Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف تستغل مصر حديث ترمب عن سد النهضة؟

تصريحات الرئيس الأميركي الغامضة عن السد لم ترد عليها القاهرة ومتخصصون يرونها فرصة لإعادة الولايات المتحدة وسيطاً وحلحلة الأزمة قبل افتتاحه رسمياً

كانت الإدارة الأميركية الجمهورية بقيادة ترمب الأكثر انخراطاً في ملف سد النهضة (أ ف ب)

ملخص

الرئيس الأميركي يريد تحقيق إنجاز يضاف إلى أسباب يراها تؤهله لجائزة نوبل للسلام، وملف سد النهضة ينتظر تحركاته لإقرار اتفاق قانوني ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان. فهل تتحرك مصر لإثارة الملف من جديد؟

منذ ولايته الأولى يتوق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الفوز بجائزة نوبل للسلام، وبعد بضعة أشهر من عودته إلى البيت الأبيض، خرجت رغبة ترمب من إطار التقارير الإعلامية وتصريحات المسؤولين إلى حديثه شخصياً عن أنه لن يحصل على الجائزة على رغم دوره في إحلال السلام في قضايا عالمية، مثل اشتباكات الهند وباكستان وتوسطه في اتفاق بين رواندا والكونغو الديمقراطية.

لكن اللافت في حديث ترمب الذي جاء في تدوينة عبر منصته "تروث سوشيال" أنه نسب لنفسه الفضل في "الحفاظ على السلام بين مصر وإثيوبيا" على رغم الخلاف في شأن سد النهضة الإثيوبي، مما أعاد إحياء ملف السد الذي يشهد جموداً في مسار التفاوض منذ عامين، وفتح باب التساؤل حول مدى إمكانية استغلال مصر رغبة ترمب بجائزة نوبل للسلام في دفعه إلى الوساطة باتجاه التوصل إلى اتفاق في شأن السد، كثيراً ما رفضته إثيوبيا.

وقال الرئيس الأميركي إن السد الإثيوبي الضخم يمنع تدفق المياه في نهر النيل، كاشفاً للمرة الأولى أن الولايات المتحدة مولت "بغباء" السد. ولم تعلق مصر رسمياً على تلك التصريحات، فيما نفى المدير العام لمكتب تنسيق المشاركة العامة في سد النهضة أريجاوي برهي ادعاءات ترمب حول تمويل السد التي وصفها بـ"المشينة"، حسب تصريحاته إلى صحف محلية. وأكد برهي أن السد ممول من الحكومة الإثيوبية وتبرعات الشعب ومساهمات المغتربين وشراء السندات الحكومية.

أحلام نوبل: هل ينوي ترمب الوساطة مجدداً؟

لا يعد ترمب غريباً عن ملف السد الإثيوبي، فقد كانت إدارته الأولى (2017-2020) الأكثر انخراطاً في مسار مفاوضات السد الإثيوبي، مقارنة بالإدارتين الديمقراطيتين للرئيسين باراك أوباما وجو بايدن، إذ دخلت الولايات المتحدة خلال نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 للمرة الأولى على خط الأزمة بفاعلية، من خلال دعوة الأطراف الثلاثة إلى الاجتماع في واشنطن بحضور وزير الخزانة الأميركي ورئيس البنك الدولي، وصدر بيان مشترك في ختام الاجتماع بالتوافق على عقد أربعة اجتماعات عاجلة لوزراء مياه مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة ممثلي الولايات المتحدة والبنك الدولي، تنتهي بالتوصل إلى اتفاق حول ملء سد النهضة، وتشغيله خلال شهرين بحلول منتصف يناير (كانون الثاني) 2020.

