Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

20 عاما من الظلام في العراق: عقود وهمية ومشاريع متعثرة

استمرار المعالجات الطارئة من دون إصلاح جذري يضعف ثقة المواطنين بالحكومة ويعوق التنمية الاقتصادية

تتسبب مولدات الكهرباء بكلفة بيئية، فهي ترفع معدلات التلوث في الأحياء السكنية وتزيد الانبعاثات الضارة بالصحة العامة (أ ف ب)

ملخص

لا يزال قطاع الكهرباء العراقي أسير التداخل بين سلطة القرار السياسي ومصالح الشركات المحلية والخارجية، وسط اتهامات متبادلة بالتقصير والفساد.

مرة أخرى يجد العراقيون أنفسهم في قلب الظلام بعد انطفاء شامل للمنظومة الكهربائية الوطنية من بغداد إلى معظم المحافظات، ليعيد للواجهة واحدة من أكثر الأزمات المزمنة التي تثقل كاهل العراقيين منذ أكثر من 20 عاماً، وهي أزمة الكهرباء.

والانقطاع الأخير الذي سببه خلل في أحد الخطوط بمحافظة بابل، العمود الفقري لشبكة نقل الطاقة في البلاد، لم يكن مجرد حادثة فنية عابرة، بل جاء ليكشف مجدداً عن هشاشة البنية التحتية وضعف منظومات الإدارة والتحكم والتشابك السياسي والاقتصادي الذي يطيل أمد الأزمة.

البعد التاريخي والسياسي للأزمة

وتعود جذور أزمة الكهرباء في العراق لما قبل عام 2003 حين كانت شبكة الإنتاج والنقل تعمل بطاقة أقل من الحاجة الفعلية للبلاد، لكنها بعد التغيير السياسي شهدت سلسلة من التحديات، من التخريب بفعل النزاعات المسلحة إلى غياب التخطيط الإستراتيجي المستدام، مروراً بالصراعات الحزبية على عقود الاستثمار والمشاريع، وتحول الملف بمرور الوقت إلى أداة للمزايدات السياسية، إذ تتعاقب الحكومات على إطلاق الوعود بحل الأزمة من دون نتائج ملموسة، وحتى اليوم لا يزال قطاع الكهرباء أسير التداخل بين سلطة القرار السياسي ومصالح الشركات المحلية والخارجية، وسط اتهامات متبادلة بالتقصير والفساد.

الكلفة الاقتصادية والاجتماعية

ووفق متخصصين فإن الانقطاع العام يكبد الاقتصاد العراقي خسائر بملايين الدولارات يومياً، إذ تتوقف المصانع وتتأثر سلاسل التوريد وتتعطل الخدمات الصحية والمائية، والمستشفيات تعتمد على مولدات احتياط مرتفعة الكلفة، فيما تتوقف محطات معالجة المياه أو تعمل بطاقة منخفضة مما يهدد الأمن المائي، أما على الصعيد الاجتماعي فتخلق الانقطاعات المستمرة حالاً من الإحباط العام وتزيد التوترات بين المواطنين والحكومة، كما تدفع الأسرَ متوسطة ومنخفضة الدخل إلى تقليص استهلاكها من الأجهزة الكهربائية، وتتحمل كُلفاً إضافية لتشغيل مولدات الأحياء أو شراء وقود بأسعار مرتفعة.

أصوات من الميدان

ويرى الخبير الكهربائي سعد فاضل أن "المشكلة ليست فقط في نقص الإنتاج بل في منظومة النقل القديمة، فلدينا خطوط لم تُحدّث منذ الثمانينيات، وهي تعمل فوق طاقتها التصميمية، وكل خلل في خط رئيس يؤدي إلى انهيار متسلسل"، مؤكداً أن الحل يكمن في توزيع الأحمال على أكثر من شبكة فرعية، لكن هذا يتطلب استثمارات ضخمة وإرادة سياسية حقيقية.

أما أبو أحمد، وهو صاحب مولد كهربائي محلي في منطقة الكرادة، فيقول "أنا أعمل في هذا المجال منذ 15 عاماً، وصحيح أن المولدات أصبحت مصدر رزق لكثيرين لكنها ليست الحل، فنحن نستهلك وقوداً بكميات كبيرة ونسبب تلوثاً والمواطن يدفع فاتورتين للحكومة والمولد، وإذا تحسنت الكهرباء الوطنية فكثير من أصحاب المولدات سيتوقفون عن العمل".

في حين تقول أم حسين، وهي ربة بيت من بغداد، "في الصيف ومع تجاوز درجة الحرارة الـ 50 مئوية تنقطع الكهرباء لساعات طويلة، والثلاجة لا تبرد والأطفال يعانون الحر الشديد، وحتى المولد لا يوفر تياراً كافياً لتشغيل المكيف، ونحن نتعب ونصرف أموالاً فوق طاقتنا"، بينما يؤكد الطالب الجامعي علي من الموصل حاجته الملحة إلى الكهرباء لتشغيل الحاسوب والمراجعة باعتبار أنه طالب في كلية الهندسة، ويقول "أضطر أحياناً إلى الذهاب للمقاهي لأدرس وهذا مكلف، والانقطاعات تعطل حتى الامتحانات عن بعد".

الفساد وإدارة الملف

ولا يمكن الحديث عن أزمة الكهرباء في العراق من دون التطرق إلى الفساد الذي ينخر مفاصل هذا القطاع، ولا سيما مع ظهور ملفات عقود وهمية ومشاريع متعثرة ومحطات توليد لم تدخل الخدمة، على رغم استهلاكها موازنات ضخمة وأخرى تعمل بكفاءة أقل من نصف طاقتها التصميمية، إذ تشهد إدارة الملف تضارباً بين صلاحيات وزارة الكهرباء والهيئات الاستثمارية وحكومات المحافظات، كما أن ضعف الرقابة الفعلية على الأداء والإنفاق يضاعف المشكلة، فيما تظل محاسبة المقصرين استثناء نادراً.

الاعتماد على المولدات الأهلية

وعلى مدى أعوام تحولت المولدات الأهلية إلى شريان حياة بديل لكنها في الوقت نفسه أصبحت اقتصاد ظل بمليارات الدولارات، فمشغلوها يحددون الأسعار والاشتراكات في ظل غياب تنظيم حكومي فعال، فيما يعاني المواطن ارتفاع الفواتير وتفاوت ساعات التجهيز، كما أن الاعتماد على المولدات له أيضاً كلفة بيئية، حيث ترفع معدلات التلوث في الأحياء السكنية وتزيد الانبعاثات الضارة بالصحة العامة.

الحلول المؤجلة والمشاريع المتعثرة

ويشير المتخصص في شؤون الطاقة عبدالله دريد إلى أن الحلول ممكنة لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية وتمويل مستدام، مضيفاً أن "تكرار انهيار المنظومة الوطنية يعكس وجود خلل هيكلي في البنية التحتية وغياب إدارة متكاملة للأزمات"، ومتابعاً أن الإنقاذ يتطلب تحديث محطات التوليد وربطها بأنظمة تحكم ذكية وإنشاء شبكات نقل بديلة تقلل الاعتماد على خط رئيس واحد لتطوير برامج صيانة وقائية منتظمة، لكن هذه المقترحات ظلت لأعوام حبيسة الدراسات والمناقشات، فيما تأجل تنفيذ معظم المشاريع الكبرى بسبب نقص التمويل أو الخلافات السياسية أو شبهات الفساد، وفي الأحياء السكنية لا يحتاج المواطن إلى أرقام وتقارير ليدرك حجم الأزمة، فيكفي أن يعيش ساعات الانقطاع الطويلة وسط حرارة الصيف اللاهبة، أو يعاني انقطاع التيار عن الأجهزة الطبية داخل بيوت فيها مرضى.

البعد الإقليمي والدولي

ولأزمة الكهرباء في العراق بعد إقليمي أيضاً، حيث يعتمد جزء من الإنتاج على استيراد الغاز من إيران لتشغيل محطات التوليد مما يجعل المنظومة عرضة للتأثر بأية توترات سياسية أو إقليمية، كما أن العراق لم يستفد بعد من الربط الكهربائي مع الأردن والخليج على رغم توقيع مذكرات تفاهم ومشاريع مشتركة، أما على المستوى الدولي فيراقب المستثمرون والجهات المانحة تطورات الأزمة كعامل مؤثر في بيئة الأعمال.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قراءة في المستقبل

وإذا استمرت المعالجات الطارئة من دون إصلاح جذري فإن سيناريو الانهيار المتكرر سيظل قائماً، مما يضعف ثقة المواطنين بالحكومة ويعوق التنمية الاقتصادية، لكن العراق يمتلك فرصة لإحداث تحول إذا ما توافرت الإرادة السياسية وجرى تبني إدارة علمية للموارد، مع إشراك القطاع الخاص ضمن أطر تنظيمية صارمة والاستفادة من مشاريع الطاقة المتجددة لتقليل الضغط على الشبكة، كما يمكن أن يشكل الاستثمار في أنظمة التحكم الذكية وتوزيع الأحمال على شبكات عدة مساراً لتقليل أخطار الانطفاء العام، إضافة إلى تطوير البنية التحتية للنقل والتوزيع، إذ إن أزمة الكهرباء في العراق ليست مجرد مشكلة تقنية بل انعكاس لتراكمات سياسية واقتصادية واجتماعية منذ عقود، والظلام الذي يغرق المدن ليس إلا صورة واضحة لفشل إدارة مورد حيوي في بلد يمتلك من الإمكانات ما يكفي لإضاءة كل بيت عراقي إذا ما أحسن استغلالها.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير