ملخص
صدر القرار بمرسوم رئاسي تركي في الـ 20 من يوليو (تموز) الجاري ليضع حداً لشريان حيوي ظل ينقل الخام العراقي، ولا سيما من حقول كركوك وإقليم كردستان.
أعلنت تركيا رسمياً إنهاء العمل باتفاق خط أنابيب النفط العراقي -التركي الذي ظل سارياً لأكثر من نصف قرن، في تطور لافت وخطوة مدوية تعيد تشكيل خريطة الطاقة الإقليمية.
ويضع القرار الصادر بمرسوم رئاسي تركي في الـ 20 من يوليو (تموز) الجاري حداً لشريان حيوي ظل ينقل الخام العراقي، ولا سيما من حقول كركوك وإقليم كردستان إلى ميناء جيهان التركي على البحر الأبيض المتوسط، وسيدخل حيز التنفيذ رسمياً في الـ 27 من يوليو (تموز) 2026 بعد فترة انتقالية.
عقود من التوتر
وتعود جذور الأزمة إلى مارس (آذار) 2023 عندما أصدرت "غرفة التجارة الدولية" في باريس حكماً دولياً يلزم أنقرة بدفع تعويضات بقيمة 1.5 مليار دولار لبغداد نتيجة انتهاك تركيا اتفاق عام 1973 عبر سماحها لحكومة إقليم كردستان بتصدير النفط بصورة مستقلة من دون موافقة الحكومة المركزية في بغداد بين عامي 2014 و2018، وإثر هذا الحكم توقف ضخ النفط عبر الخط فوراً تحت ذريعة "المراجعة الفنية"، لكن المراقبين أدركوا أن الأسباب الحقيقية كانت أعمق وتمثلت في تصعيد قانوني وسياسي.
خسائر مليارية
وكانت تداعيات التوقف الأولية وخيمة، فبعد عامين من توقف الضخ قُدرت خسائر بغداد بأكثر من 19 مليار دولار حتى فبراير (شباط) الماضي، أما إقليم كردستان العراق الذي يعتمد على صادرات النفط بنحو 80 في المئة من موازنته السنوية، فقد تكبد خسائر تجاوزت ملياري دولار منذ مارس 2023، مما فاقم أزماته المالية.
ومع إعلان إنهاء الاتفاق سيواجه العراق تحديات مضاعفة في الاعتماد الكلي على موانئه الجنوبية لتصدير النفط، مما سيزيد كُلف النقل والشحن ويضغط على هوامش الربح، وبات البحث عن بدائل إستراتيجية أمراً حتمياً.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولم يكن قرار إنهاء الاتفاق القديم مجرد قطيعة بل بمثابة تمهيد لما تصفه أنقرة بـ "عهد جديد" من التعاون النفطي، وأكد مسؤول تركي رفيع أن بلاده تسعى إلى التفاوض على اتفاق إستراتيجي جديد تماماً لإعادة تشغيل الخط، مشدداً على أن الخط يحمل إمكانات هائلة ليكون "فعالاً وإستراتيجياً للغاية في المنطقة"، معتبراً أنه عنصر حيوي في مشاريع إقليمية كبرى مثل "طريق التنمية" الذي يربط العراق بتركيا.
وترى أنقرة أن هذه الخطوة ستعود بالنفع على كلا البلدين والمنطقة برمتها، من خلال إعادة تعريف تعاونهما النفطي ليناسب الظروف الاقتصادية والسياسية الراهنة.
مستقبل مبهم
وتبقى الكرة الآن في ملعب المفاوضات، فبينما تسعى تركيا إلى ترسيم إطار قانوني جديد يضمن مصالحها بعد التحكيم، يجد العراق نفسه أمام خيارات صعبة، فهل ستثمر المفاوضات عن اتفاق يلبي طموحات كلا الطرفين، أم أن بغداد ستلجأ إلى خيارات بديلة مثل إحياء خط أنابيب العراق - سوريا (بانياس) على رغم العقبات الكبيرة، أو حتى اللجوء مجدداً للتحكيم الدولي في قضايا مستقبلية؟
وتبقى الشكوك قائمة حول حجم المرونة التي سيبديها الطرفان، ولا سيما مع التحديات التي يواجهها إقليم كردستان، لكن الأكيد أن توقف هذا الشريان النفطي التاريخي يمثل منعطفاً حاسماً يدفع كلا البلدين نحو إعادة تقييم شاملة لعلاقاتهما النفطية والإستراتيجية في مشهد طاقة عالمي دائم التغير.