Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أوروبا – روسيا... الردع أم الاحتواء؟

كيف يستعد الأوروبيون لمواجهة القيصر بوتين ونواياه بالنسبة إلى بلادهم؟

لا يزال الأوروبيون يتذكرون مقولة رئيس وزراء بريطانيا الشهير، ونستون تشرشل، "أنت لا تستطيع أن تفاوض إلى مدى أبعد من الذي تصل إليه نيران مدافعك" (مواقع التواصل)

ملخص

هل باتت المواجهة بين أوروبا وروسيا حتمية بعد تعثر السلام مع أوكرانيا؟ ولماذا بات البحث عن مظلة نووية أوروبية أمراً لا بد منه بعد مواقف واشنطن؟

هل هو عبث الأقدار، ذاك الذي يجعل الأوروبيين عوضاً عن تضافر جهودهم مع روسيا، يتساءلون عن أفضل الطرق لردعها؟

كان الحلم في عقل الرئيس الفرنسي شارل ديغول، يتمثل في اتحاد أوراسي، عبر سياقات ديموغرافية وجغرافية واسعة وممتدة، من المحيط الأطلسي غرباً، إلى جبال الأورال شرقاً، وقد كاد الحلم يتحقق، لا سيما من خلال التعاون الألماني – الروسي، في عهد المستشارة أنغيلا ميركل، غير أن الحلم تبخر بعد العمليات العسكرية الروسية في أوكرانيا.

اليوم تبدو أوروبا منشغلة أمام علامة استفهام مثيرة للقلق وربما الأرق، علامة متعلقة بمستقبل العلاقات مع روسيا، وبخاصة في ظل تراجع احتمالات التوصل إلى تهدئة ثم سلام مع أوكرانيا، وهو مما عززته توجهات الإدارة الأميركية الحالية، التي تواصل إرسال مزيد من الأسلحة إلى كييف.
والشاهد أنه لم يعد هناك من يواري أو يداري الوضع الحالي في الداخل الأوروبي، والأصوات الزاعقة، عطفاً على الرايات الفاقعة المطالبة بالاستعداد الشامل والكامل، للمواجهة العسكرية مع موسكو، إذ يمكن أن يكون في وارد القيصر ومخططاته التوسع في الحرب، والدخول في معارك جديدة مع دول مجاورة لا سيما دول البلطيق.

 في هذه القراءة نحاول التوقف عند نقاط جوهرية عدة، في مقدمها النوايا الروسية حيال أوروبا، والتحالفات الأوروبية – الأوروبية الجديدة للمواجهة، عطفاً على الدور الأميركي في هذا الإطار وهل ترى واشنطن أنه من الجيد أن تستعد أوروبا عسكرياً لمواجهة روسيا، حتى لو كان ذلك يعني الانسلاخ التدرجي عن الجانب الغربي من الأطلسي، حيث العم سام لا يهمه سوى مزيد من المساهمات النقدية في موازنة حلف "الناتو"، وعوضاً عن تكثيف وجوده التقليدي العسكري في أوروبا، ها نحن نراه يخطط للانسحاب من أوروبا الغربية، مما ينتج أزمة المظلة النووية للقارة العجوز.


مخاوف روته في تشاتام هاوس

في التاسع من يونيو (حزيران) الماضي، أوضح الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته خلال زيارة إلى "تشاتام هاوس"، المعهد البريطاني الفكري العريق، رؤيته في شأن التمويل المستقبلي للحلف وأولوياته.
يعن لنا أن نتساءل "هل كان ردع روسيا هو الهدف الرئيس للخطاب الذي ألقاه هناك، الذي استبق اجتماع حلف "الناتو" في الـ24 والـ25 من الشهر ذاته؟
المؤكد أن الأمر كان كذلك بالفعل، إذ إنه أشار إلى الحاجة إلى "جعل تحالفنا أقوى، وأكثر عدالة وأكثر فتكاً"، من أجل مواجهة مجموعة متزايدة من التهديدات، وبخاصة في ما يتعلق بقدرة روسيا على إعادة التسليح وتهديد دول التحالف في المستقبل.