وبالفعل عقدت الاجتماعات الأربعة وفق تلك الصيغة في عواصم الدول الثلاث بين نوفمبر 2019 ويناير 2020، لكنها لم تسفر عن شيء، لتتدخل واشنطن مجدداً باستضافة وفود أطراف الأزمة لتقييم نتائج الاجتماعات الأربعة خلال الـ15 من يناير 2020، مما أثمر توافقاً مبدئياً على إعداد خريطة طريق تتضمن ستة بنود، أهمها بالنسبة إلى مصر تنظيم ملء السد خلال فترات الجفاف والجفاف الممتد، وفي نهاية ذلك الشهر جرى الاتفاق على التوقيع على تفاهم في غضون 30 يوماً.

وعلى رغم الوتيرة المتسارعة باتجاه التوصل إلى اتفاق بعد التدخل الأميركي، تراجعت أديس أبابا معلنة عدم مشاركتها في الاجتماعات المقررة لتوقيع الاتفاق النهائي في واشنطن، الذي كان من المنتظر توقيعه بنهاية فبراير (شباط) 2020، مما دعا مصر إلى توقيع الاتفاق منفردة بالأحرف الأولى.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

واعتبر مساعد وزير الخارجية المصري السابق السفير رخا أحمد حسن أن تصريح ترمب الأخير عن سد النهضة "كان مفاجئاً"، مشيراً إلى أن تحركاته ضمن ولايته الأولى "لم تكن جادة"، إذ أوكل مهمة الوساطة إلى وزير الخزانة بدلاً من وزير الخارجية، ولم يضغط على إثيوبيا للتوقيع على الاتفاق الذي جرى التوصل إليه في واشنطن، ووقعته مصر بالأحرف الأولى.

وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية"، تساءل مساعد وزير الخارجية المصري السابق عما إذا كانت تصريحات ترمب تشير إلى نيته القيام بدور في التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم في شأن السد، في ظل رفض إثيوبيا التوقيع سوى على مذكرة تفاهم غير ملزمة، أم أن واشنطن تريد إثارة موضوع جديد مع القاهرة في ظل التوتر بين البلدين في شأن ملف تهجير الفلسطينيين، وهي القضية المرفوضة تماماً من جانب مصر، أم أن ما ذكره مجرد "خاطر ورد على ذهن ترمب"؟

وأضاف رخا أنه إذا كان ترمب ينوي الوساطة في هذا الملف عليه التنسيق مع إثيوبيا، ثم إبلاغ مصر بذلك عبر القنوات الدبلوماسية، مع وضع هدف للمفاوضات، وألا يكون التفاوض هدفاً في حد ذاته. وتوقع أن يقوم السفير المصري في واشنطن بسؤال المسؤولين الأميركيين عما كان يقصده ترمب من الحديث عن سد النهضة، مؤكداً أن أية وساطة يجب أن تكون من دون شروط، وبخاصة في شأن الملف الفلسطيني، لأن أي حديث عن التهجير مرفوض تماماً.

وخلال أكتوبر (تشرين الأول) 2020، أطلق ترمب تصريحه الأشهر بأن مصر "سوف تفجر السد"، إذ قال خلال مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء السوداني آنذاك عبدالله حمدوك "إن الوضع خطر للغاية، لأن مصر لن تكون قادرة على العيش بهذه الطريقة. وسينتهي بهم الأمر بتفجير السد. وقلتها، وأقولها مجدداً وبصوت عالٍ وواضح، سيفجرون ذلك السد. عليهم أن يفعلوا شيئاً ما". لكن الدبلوماسي المصري السابق اعتبر تلك التصريحات عديمة القيمة وللاستهلاك الإعلامي، ولا تعبر عن حقيقة ما قيل في الغرف المغلقة من رفض لأي تحرك مصري خشن تجاه السد.

مصر تحتاج إلى اتفاق... وهذا ما يجب فعله

يرى خبير السياسات الدولية أشرف سنجر أن ترمب سيتحرك باتجاه حل أزمة سد النهضة، مؤكداً أن ذلك يتخطى مجرد الرغبة في الحصول على جائزة نوبل، إلى اقتناع لدى الرئيس الأميركي بضرورة إعادة صياغة العلاقات مع مصر باعتبارها "قوة إقليمية مؤثرة"، في ظل التنافس الصيني-الأميركي على استقطاب القوى الإقليمية الكبرى، ورغبته في تجنب انحياز مصر إلى المعسكر الصيني.

وقال الأكاديمي المقيم في الولايات المتحدة لـ"اندبندنت عربية" إن ترمب خلال ولايته الأولى كان مقتنعاً بضرورة التوصل إلى اتفاق في شأن سد النهضة، لأنه كان يريد تجنب انزلاق الأمور إلى مزيد من الصراع، إضافة إلى رغبته في إعادة صياغة علاقة الولايات المتحدة مع دول مركزية في العالم مثل مصر، في ضوء رؤية ترمب بأن للقاهرة دوراً كبيراً في صياغة العلاقات بين القوى العالمية الكبيرة مع القوى "الإقليمية" الكبيرة، ويضاف إلى ذلك تقارب رؤية ترمب مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي حول التركيز على التنمية وعدم حل النزاعات بالقوة.

وتوقع سنجر أن تتغير سياسات ترمب إيجاباً تجاه مصر في المستقبل القريب، وأن لا تؤثر قضية تهجير الفلسطينيين من غزة في ذلك النهج، وبخاصة أن القاهرة لن توافق على التهجير، ويوافقها في ذلك الرأي الدول الأوروبية والقوى الخليجية الكبرى.

من جانبه، يقول أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة عباس شراقي إن حاجة مصر إلى اتفاق قانوني "لا تزال قائمة"، حتى بعد إكمال الملء الأول لبحيرة السد، إذ ستقوم إثيوبيا خلال المرحلة المقبلة بتشغيله لتوليد الكهرباء، وستضطر إلى تفريغه جزئياً لملئه مجدداً بمياه الأمطار، بالتالي لا يمكن لمصر أن تبقى غير عالمة بكميات المياه التي ستصل إليها، إضافة إلى الوصول لتوافق في شأن أعوام الجفاف. وأشار إلى أن الوصول إلى اتفاق في شأن سد النهضة يضمن لمصر أن أي مشروع مائي آخر تبنيه إثيوبيا سيخضع لاتفاق مماثل، في ظل وجود خطط قديمة لإنشاء ثلاثة سدود كبرى أخرى حجمها مقارب لسد النهضة، إضافة إلى سدود صغيرة.

وأعلنت القاهرة خلال ديسمبر (كانون الأول) 2023 انتهاء المسار التفاوضي في شأن السد الإثيوبي، بسبب "استمرار المواقف الإثيوبية الرافضة عبر الأعوام الماضية الأخذ بأي من الحلول الفنية والقانونية الوسط، التي من شأنها تأمين مصالح الدول الثلاث"، وفق بيان لوزارة الري المصرية.

وقال شراقي لـ"اندبندنت عربية" إنه طالما الرئيس الأميركي أثار ملف سد النهضة، فعلى الخارجية المصرية التحرك لإثارة الملف من جديد، وإعادة الولايات المتحدة وسيطاً، مؤكداً أن واشنطن لو توافرت لديها الإرادة السياسية للضغط على إثيوبيا سيحدث التوصل إلى اتفاق خلال وقت قصير، وإذا كان ترمب جاداً في ولايته الأولى لوقعت إثيوبيا الاتفاق مع مصر والسودان، لكنه انشغل لاحقاً بجائحة كورونا والانتخابات الرئاسية 2020.

وعاقبت إدارة ترمب الحكومة الإثيوبية على "التعنت" في ملف سد النهضة، خلال سبتمبر (أيلول) 2020، من خلال تعليق مساعدات بقيمة 272 مليون دولار مخصصة لأديس أبابا. لكن الموقف الأميركي انقلب بعد شهر واحد من رحيل ترمب عن البيت الأبيض، فألغت إدارة جو بايدن خلال فبراير 2021 ربط المساعدات الأميركية لإثيوبيا بموقفها من سد النهضة. واكتفت إدارة بايدن على مدى نحو أربعة أعوام بالدعوة إلى حل تفاوضي للأزمة من دون تحرك جدي للضغط على إثيوبيا، وفق مراقبين.

مأتم في القاهرة وفرح بأديس أبابا

واعتبر شراقي أن من مصلحة مصر استغلال إثارة ترمب للملف، لأن افتتاح إثيوبيا السد رسمياً سيجعل هناك احتفالات في أديس أبابا و"مأتم" في القاهرة، وبخاصة أن إثيوبيا قامت بعدة مراحل لملء السد وتركيب التوربينات من طريق "إجبار مصر على الأمر الواقع".

وخلال مارس (آذار) الماضي، أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن الافتتاح الرسمي لسد النهضة سيكون خلال الستة أشهر المقبلة، متزامناً مع مطلع العام الإثيوبي الجديد الذي يوافق سبتمبر المقبل. وأعلنت حكومة إثيوبيا خلال أبريل (نيسان) الماضي اكتمال 98.66 في المئة من بناء سد النهضة، وتشغيل ست وحدات توليد كهربائي.

وأشار شراقي إلى أن ترمب لم يكن السبب في عدم تفجر صراع كبير بين مصر وإثيوبيا، مثلما قال ضمن تصريحاته الأخيرة، واستدرك أنه إذا كان الرئيس الأميركي يريد تحقيق إنجاز يضاف إلى أسباب يراها تؤهله لجائزة نوبل للسلام، فملف سد النهضة ينتظر تحركاته لإقرار اتفاق قانوني ملزم بين مصر وإثيوبيا والسودان.

ومنذ ولايته الأولى يلوح ترمب بما يرى أنها أحقية في الحصول على جائزة نوبل للسلام، إذ قال عام 2019 إنه يستحق الجائزة لأشياء كثيرة "إذا منحوها بصورة عادلة، وهو ما لا يحدث"، وهاجم منح الرئيس السابق باراك أوباما جائزة نوبل للسلام عام 2009، قائلاً إن أوباما "لم يكن لديه أية فكرة عن سبب حصوله عليها". ورشح سياسيون أوروبيون ترمب للجائزة خلال فترة رئاسته الأولى لكنه لم يفز بها.

مستشار الأمن القومي في إدارة ترمب الأولى قال إن ترمب يرى أنه طالما حصل أوباما على الجائزة خلال وقت مبكر من ولايته، "فيجب أن يحصل عليها أيضاً".

وبعد عودته إلى البيت الأبيض، عاد الحديث عن إمكانية حصد ترمب جائزة نوبل للسلام من جانب مسؤولي إدارته، فخلال فبراير الماضي، قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في تصريحات تلفزيونية إن محاولة ترمب إنهاء الحرب داخل أوكرانيا تجعله يستحق جائزة نوبل. وقال مستشار الأمن القومي خلال ذلك الوقت مايك والتز "في نهاية المطاف، سيكون اسم دونالد ترمب بجوار جائزة نوبل".

وأبدى ترمب صراحة اقتناعه بأنه يستحق "نوبل" للسلام، خلال تصريحات للصحافيين خلال استقبال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فبراير الماضي، لكنه استدرك "لكنهم لن يعطوني إياها أبداً".

وأعلنت باكستان السبت الماضي أنها سترشح الرئيس الأميركي للحصول على جائزة نوبل للسلام، بسبب مساعدته في إنهاء أحدث صراع بين الهند وباكستان.

ويعلَن عن الفائز بجائزة نوبل للسلام خلال أكتوبر المقبل، فيما أغلق باب الترشيحات في يناير الماضي.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير