الأساسية إلى أجل غير مسمى لا يتعارض مع الأسس الديمقراطية في إسرائيل.

وخلال احتجاجات عام 2023، فشل الإسرائيليون أيضاً في الربط بين خطة الإصلاح القضائي وأهداف الحكومة التوسعية الاستيطانية. وحتى مع اندلاع الاحتجاجات، كان القادة السياسيون المتطرفون الذين يتبنون أيديولوجيا تفوق اليهود، مثل وزير الأمن القومي الإسرائيلي الحالي، إيتمار بن غفير، يحولون الشرطة وقوات الأمن إلى أدوات تتسامح مع عنف المستوطنين أو حتى تغض الطرف عنه باعتباره وسيلة لتوسيع السيطرة اليهودية على الأراضي المحتلة. علاوة على ذلك، سعت الحكومة إلى إضعاف المحكمة العليا أو المستشارة القضائية للحكومة، باعتبارهما عقبتين محتملتين أمام القوانين المصممة لتسهيل الاستيلاء على الأراضي ومصادرة الممتلكات الفلسطينية. في أغسطس، اتخذت حكومة نتنياهو قراراً غير مسبوق بإقالة المستشارة القضائية للحكومة، وهي خطوة عرقلتها المحكمة العليا الإسرائيلية موقتاً، تاركة البلاد أمام أزمة في السلطة الحاكمة.

حتى أكثر مقترحات الحكومة قسوة تجاه الفلسطينيين في غزة حظيت بتأييد شعبي كبير

من خلال تجاهل الواقع الأوسع المتمثل في الاحتلال الإسرائيلي، أسهمت أحزاب المعارضة الرئيسة في مزيد من تآكل المؤسسات الديمقراطية في البلاد. فلنأخذ على سبيل المثال الحكومة المتعددة الأحزاب التي تولت السلطة لفترة وجيزة بين عامي 2021 وأواخر 2022، من دون نتنياهو أو أحزاب الائتلاف الحالية. لقد سعت تلك الحكومة إلى إجراء تعديلات طفيفة تهدف إلى تخفيف الضغوط المعيشية على الفلسطينيين، لكنها لم تتخذ أي خطوة جوهرية نحو تقرير المصير الفلسطيني، باستثناء خطاب بارز في سبتمبر (أيلول) 2022 ألقاه لابيد، رئيس الوزراء آنذاك، في الأمم المتحدة، قبيل الانتخابات الجديدة، أعلن فيه دعمه لحل الدولتين. أما غولان، رئيس حزب الديمقراطيين اليساري، فهو يفضل الدعوة إلى ما يسميه "الفصل"، أي نوع من التقسيم بين الإسرائيليين والفلسطينيين، لكنه نادراً ما يناقش هذه القضية إلا إذا طلب منه ذلك.

ومنذ السابع من أكتوبر، برز إجماع سياسي متنام في إسرائيل حول الرأي القائل بأن القوة العسكرية هي الأساس الوحيد لبقاء إسرائيل. ولم تسمع أصوات معارضة خلال حرب إسرائيل مع إيران في يونيو، بل ساد دعم شامل. ونادراً ما يتحدث قادة المعارضة ضد وجود الجيش الإسرائيلي المستمر وضرباته في لبنان، أو حملة القصف التي شنها ضد النظام الجديد في سوريا، وفي أحسن الأحوال، يكتفون برفع شعارات حول الحاجة إلى مكون "دبلوماسي" يكمل الإنجازات العسكرية الإسرائيلية المهمة ضد أعداء إقليميين مثل إيران و"حزب الله". وأحدث شخصية سياسية أثارت حماسة الإسرائيليين المعارضين لنتنياهو هي قائد سابق آخر لجيش الدفاع الإسرائيلي، غادي أيزنكوت. وبقدر ما ينتقد السياسيون أو المتخصصون العسكريون المعارضون الحكومة بسبب سياستها تجاه غزة، فإنهم يجادلون بأن هذه الحكومة تفتقر إلى استراتيجية واضحة أو فشلت في بناء قوة بديلة تحكم القطاع بدلاً من "حماس"، ولكن ليس في إطار أي حل سياسي طويل الأمد للصراع.

إذا خسر نتنياهو الانتخابات المقبلة، فإن سقوطه سيجلب موجة من الارتياح بين كثير من الإسرائيليين في الداخل والخارج، جراء التخلص من الشعبويين الفظين والمتدينين المتطرفين الذين يعلنون صراحة نياتهم بتدمير وتجويع سكان غزة وضم أراضيها. لكن من غير المرجح أن تحقق حكومة جديدة تقدماً أكبر بكثير من سابقتها نحو تحقيق سلام دائم وعادل أو قابل للتطبيق مع الفلسطينيين، أو معالجة الديناميكيات الجوهرية للاحتلال التي أدت إلى هذا الكم من الصراعات في المقام الأول. بدلاً من ذلك، سيستمر الوضع في تغذية الأحلام التوسعية داخل إسرائيل، ومن المحتمل أن يقود إلى عمليات تصعيد عسكرية متكررة ومتفاقمة. وإذا لم يطالب الجمهور الإسرائيلي ولا العالم بالتغيير، فمن غير المرجح أن تقدم أحزاب المعارضة الرؤية أو القيادة اللازمة لوضع إسرائيل على مسار السلام والديمقراطية، أو حتى الأمن الأساس الطويل الأمد.

 

داليا شيندلين هي باحثة في مجال الرأي العام وزميلة سياسات في مركز "سنتشوري إنترناشيونال" Century International وكاتبة عمود في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، وقد ألفت كتاباً بعنوان "الديمقراطية العوجاء في إسرائيل: وعد لم يتحقق" The Crooked Timber of Democracy in Israel: Promise Unfulfilled

مترجم عن "فورين أفيرز"، 13 أغسطس (آب)، 2025

اقرأ المزيد

المزيد من آراء