اعتبر روته في خطابه أنه "في ما يتعلق بالذخيرة، تنتج روسيا في ثلاثة أشهر ما ينتجه حلف 'الناتو' بأكمله في عام واحد، ومن المتوقع أن تنتج قاعدتها الصناعية الدفاعية 1500 دبابة، و3 آلاف مركبة مدرعة، و200 صاروخ إسكندر هذا العام وحده".
من هنا لم يعد سراً القول إن الهواجس المحلقة فوق رؤوس الأوروبيين إنما تدور حول فكرة احتمال أن تكون روسيا مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ضد حلف "الناتو" في غضون خمسة أعوام... خمسة أعوام... هكذا كرر روته هذا الرقم في إشارة لا يمكن تجاهلها إلى الخطر المحدق بـ"الناتو" لا سيما في جانبه الأوروبي بنوع خاص.

استخدم روته في خطابه الذي ألقاه في تشاتام هاوس، كلمات جيوإستراتيجية، تحمل دلائل مثيرة، فقد اعتبر أن أوروبا كلها باتت واقعة في المنطقة التي سماها "الجناح الشرقي"، والقصد هو أنه لم تعد هناك دول أوروبا الشرقية، ولا دول أوروبا الغربية، والسبب في ذلك هو أن الجيل الجديد من الصواريخ الروسية يسافر بسرعة تفوق سرعة الصوت بكثير، والمسافة بين العواصم الأوروبية ليست سوى دقائق، مما يعني أنه لم يعد هناك شرق أو غرب، هناك فقط حلف "الناتو".

بدا خطاب "تشاتام هاوس"، نقطة مفصلية في تاريخ "الناتو" ومواجهته القائمة والمقبلة مع روسيا، والأكثر أنه وضع الأوروبيين أمام مسؤولياتهم بقوله إنه "من الضروري أن يتحمل كل عضو في حلف 'الناتو' مسؤولياته، لأن أميركا تحملت عبئاً كبيراً فترة طويلة".
أكثر من ذلك، ألمح روته إلى أن أوروبا ستمد جسوراً من التعاون العسكري الوثيق مع كندا، لضمان ما سماه "أمننا المشترك". هل كان روته وحده من يقطع بأن زمن احتواء روسيا قد فات، وأن الوقت الحاضر هو أوان الردع؟


كالاس ورؤية تعزيز الإنفاق الدفاعي

منذ بدايات عهدها كممثلة عليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية في الاتحاد الأوروبي، بدت كايا كالاس، الإستونية الأصل، حجر عثرة في طريق طموحات بوتين، وربما لهذا راجت شائعات حول نوايا روسية تجاهها، والتفكير في الخلاص منها.
في أوائل فبراير (شباط) الماضي، صرحت كالاس أن "كل يورو يتم إنفاقه على المدارس والرعاية الصحية، والرعاية الاجتماعية سيضحى عرضة للخطر إذا لم يحافظ الاتحاد الأوروبي على دفاعات قوية". وأضافت أن "الرئيس الأميركي دونالد ترمب على حق في انتقاده للإنفاق الأوروبي الذي يبلغ في المتوسط 1.9 في المئة، بينما روسيا تنفق تسعة في المئة من ناتجها الإجمالي على الدفاع، وقالت إن إنفاق أوروبا ليس كافياً بوضوح في ضوء الحرب في أوكرانيا".

فما الذي يجب على أوروبا عمله؟

جاء جواب كالاس في حديثها على قناة" بي بي سي"، وباختصار غير مخل، "من أجل منع الحرب، يتعين علينا أن ننفق مزيداً"، مما يعني أنها تؤمن برؤية الإمبراطور الروماني هادريان "إن أردت السلم استعد للحرب".

بعد شهرين من هذه التصريحات، وفي حديث آخر لها لشبكة ERR كانت كالاس تقطع بأن العالم الحر في حاجة إلى قائد جديد، مضيفة أن على الأوروبيين أن يكونوا على مستوى التحدي وتساءلت هل ظهر قائد جديد من هذا النوع؟ أم أن هناك قائداً في طور الظهور؟
وفي جوابها عن سؤالها المتقدم، بدا أن كالاس، تنظر بعين المقاربة الإنسانية والأخلاقية، المجتمعية والروحية لأوروبا ذات الإرث الروحي. وقالت "من الواضح أن أوروبا تنطبع بهذا الدور. المنظمات الدولية والدول من جميع أنحاء العالم تلجأ إلينا، لأن أوروبا شريك يمكن الاعتماد عليه والثقة به".
وتابعت كالاس "لأوروبا قيمها الخاصة، التي توليها دول كثيرة حول العالم، لذا، نعم، نحن بالتأكيد في دائرة الضوء، وأعتقد أن الاتحاد الأوروبي لديه فرصة عظيمة".

لكن الأوروبيين لا يزالون يتذكرون مقولة رئيس وزراء بريطانيا الشهير، ونستون تشرشل، "أنت لا تستطيع أن تفاوض إلى مدى أبعد من الذي تصل إليه نيران مدافعك".

 من هذا المنطلق، بدا واضحاً في أواخر مايو (أيار) الماضي، أن كالاس تؤمن بفكرة "الحب الصارم" التي يمارسها ترمب في شأن الإنفاق الدفاعي على أسلحة أوروبية جديدة.
وفي الـ31 من ذلك الشهر، قال كبير الدبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، ردا على انتقادات وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في شأن الإنفاق العسكري الأوروبي، إن "الحب القاسي، أفضل من عدم وجود حب على الإطلاق".
أما كالاس فقالت "إنه الحب على أية حال، لذا فهو أفضل من عدم وجود حب بالمرة".
وفي إشارة إلى الانقسامات داخل أوروبا في شأن الإنفاق العسكري، أضافت "لقد أدرك بعضنا منذ وقت طويل أننا بحاجة إلى الاستثمار في الدفاع، وأن الاتحاد الأوروبي غيّر مساره، وأعاد تصور نموذجنا باعتباره مشروع سلام مدعوماً بدفاع قوي.
فهل كان لتصريحات روته وكالاس وبوريل تأثير حقيقي وفاعل في توجهات الدفاع الأوروبية، بهدف ردع بوتين عما يمكن أن يفكر فيه مستقبلاً؟

في الأسبوع الأخير من مايو نفسه، اعتمدت الدول الأوروبية رسمياً حزمة إنفاق عسكري بقيمة 150 مليار يورو. هل يعني ذلك أنها ستفترق عن الولايات المتحدة ورؤية "الناتو" الأوسع للمواجهة مع روسيا؟
بحسب مفوض الدفاع بالاتحاد الأوروبي، أندريوس كوبيليو، فإن أوروبا يجب أن تتجنب ما سماه "الطلاق الغاضب" مع الولايات المتحدة، محذراً "سنحتاج إلى الوقوف على أقدامنا في مسائل الدفاع في أوروبا، لأن الأميركيين سينسحبون بصورة متزايدة".

في هذا السياق، بدت كالاس من الذكاء السياسي بمكان، ففي تصريحات لها في سنغافورة، قالت "من الجيد أننا نبذل مزيداً من الجهود، ولكن ما أريد تأكيده هو أن أمن أوروبا وأمن المحيط الهادئ مترابطان إلى حد كبير".
هل كانت هذه العبارة بمثابة شيفرة على الجانب الأميركي أن يفككها سياسياً وعسكرياً؟
المقطوع به هو أن العم سام وعقوله المفكرة، مدنية وعسكرية، يدركون تمام الإدراك ما يجري من إمدادات صينية لروسيا، والدعم البشري من جنود كوريين شماليين يقاتلون إلى جانب بوتين في أوكرانيا، وكأنها تخبر سيد البيت الأبيض... أنت لا يمكنك التخلي عن أوروبا لأنك بذلك ستضر بأمن أميركا في بقاع وأصقاع أخرى حول العالم.

هل تفكر روسيا بالفعل في عمل ما يمكن أن يتسبب بأضرار جسيمة في أوروبا، الجناح الشرقي لـ"الناتو"؟


روسيا التحدي الكبير لحلفاء "الناتو"

بعد ذاك الذي جرت به المقادير في أوكرانيا، ظلت الألسنة الأوروبية تلهج، هل ستكون دول أخرى من القسم الأوروبي عرضة لهجمات روسية، سواء برية أو جوية، وبما في ذلك الصاروخية؟
الجواب يعود بنا إلى ما قاله، أول أمين عام لحلف الأطلسي، اللورد هاستينغز إسماي، من أن "هدف الحلف هو إبقاء الاتحاد السوفياتي خارجاً، والأميركيين في الداخل، والألمان تحت السيطرة".
لكن الكاتبة المتخصصة في شؤون روسيا وأوروبا الشرقية بيثاني إليوت، تقطع عبر قراءة لها في "الغارديان" البريطانية، بأن "الناتو" يُختبر اليوم في اثنتين من تلك المهمات، مع تهديد الرئيس الأميركي علناً بعدم حماية الدول الأعضاء المعرضة للخطر التي لم تنفق على الدفاع، وفيما يفكر الأميركيون في الانسحاب، يزداد أيضاً خطر تدخل الروس.

في الأسبوع الأول من مايو الماضي، قدّر المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية، ومقره الرئيس في لندن، أن روسيا قد تشكل تحدياً عسكرياً كبيراً لحلفاء "الناتو"، بخاصة في دول البلطيق، بحلول عام 2027. في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا بحلول منتصف عام 2025، فقد تفكر روسيا في مواجهة طويلة الأمد.
يجزم المعهد، العالي الأهمية، بأن أجهزة الاستخبارات الألمانية، تقطع بأن روسيا تعيد بناء قدراتها العسكرية، وقد تعيد نشر وحداتها بسرعة لتعريض الجناح الشرقي لـ"الناتو" للخطر.
على أن السؤال الذي يطرحه المعهد هو التالي، "يتفق الجميع على أن الرئيس الروسي يفضل زوال 'الناتو'، لكن هل سيكون مستعداً حقاً لخوض حرب لتحقيق ذلك؟".
بحسب بيثاني إليوت، من السهل تجاهل الحديث عن حرب بين روسيا و"الناتو" باعتباره تهويلاً أو تفكيراً من حقبة الحرب الباردة. ومع ذلك، تجري الحكومة البريطانية تحديثاً لخططها للطوارئ. في غضون ذلك، يقر مَن شاركوا في التخطيط العسكري بأخذ هذا الاحتمال على محمل الجد. يتمتع غابريليوس لاندسبيرجيس بخبرة شخصية في تقييم أهداف بوتين العسكرية. وبصفته وزير خارجية ليتوانيا خلال الحرب الروسية على أوكرانيا، اضطر إلى مواجهة احتمال أن تكون بلاده التالية على قائمة بوتين. يصرح الرجل لإليوت بالقول، "كان في أذهان كثير أنه إذا سقطت أوكرانيا حقاً في غضون يومين، فمن الواضح أن طموح بوتين لن يتوقف عند كييف، إذا استطاع إكمال المسيرة، فسيستمر".

يعلم بوتين أنه بمهاجمة دولة عضو في "الناتو"، فسيكون في مواجهة مباشرة مع الحلف برمته، وفقاً للمادة الخامسة من ميثاق "الأطلسي"، لكن وفقاً لوزير خارجية ليتوانيا، تبدو أغراض وأهداف بوتين أبعد كثيراً جداً من ذلك، إنه يتطلع إلى هدف نهائي يتمثل في "تفكيك النظام العالمي الذي يدار من قبل الغرب وبعض الأهداف قريبة جداً منه".
يشارك الوزير الليتواني الشاب في رأيه، نائب القائد الأعلى السابق لقوات "الناتو" في أوروبا الجنرال السير ريتشارد شيريف، الذي أخبر إليوت أن "التحدي الذي يواجهه 'الناتو' هو منع تحول الصراع إلى حرب ضروس، لأنني مقتنع تماماً أنه إذا تمكن بوتين من تحقيق ما يريد، فإنه قادر على ذلك"، لكن كيف يمكن أن يمضي سيناريو الإزعاج الروسي لعموم القارة الأوروبية، كبداية لحرب شاملة؟
يتفق لاندسبيرجيس وشيريف على السيناريو الأكثر ترجيحاً لهجوم بوتين.
يبدأ المشهد من خلال عملية زائفة في دول البلطيق، تليها أقليات روسية محلية تطالب بالحماية.
في كتاب شيريف "2017: الحرب مع روسيا"، تصور أنه بعد الهجوم على أوكرانيا، سيثير عملاء موسكو الاضطرابات في لاتفيا، حيث يُقتل نشطاء مؤيدون للكرملين، وتُنحت شارات على جثثهم لإلقاء اللوم على القوميين اللاتفيين. ثم يعدم قناصة موسكو، متحدثين بالروسية في احتجاج في العاصمة اللاتفية "ريغا"، مما يجعل المشهد على الأرض مهيأً بالنسبة إلى موسكو لغزو دول البلطيق، بزعم حماية الأقليات الروسية في تلك الدول.
هل يعني ذلك أن الكيفية تم الاستقرار عليها، وأن ما يتبقى بالنسبة إلى "روسيا – بوتين" هو التوقيت؟ وإن كان ذلك كذلك فأي الدول الأوروبية التي تفكر جدياً في سيناريوهات الردع المحسوم في المدى الزمني المنظور؟


شمال أوروبا وساحة المواجهة المقبلة

تبدو منطقة أوروبا الشمالية، هي الميدان الأكثر ترجحياً للصراع بين روسيا والعالم الغربي، وكأن التاريخ يعيد نفسه ثانية، ففي تلك المنطقة جرت حرب الشمال العظمى (1700 - 1721)، حين تحدى بطرس الأكبر هيمنة الإمبراطورية السويدية ساعياً إلى تحويل روسيا إلى قوة عظمى.

هل اليوم شبيه بالأمس، بمعنى هل أن بوتين يسعى بالفعل مجدداً إلى مواجهة مع أوروبا انطلاقاً من تلك الرقعة الجغرافية في شمال أوروبا؟

يعتبر "هوغو بلويت موندي"، الباحث المشارك في معهد يوروبيوم للسياسة الأوروبية في براغ، الذي تشمل اهتماماته روسيا وأوروبا الشرقية، أن فنلندا والسويد، اللتين حافظتا على حيادهما الراسخ، سارعتا في الرد على الحرب الروسية الشاملة ضد أوكرانيا عام 2022. وقد دفعتهما التجربة التاريخية المشتركة للتوسع الروسي إلى استنتاج أن موسكو تشكل تهديداً طويل الأمد يتجاوز أوكرانيا بكثير.
اعتُبر الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي أمراً ضرورياً لمواجهة مساعي روسيا إلى إعادة صياغة نظام ما بعد الحرب الباردة بالقوة. ومنذ انضمامهما، عززت الدولتان دورهما كمزودين للأمن الأوروبي الأطلسي.
هل كانت تلك الدول يقظة لما يدور قربها، ولم توفر مكر التاريخ الهيغلي (نسبة إلى جورج هيغل)؟
الثابت أنه بعكس كثير من نظيراتها الأوروبية، حافظت القوات المسلحة الفنلندية على تركيزها على الردع بعد انتهاء الحرب الباردة. وقد تمكن هذا البلد الشمالي من أداء دور محوري في نظام الأمن الجماعي لحلف شمال الأطلسي، فقد أنشأ وزير الدفاع الفنلندي، أنتي هاكاتين، قيادة برية جديدة لحلف شمال الأطلسي العام الماضي، مُكلفة بقيادة الدفاع عن شمال أوروبا في حال نشوب حرب.
أما السويد فعززت أمن المنطقة الأوروبية - الأطلسية بصورة ملحوظة بصفتها عضواً في حلف "الناتو". والمعروف أن السويد تمتلك إحدى كبرى القواعد الصناعية الدفاعية في أوروبا، حيث تُصدر مواد دفاعية تتجاوز قيمتها ملياري دولار. كذلك فإن موقع السويد في شبه الجزيرة الإسكندنافية يجعلها ذات أهمية إستراتيجية. إن فهم البحرية السويدية المباشر للتهديدات على طول ساحل بحر البلطيق الشاسع يُمكّن حلف الناتو من تحسين إستراتيجيته البحرية تجاه المنطقة.

لكن وربما هذا هو الأهم من ذلك، وهو أن فنلندا والسويد توفران لحلف "الناتو" نطاقاً جغرافياً واسعاً، فقد أشار توبياس بيلستروم الذي شغل منصل وزير الخارجية السويدي بين عامي 2022 و2024 إلى أن توسع "الناتو" نحو الشمال الأوروبي يُسهم في ربط مناطق الشمال الأقصى وشمال "الأطلسي" والبلطيق، وسيكون هذا أمراً حيوياً للحلف في مواجهته لروسيا التي تركز على توازن القوى أكثر من اهتمامها بالمعايير والقيم الدولية.
لم تكن السويد وفنلندا فقط من دول الشمال الأوروبي التي استشعرت الخطر القادم من الجانب الروسي، إذ ازداد قلق النرويج من بروز تنافس القوى العظمى وتزايد خطر سوء التقدير في الشمال الأقصى.
في العام الماضي، أطلقت الحكومة النرويجية خطتها الدفاعية الطويلة المدى التي تعطي الأولوية للقدرة العملياتية والوعي الظرفي على طول ساحلها الممتد بطول 83.281 كيلومتر. وفي إطار هذه المقترحات، أعلنت النرويج أنها ستنفق 600 مليار كرونة نرويجية (50.9 مليار يورو) على الدفاع خلال العقد المقبل.

لكن يظل السؤال ماذا عن بعض الدول الأوروبية العملاقة لا سيما ألمانيا؟ وما هي توجهاتها بالنسبة إلى مستقبل التعاطي مع روسيا- بوتين؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العسكرة الألمانية والمواجهة الروسية

في تطور هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، أسست ألمانيا في أوائل مايو الماضي، أول وحدة عسكرية دائمة لها خارج أوروبا، وذلك على الأراضي الليتوانية.
كان المستشار الألماني فريدريش ميرتس، هو من دشن تلك الوحدة، وهناك صرح بأن "هناك تهديداً لنا جميعاً من روسيا. نسعى إلى أن نحمي أنفسنا من هذا التهديد، لهذا السبب نحن هنا اليوم".

تهدف الكتيبة القتالية الثقيلة التي تضم 5 آلاف عنصر، وسيتم تأسيسها خلال الأعوام المقبلة، إلى تعزيز خاصرة حلف شمال الأطلسي الشرقية، وردع أي عمل عدائي روسي محتمل.

ولعل نشر وحدة عسكرية في الخارج بصورة دائمة أمر غير مسبوق في تاريخ القوات المسلحة الألمانية ما بعد الحرب، مما يفتح الباب واسعاً أمام تساؤل مثير، "هل هذا هو زمن العسكرة الألمانية في أوروبا في الأقل؟".

مرة جديدة تبدو متناقضات القدر حاضرة في هذه الجزئية، ذلك لأن ألمانيا تحديداً كانت البلد الأوروبي الأكثر ترشيحاً لنوع من أنواع الشراكة القوية مع روسيا، وقد كادت المودة الخاصة والعامة بين المستشارة السابقة ميركل والرئيس بوتين، تفتح الطريق أمام تعاون يزعج العم سام في الجانب الأميركي من "الناتو"، وبخاصة في ظل خطوط أنابيب الغاز الممتدة ما بين الدولتين من الشرق إلى الغرب.
غير أنه وفي أعقاب الأزمة الأوكرانية، والتدخل العسكري الروسي هناك، أعلن المستشار الألماني الأسبق، أولاف شولتز، رصد بلاده 100 مليار يورو لإعادة تسليح ألمانيا.

فهل كان هذا التسليح لمواجهة روسيا بنوع خاص؟

على رغم أن أي حديث عن تحديث للجيش الألماني، يعد شأناً مخيفاً لبقية الدول الأوروبية، لكن كان من الواضح أن تفكير ترمب بالإنسحاب من القواعد الأميركية في ألمانيا، لا سيما سحب المظلة النووية التي اعتُبرت حامية لعموم أوروبا طوال عقود الحرب الباردة، هو الدافع الرئيس لتعود ألمانيا لتفكر في عسكرة المشهد الأوروبي مرة جديدة.

والشاهد أن الحديث عن عسكرة ألمانيا، يُعتبر في حد ذاته مقلقاً جداً لروسيا، والسبب هنا يدركه الذين لهم علم من كتاب التاريخ الروسي، إذ إنه باستثناء المغول، جاءت جميع غزوات روسيا الأكثر تدميراً من الغرب، البولنديون، الفرنسيون، الألمان، وبالطبع كانت روسيا في حرب باردة كاملة مع استهدافها بأسلحة "الناتو" النووية.

على مدى الـ30 عاماً الماضية، كان القلق الأمني الرئيس لروسيا، الذي وحّد الساحة السياسية بأكملها من اليسار إلى اليمين، هو القلق من توسع "الناتو"، وإمكان محاصرتها بقواعد "الناتو"، وهو أمر أقر به الغرب، ويرى الغرب في هذا تهديداً وجودياً، مما يعني استعداده للقتال حتى النهاية.

 هل عسكرة ألمانيا أمر يخدم ردع روسيا؟

 الجواب المخيف هو على العكس من ذلك، بمعنى أنه يمكن أن يكون أداة محفزة للروس للمضي قدماً في طريق المواجهة العسكرية مرة جديدة مع الأوروبيين.

 على أن هناك جزئية بعينها، بدأ التساؤل يدور من حولها في الأيام الأخيرة وتتمحور حول إمكان تحول ألمانيا إلى قوة نووية تحوز أسلحة فتاكة.

بالطبع كانت القيود التي فُرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، تمنعها من ذلك، لكن اليوم ومع تصاعد التيار اليميني القومي في الداخل الألماني، بدأت الفكرة تُطرح على استحياء أول الأمر، ثم بقوة تالياً.
هنا كما يرى بعض المراقبين ستكون الخطورة الكبرى بالنسبة إلى روسيا... لماذا؟

يدرك الروس أنه بحال تمكن "الناتو" من حيازة أسلحة تقليدية شديدة الوقع والفاعلية، وبما يمكن أن يلحق بالجيش الروسي كبير الضرر، فإن الحل سيكون في اللجوء إلى تفعيل العقيدة النووية الروسية، تلك التي تسمح باستخدام أسلحة الدمار الشامل.

تعرف روسيا أن الأوروبيين يسعون جاهدين إلى بسط مظلة نووية على عموم قارتهم، مما تبدى أخيراً من خلال التنسيق الفرنسي- البريطاني، غير أن الأمر لا يخيفها، فمجموع ما لدى بريطانيا وفرنسا من رؤوس نووية لا يتجاوز الـ500 رأس نووي، بينما تمتلك روسيا قرابة 6 آلاف رأس معلن عنها.
هنا سيكون انضمام ألمانيا إلى النادي النووي الأوروبي والعالمي، هاجساً مضافاً لروسيا، مما يفتح الباب واسعاً للسؤال: هل الردع الأوروبي يخيف بوتين، أم أنه يدفعه في طريق سيناريو كرة الثلج، أي التعجيل بالصراع المتوقع والمحتمل في الحال والاستقبال؟

قد يكون الأمر مجرد "وهم حماية" كما يرى الكاتب الإيطالي، أليساندرو أورسيني، الذي يعتبر اللقاء الفرنسي – البريطاني الأخير، ليس أكثر من محاولة لإنشاء حاجز نفسي وهمي أمام احتمالية استخدام روسيا السلاح النووي في حال تدهور الوضع بصورة دراماتيكية في أوكرانيا.

ومعنى ذلك أن ما نشهده إذاً، ليس تصعيداً حقيقياً على مستوى القدرات، بل تصعيداً في مستوى الخطاب المُستخدَم لتخدير المخاوف الشعبية عبر تسويق "وهم الحماية"، أو بمعنى آخر فإنه "خداع إستراتيجي" موجه لعقل المواطن الغربي الذي بات عرضة للتضليل بفعل إعلام لا ينقل الوقائع بقدر ما يعيد إنتاج خطاب السلطة.

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات