"حماس" مأزومة مالياً فهل ينقذها الـ "بتكوين"؟

تعترف حماس صراحةً الآن، بأنها تمُرّ بأزمة مالية كبيرة، إذ وصلت نسبة البطالة في ظل سيطرتها على غزّة إلى أكثر من 75 في المئة.

فلسطينيون غير قادرين على دفع ديونهم يقبعون في زنزانات تابعة للحكومة الموازية التي شكلتها "حماس" في غزة (غيتي)

بين جوانب شوارع غزّة القديمة، يتجوّل محمد مراقباً السوق، ويسأل عن أسعار الخضر والفاكهة من دون أن يلمسها، يَعلَق بصره بحبات الفراولة التي تلمع كلما لامستها أشعة الشمس، لكنه لا يقوى على الشراء، بل يكتفي بالسؤال والمغادرة.

محمد ضاهر (44 سنة) موظف في الحكومة الموازية التي شكلتها حركة حماس في قطاع غزة، يعيل أسرة من 11 فرداً، لا يستطيع تلبية حاجاتهم الأساسية، راتبه 1700 شيكل، أي ما يعادل 500 دولار أميركي، لكنه في الواقع يتقاضى 40 في المئة من قيمة هذا الراتب.
حياة ضاهر تشبه حياة 40 ألف موظف "رسمي" يتبعون الآن الحكومة الموازية التابعة لـ"حماس" التي تسيطر على غزّة منذ انقلابها على السلطة في العام 2007.
وتعترف حماس صراحةً الآن بأنها تمُرّ بأزمة مالية كبيرة، ومَن يدقق جيداً في الوضع الاقتصادي للقطاع يدرك مدى عمق الأزمة التي تمر بها الحركة، إذ وصلت نسبة البطالة في ظل سيطرتها على غزّة إلى أكثر من 75 في المئة، في حين ارتفعت نسبة الفقر المدقع بين المواطنين إلى 64 في المئة، وقاربت نسبة الانعدام الغذائي الـ 70 في المئة.
"حماس" مأزومة باعتراف قياداتها، بعد وقف الممولين التقليديين تحويل مبالغ مالية إليها، وعجزها عن إدخال الأموال إلى القطاع بسبب الحصار المفروض منذ 12 سنة، فضلاً عن قطع المؤسسات الدولية مساعداتها الإغاثية عنها، ووضعها على لوائح الإرهاب الأميركية.
كذلك تواجه "حماس" التزاماً مالياً لـ40 ألف موظف مقداره 30 مليون دولار، لا تستطيع أن توفر منها سوى 10 ملايين، من خلال الجباية والضرائب الداخلية، التي فرضتها أخيراً على فقراء غزّة.
ولمحاولة الهروب من هذه الأزمة، أعلنت أخيراً نيتها فتح باب التقاعد أمام موظفيها لعلّها تحاول تخفيف أزمتها الاقتصادية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

 

أمّا "حماس" نفسها فلها موازنة مالية خاصة خارجة عن موازنة الحكومة، لكنّها في الواقع لا تعلن أعداد المنتسبين إليها في الجناحَين السياسي والعسكري، ولا ماليّتها.
صرح أحمد يوسف، المستشار السياسي السابق لرئيس المكتب السياسي لـ "حماس" إسماعيل هنية، لـ "إندبندنت عربية" "لا توجد حالياً أموال تأتي من الخارج للحركة، ولكن هناك جهوداً إغاثية من المؤسسات الخيرية، وهي متواضعة قياساً على ما كان يأتي في السابق".
وكانت "حماس" تتلقى تمويلاً من مصادر عدّة، في مقدمها تركيا التي تمر اليوم في أزمة مالية كبيرة، بعد القرارات الأميركية تجاهها، فضلاً عن التزامها اتفاقاً مع إسرائيل. ويلاحظ مراقبون أن العلاقات الإسرائيلية - التركية تطورت أخيراً.
أما قطر المحاصَرة فدفعت في السابق أموالاً مباشرةً للحركة، لكنها تسلك الآن طريقاً مختلفاً، هو الدفع للأسر المستورة ولذوي الدخل المحدود، في حين يتهمها كثيرون بتنفيذ أجندات أميركية وإسرائيلية.
كذلك اعتمدت حماس في جزء من تمويلها على مساعدات من إيران التي تعيش بدورها أزمةً مالية كبيرة.
يوضح القيادي في "حماس" أحمد يوسف أن الدول التي تقدم التمويل الحالي يأتي على شكل مساعدات إغاثية للقطاع وليس للحركة، وهذا ما يؤثر سلباً في موازنة "حماس" ويشدّ خناق الأزمة المالية عليها.
ويقول يوسف إن الدول التي تقدم مساعدات هي الإمارات بقيمة 15 مليون دولار أميركي من خلال "مؤسسة التكافل" لذوي الدخل المحدود ولمشاريع صغيرة، وقطر التي تدفع للأسر الفقيرة، فضلاً عن تركيا التي تقتصر مساعداتها على الجانب الإنساني.
وأكّد يوسف أنّ الوضع الاقتصادي للحركة كارثي جداً، إذ بعد القرارات الأميركية، تجد الدول الداعمة لـ"حماس" حرجاً في تقديم المساعدات رسمياً لها، مشيراً إلى أن حجم الضغوط الاقتصادية عليها أكبر من قدراتها.
"البتكوين الحمساوي"
الأزمة التي تعانيها حماس تتجاوز مؤسساتها لتصل إلى ذراعها العسكري، الذي ينتمي إليه نحو 20 ألف مسلح وفق أحدث التقديرات، والذي وضع ضمن برامجه، العمل على زيادة التحصينات العسكرية، وبناء الأنفاق، وتطوير منظومة الصواريخ وزيادة أعدادها ومداها، إضافة إلى التسليح.
وتستنزف "كتائب عزّ الدين القسام"، الجناح العسكري لـ "حماس"، التي تعيش أزمة مالية خانقة، أكبر جزء من موازنة الحركة، لبناء منظومتها، فلجأت أخيراً لإطلاق نداء استغاثة على لسان الناطق باسمها أبو عبيدة للتبرع من خلال عملة "البتكوين" الرقمية.
يذكر أن "كتائب القسّام" اعتمدت في موازنتها على الأنفاق التجارية الحدودية مع مصر التي كانت تُدرّ عليها نحو مليار دولار أميركي شهرياً، لكن قرار مصر تدميرها، أفقدها أهمّ منابع التمويل الذاتي.
كذلك خسرت "كتائب القسّام" جزءاً كبيراً من التمويل الإيراني، واعترف كل من الناطق باسمها أبو عبيدة ورئيس المكتب السياسي إسماعيل هنية بأن الخسارة تُقدَّر بملايين الدولارات شهرياً.
إلا أن الـ "بتكوين" عملة افتراضية لا تخضع للمراقبة في ظل النظام المالي العالمي، على الرغم من وجود سياسة دولية تسعى إلى تجفيف ما يسمى منابع الإرهاب.
وقال الخبير الاقتصادي سمير أبو مدللة إن الخيارات أمام "القسام" في اعتماد عملة الـ "بتكوين" للتبرع محدودة جداً، وتتمثل في تحويله إلى دولار ثمّ إرساله لأشخاص في غزّة، وهذا ما يعني العودة إلى نقطة الرقابة نفسها على الأموال.
وتابع أبو مدللة "الخيار الثاني هو استخدام البتكوين في شراء بضائع تورّد إلى قطاع غزّة، وبيعها في الأسواق، وهذه قد تكون أنجح الخيارات، لكن القطاع في الحقيقة مأزوم اقتصادياً".
ويجد المتابع للأسواق في غزّة أن "حماس" لجأت أخيراً إلى الاتفاق مع تجارٍ لتسهيل دخول البضائع وبيعها في القطاع، إضافة إلى وجود أسواق تجارية عدة تابعة لها، تبيع البضائع بأسعار أقل من أسعار السوق، وقد يكون هذا الحل الأمثل لـ "القسام" لمواجهة أزمته المالية.

المزيد من العالم العربي