Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما تأثير حرب الطلاب الأجانب في سمعة أميركا عالميا؟

تكثيف التقييد الأمني سيكون مدمراً للجامعات وصورة الولايات المتحدة

يرى الرئيس السابق لجامعة "هارفرد" لاري سامرز أن حظر الطلاب الدوليين أو تكثيف التقييد الأمني لهم سيكون مدمراً (أ ف ب)

ملخص

على رغم وطأة ارتفاع كلف الدراسة بصورة مستمرة على الطلاب المحليين واعتقادهم أن المتقدمين الدوليين يؤثرون سلباً على فرصهم في الالتحاق بالجامعة أو الكلية التي يختارونها، فإن الموازنة بين العاطفة والواقع أمر مطلوب، لأن تزايد أعداد الطلاب الدوليين، ظل يمثل اتجاهاً إيجاباً في قائمة طويلة من التحولات الديموغرافية التي أسهمت تاريخياً في تشكيل الجامعات الأميركية نحو الأفضل.

مع قرار الخارجية الأميركية تعليق المقابلات الخاصة بمنح التأشيرات للطلاب الأجانب في الخارج تزامناً مع تشديد إدارة الرئيس دونالد ترمب إجراءاتها التقييدية ضد جامعة "هارفرد" التي تعد أبرز وأقدم جامعة أميركية، يتخوف مراقبون من التأثير المدمر لهذه السياسة في سمعة الولايات المتحدة حول العالم؟ فما أسباب الأزمة؟ ولماذا تتفاقم أزمة الطلاب الأجانب؟ وما تداعياتها المحتملة على أكثر من مليون طالب أجنبي يدرسون بالجامعات الأميركية بمن فيهم أكثر من 36.5 ألف طالب عربي؟

صدمة واسعة

تسبب قرار وزارة الخارجية الأميركية بوقف المقابلات الخارجية موقتاً للطلاب الأجانب المتقدمين للحصول على تأشيرات الدراسة والتبادل بهدف التوسع في التدقيق بما ينشره المتقدمون على مواقع التواصل الاجتماعي، في صدمة واسعة، ليس فقط للطلاب الذين تساورهم الشكوك حول مسار استكمال تعليمهم المستقبلي في الولايات المتحدة، بل أيضاً في الأوساط الأكاديمية الأميركية التي ترى الآن تشدداً أوسع في إجراءات إدارة ترمب التي من شأنها أن تلحق الضرر بالجامعات، حيث يشكل هؤلاء الطلاب جزءاً كبيراً من إيراداتها السنوية، والمجتمعات المحلية التي تعتمد جزئياً عليهم، وبسمعة الولايات المتحدة حول العالم وسط منافسة دول أخرى، وتقدم أميركا العلمي، إذ يشكل الطلاب الأجانب معظم الباحثين في التخصصات العلمية.

وما يزيد من المخاوف أن التدقيق في محتوى وسائل التواصل الاجتماعي للطلاب المتقدمين منذ عام 2019، والذي قد يؤثر كذلك على الأساتذة الزائرين، يتزامن مع حملة الرئيس ترمب لإجبار جامعة "هارفرد" ومؤسسات أخرى على تقييد ما يمكن قوله في الحرم الجامعي، وبخاصة على الخطاب المعادي لإسرائيل في سياق حربها على قطاع غزة، وهو ما يعتبره النقاد حرباً شرسة لقمع حرية التعبير وتعزيز التوافق الأيديولوجي على شاكلة تتناسب مع ما ترغب به إدارة الرئيس ترمب.

 

كما يثير قرار وزارة الخارجية الأميركية بالعمل مع وزارة الأمن الداخلي لإلغاء تأشيرات الطلاب الصينيين بصورة صارمة، بمن فيهم أولئك الذين تربطهم صلات بالحزب الشيوعي الصيني، أو الذين يدرسون في مجالات تكنولوجية أو علمية حيوية، قلقاً مماثلاً نظراً إلى ربط العملية التعليمية بالدوافع السياسية، فضلاً عما يشكله عدد الطلاب الصينيين في الجامعات الأميركية من أهمية، إذ بلغ عددهم 277398 طالباً في العام الدراسي 2023 – 2024، مما جعلهم مع الطلاب القادمين من الهند 331602 يشكلون نحو 54 في المئة من إجمالي الطلاب الأجانب (الدوليين) في أميركا.

انعكاسات التقييد الأمني

ومع إنهاء إدارة ترمب الشهر الماضي وضع الهجرة لآلاف الطلاب الدوليين المدرجين في قواعد البيانات الحكومية، مما يعني أنهم لم يعودوا يحملون تصريحاً قانونياً للإقامة في البلاد، رحل بعض الطلاب من تلقاء أنفسهم بدلاً من مواجهة الترحيل، مما يهدد بجعل الولايات المتحدة وجهة أقل جاذبية بحسب ما يقول نائب رئيس جامعة "ميريلاند" ديفيد دي ماريا، بخاصة أن الأبحاث الحديثة تظهر أن معظم الطلاب الدوليين الذين يفضلون الدراسة في الولايات المتحدة، هم على استعداد أيضاً لتغيير تفضيلاتهم مع تطبيق دول أخرى سياسات أكثر تسهيلاً في التأشيرات وتخطط لأن تكون بديلاً مناسباً عن الولايات المتحدة مثل ألمانيا وكوريا الجنوبية.

ويستغرب أكاديميون وباحثون في الجامعات الأميركية عمليات التشديد الأمني على الطلاب الدوليين نظراً إلى مستوى التدقيق والمراقبة الحالي المفروض عليهم في الولايات المتحدة، حيث يخضعون، بالفعل، لفحص مكثف ومراقبة مستمرة، وتشمل هذه الإجراءات مراجعات أمنية وطنية تجريها مختلف وكالات الاستخبارات وإنفاذ القانون قبل منحهم تأشيرة السفر، وعند وصولهم إلى الولايات المتحدة، يخضعون لفحص جديد من قبل مسؤول من الجمارك وحماية الحدود الأميركية، وإذا لم يتمكن الضابط من التحقق من أي معلومة، يرسل الطالب إلى التفتيش الثانوي، وهو منطقة أمنية ينتظر فيها الطالب ريثما يكمل ضباط آخرون التقييم الإضافي، عندها إما أن يقبل الطالب في الولايات المتحدة أو يجبر على مغادرة البلاد.

وفي حال السماح للطالب بدخول البلاد، تظل المراقبة مستمرة في أثناء وجوده داخل الولايات المتحدة، حيث يجب على الطلاب التسجيل بدوام كامل، والحصول على درجات جيدة، وإخطار جامعتهم في غضون 10 أيام بأي تغييرات جوهرية تطرأ على ظروفهم أو إقامتهم، كما يجب على الطلاب المشاركين في برامج التدريب الموقتة لما بعد التخرج الاستمرار في الامتثال لمتطلبات إبلاغ الجهات المسؤولة بوضعهم ومقار سكنهم، ويخضع بعض خريجي العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات لمتطلبات إضافية مثل التصديق على خطط التدريب، والتقييمات السنوية، والزيارات الميدانية.

 

نعمة مهددة

ومع أحدث محاولات إدارة ترمب استهداف جامعة "هارفرد"، وعدد لا يحصى من مؤسسات التعليم العالي الأميركية الرائدة الأخرى التي رحبت بالطلاب الدوليين على مدى قرون، أصبح هؤلاء الطلاب مهددين ومطاردين بعدما كانوا نعمة كبيرة للولايات المتحدة في الداخل والخارج كما يشير مدير مركز السياسة الأميركية بجامعة "كاليفورنيا" توماس غيفت بالنظر إلى المزايا العديدة التي تلازم وجود وتخرج الطلاب الأجانب في الجامعات الأميركية.

تستضيف الولايات المتحدة 16 في المئة من إجمال الطلاب الذين يدرسون خارج وطنهم حول العالم، وهي نسبة تتضاءل، بالفعل، وسط منافسة ضارية، إذ كانت نسبة هؤلاء 22 في المئة عام 2014، و28 في المئة عام 2001، وفقاً لمعهد التعليم الدولي، ولهذا تنذر الإجراءات المتتالية من إدارة ترمب بمزيد من التراجع خلال السنوات القليلة المقبلة.

ومن بين أكثر من مليون و120 ألف طالب دولي كانوا موجودين في الولايات المتحدة خلال العام الدراسي 2023-2024، جاء 54 في المئة منهم من الصين والهند، بينما احتلت دول أخرى مراتب متقدمة بعشرات الآلاف من الطلاب مثل كوريا الجنوبية وتايوان وكندا ونيجيريا والبرازيل والمكسيك واليابان والسعودية وبريطانيا وإيران.

ووفقاً للمعهد الدولي للتعليم في الولايات المتحدة شارك طلاب الدول العربية بنسبة جيدة، فقد احتلت السعودية الصدارة بعدد 14828 طالباً تليها الكويت 5102، ثم مصر 4280، والأردن 2643، ولبنان 1987، والمغرب 1784، وعمان 1748، والإمارات 1571، وتونس 717، والعراق 476، والضفة الغربية وغزة 466، والسودان 395، وقطر 388، وسوريا 385، وليبيا 365، والجزائر 364، والبحرين 335، واليمن 256، والصومال 117، وجيبوتي بعدد تسعة طلاب.

سمعة أميركا على المحك

يرى الرئيس السابق لجامعة "هارفرد" لاري سامرز، أن حظر الطلاب الدوليين أو تكثيف التقييد الأمني لهم سيكون مدمراً، ليس فقط للجامعات، بل لصورة الولايات المتحدة في العالم، حيث كانت الجامعات الأميركية منارة يحتذى بها، وبسبب سياسة ترمب الخارجية "أميركا أولاً" التي تميل نحو الانعزالية، ومهاجمة رئيسها للمؤسسات متعددة الأطراف، وإظهاره عدم احترامه لحلفائه، فإن هذا الصراع الأخير مع جامعة "هارفرد" والجامعات الأخرى قد يضعف صورة الولايات المتحدة الدولية أكثر فأكثر.

ويهدد سمعة أميركا كون أفضل الجامعات في الولايات المتحدة تعد أيضاً عنصراً أساساً في ما سماه عالم السياسة الراحل في جامعة "هارفرد"، جوزيف ناي "القوة الناعمة" التي تتعلق بكيفية تأثير الولايات المتحدة على العالم بدلاً من استخدام الرصاص والدبابات، وهو نهج في العلاقات الخارجية يبرز الثقافة الأميركية من خلال كسب القلوب والعقول.

ومن خلال هذه القوة واستقطاب الطلاب من مختلف دول العالم، تهيمن الجامعات الأميركية على جداول التصنيفات الدولية، مثل تصنيفات "كيو إس" العالمية، حيث توجد 10 جامعات أميركية من بين أفضل 25 جامعة حول العالم، مما يجعل الجامعات بمثابة سفراء رئيسين للولايات المتحدة، وبخاصة جامعات النخبة الثماني المعروفة باسم جامعات "آيفي ليغ"، والتي أصبحت علامة تجارية بحد ذاتها وهي "هارفرد"، و"كولومبيا"، و"ييل"، و"كورنيل"، و"ستانفورد"، و"برينستون"، و"براون"، و"بنسلفانيا"، و"دارتموث".

خسائر اقتصادية

ولا تتوقف الخسائر المحتملة على سمعة الولايات المتحدة، حيث يدفع الطلاب الدوليون رسوماً دراسية أعلى بكثير من الطلاب الأميركيين، وتدعم هذه الأموال البرامج الأكاديمية والطلابية للطلاب الأميركيين، ما يمكن الجامعات من الحفاظ على المعايير العالية التي تشتهر بها، وتظهر البيانات الحديثة الصادرة عن جمعية المعلمين الدوليين أن الطلاب الدوليين في الكليات والجامعات الأميركية أسهموا بمبلغ 43.8 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي خلال العام الدراسي 2023-2024، ودعموا أكثر من 378 ألف وظيفة.

كما يعد التعليم العالي عاشر أكبر صادرات أميركا، وفقاً لمكتب التحليل الاقتصادي، وعلى رغم أن الطلاب يأتون إلى الولايات المتحدة للدراسة، فإن الاقتصاديين يعتبرونه تصديراً، وفي العام الماضي، استقطبت الكليات والجامعات الأميركية طلاباً دوليين من 217 دولة ومنطقة، من بينهم طالب واحد من نيوي، وهي جزيرة في جنوب المحيط الهادئ، وتجاوزت مساهماتهم الاقتصادية قيمة صادرات الولايات المتحدة من خدمات الاتصالات والكمبيوتر والمعلومات مجتمعة.

وإذا بقي الطلاب الدوليون في أوطانهم أو ذهبوا إلى مكان آخر، فهذه أخبار اقتصادية سيئة للمدن والبلدات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، كما كتب أستاذ التمويل والتجارة في جامعة "بوسطن" بارنيت شيرمان، لأنه من خلال الأموال التي ينفقونها على الرسوم الدراسية والطعام والسكن وغيرها، يضخ الطلاب الدوليون المال في الاقتصاد المحلي، ويخلقون وظائف جديدة كما في منطقة بوسطن الكبرى، حيث تقع جامعة "هارفرد"، إذ يوجد نحو 63000 طالب دولي يسهمون في الاقتصاد، ويحققون مكاسب هائلة للاقتصاد المحلي تصل إلى نحو 3 مليارات دولار كل عام.

الحفاظ على الريادة العالمية

ويسهم الطلاب الدوليون أيضاً في الحفاظ على الريادة العالمية للولايات المتحدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، إذ إن 45 في المئة من العاملين في هذه المجالات في الولايات المتحدة الحاصلين على درجة الدكتوراه، ولدوا خارج أميركا، ولهذا يحذر تقرير، صدر العام الماضي، من أن الولايات المتحدة تخفق في تطوير المواهب المحلية في هذه المجالات على كل مستويات نظام التعليم، إذ تشير التقديرات إلى أن 3.2 في المئة فقط من خريجي المدارس الثانوية الأميركية سينضمون إلى القوى العاملة في هذه المجالات، بينما تتراجع قدرة البلاد على جذب المواهب الدولية في هذه المجالات والاحتفاظ بها بسبب قيود الهجرة وزيادة المنافسة العالمية.

إضافة إلى ذلك يصبح عديد من الخريجين الدوليين من الجامعات الأميركية رواد أعمال أو يسعون إلى العمل في مجالات متطورة في شركات مثل "أبل"، و"غوغل"، و"ميتا"، شاغلين وظائف تعاني نقصاً في الكفاءات في سوق العمل الأميركية، كما تعج المستويات العليا من الطبقة التنفيذية في الولايات المتحدة بقادة كانوا طلاباً دوليين في الولايات المتحدة، ومن أبرز الأمثلة على ذلك الرئيس التنفيذي لشركة "تيسلا"، إيلون ماسك، الذي درس في جامعة "بنسلفانيا"، والرئيس التنفيذي لشركة "مايكروسوفت" ساتيا ناديلا الذي درس في جامعة "شيكاغو".

ووفقاً لتقرير صادر عن المؤسسة الوطنية للسياسة الأميركية، فإن نحو 25 في المئة من الشركات الأميركية التي تبلغ قيمتها مليار دولار في الأقل، كان مؤسسها طالباً دولياً مسجلاً في جامعة أميركية، وتظهر الأبحاث أن الطلاب الدوليين يطلقون شركات ناشئة ناجحة بمعدل يفوق ثمانية إلى تسعة أضعاف معدل أقرانهم المولودين في الولايات المتحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

دعم للجامعات

أيضاً يشكل الطلاب الدوليون نعمة لا تقدر بثمن للجامعات الأميركية، فوسط التغيرات الديموغرافية في المجتمع الأميركي خلال السنوات الماضية، انخفض عدد الطلاب المحليين المسجلين في الجامعات الأميركية بمقدار 2.3 مليون طالب مقارنة بما كان عليه قبل عقد من الزمن، أي بانخفاض قدره 10.7 في المئة، ولهذا السبب تتطلع الكليات والجامعات بصورة متزايدة إلى الطلاب الدوليين لسد هذه الفجوة.

علاوة على ذلك، تميل الجامعات إلى اعتبار الطلاب الدوليين بمثابة دعم للطلاب المحليين، إذ يأتي تمويل الغالبية العظمى من الطلاب الدوليين من قبل عائلاتهم أو جهات راعية أجنبية، وقليل منهم يحتاج إلى برامج مساعدة طلابية، إذ يحصل أقل من 20 في المئة من جميع الطلاب الدوليين على تمويل منح من مصدر فيدرالي، ويذهب معظمه إلى طلاب الدراسات العليا الذين يجرون أبحاثاً متقدمة.

ليسوا تهديداً

على رغم مطالبة الرئيس الأميركي في وقت سابق بمنح خريجي الجامعات الأميركية من الطلاب الدوليين بطاقة الإقامة الدائمة (البطاقة الخضراء)، فإن سياساته الواقعية، خلال الأشهر القلية الماضية، تتماشى جزئياً مع تصورات البعض في مجتمع "ماغا" (اجعل أميركا عظيمة مجدداً) بخاصة في المناطق الريفية، بأن الطلاب الأجانب أصبحوا تهديداً للولايات المتحدة، ليس فقط بسبب تزايد أعدادهم من 53 ألف طالب عام 1960 إلى 1.12 مليون عام 2024، بل أيضاً بسبب المخاوف في شأن استبدال الطلاب المحليين بطلاب دوليين أكثر ثراء قادرين على تحمل كلف الدراسة المتزايدة.

ويرتكز هذا الرأي على افتراض أن الالتزام الرئيس للجامعات الأميركية هو تجاه سكانها المحليين، وأن تضاؤل تمويل الولايات للتعليم العالي كان نتيجة ارتفاع الرسوم الدراسية للأميركيين بسبب تزايد الطلاب الدوليين، ومن ثم تزايدت التوترات والضغوط على المشرعين على مستوى الولايات من قبل الطلاب وأولياء الأمور الساخطين، مما أدى إلى حركة احتجاجية ضد زيادة نمو الطلاب الدوليين.

لكن أستاذة علم الاجتماع في الجامعات الأميركية سينثيا ميلر إدريس، وأستاذ مساعد التربية الدولية في جامعة "جورج واشنطن" برنهارد شترايتفايزر، اعتبرا أن هذه افتراضات خاطئة ورجحا أن يكون السبب هو الدور المتسارع للعولمة والتحولات الديموغرافية في المجتمع نتيجة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، بالتالي فإن الأعداد المتزايدة من الطلاب الدوليين يجب أن تفهم في هذا السياق التاريخي.

كيف تطورت الجامعات الأميركية؟

اتسمت الجامعات الأميركية في بداياتها بطابع ضيق الأفق، فقد صممت في أواخر القرن الـ19، وأوائل القرن الـ20، لتعليم شريحة من الشباب المسيحيين المحليين من النخبة لخدمة مجتمعاتهم الدينية والمحلية، ووفرت قوانين "موريل" لمنح الأراضي لعامي 1862 و1890 التمويل لكل ولاية لتطوير التعليم العملي لما بعد الثانوي في مجالات الزراعة والميكانيكا، ولهذا تظل جامعات "أي أند أم" أي الزراعة والميكانيكا، يحتفظ بها عديد من الولايات حتى اليوم.

ولكن في غضون نصف قرن تغير هذا الوضع جذرياً، فمع اتساع نطاق التعليم العالي ليشمل هذه المواد العملية، إضافة إلى التركيز التقليدي على الدراسات الكلاسيكية واللغات القديمة، تحول التعليم العالي من نظام نخبوي يعلم أقل من 15 في المئة من الشباب في سن الجامعة، إلى نظام جماهيري يعلم ما بين 15 و50 في المئة منهم.

وأدى التدفق الهائل للمحاربين القدامى (المجندين السابقين في الجيش) إلى الجامعات الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، بتمويل من قانون حقوق المحاربين القدامى، إلى توسيع التركيبة السكانية لطلاب الجامعات الأميركية من مجال نخبوي إلى مؤسسات تخدم شريحة سكانية أوسع وأكثر تنوعاً، كما أدت حركات الحقوق المدنية والنسوية في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي، إلى جانب سياسات العمل الإيجابي المناهضة للتمييز في الجامعات، إلى مزيد من التنوع بين الجنسين والتنوع العرقي والإثني بين الطلاب.

الدور العالمي للجامعات

ووسط هذا التنوع زادت أعداد الطلاب الدوليين ما جعل أصابع الاتهام تتجه إليهم من دون منطق سليم، إذ ترتكز جهود الحفاظ على مقاعد بالجامعات للسكان المحليين على افتراض أن الالتزامات الأساسية للمؤسسات العامة ينبغي أن تكون تجاه مجتمعاتها المحلية، وعلى رغم أن هذا الافتراض متجذر في حقائق تاريخية لأن معظم الجامعات الأميركية تأسست على يد مجتمعات محلية أو دينية، فإن التزامات الجامعات تجاه مجتمعات أكبر وأوسع نمت بمرور الوقت.

وبعد الحرب العالمية الثانية أصبحت الجامعات لاعبة رئيسة في مشاريع الأمن القومي والتنمية الدولية، حيث اضطلع علماء الجامعات بأدوار جديدة لتقديم حلول للمشكلات، ومواجهة التحديات الملحة المتمثلة في الجغرافيا السياسية للحرب الباردة والتحديث والتنمية والأمن القومي.

وبحلول وقت سقط فيه جدار برلين كانت وتيرة العولمة قد بدأت تتسارع بصورة كبيرة، مما غير مفهوم الجامعات عن المجتمعات إلى الأبد وفرض منطقاً عالمياً جديداً نفسه في الجامعات الأميركية، يملي أن يكون رواد الجامعات، وتدفق الطلاب والباحثين عالميين ومحليين على حد سواء.

وعلى رغم وطأة ارتفاع كلف الدراسة بصورة مستمرة على الطلاب المحليين واعتقادهم أن المتقدمين الدوليين يؤثرون سلباً في فرصهم في الالتحاق بالجامعة أو الكلية التي يختارونها، فإن الموازنة بين العاطفة والواقع أمر مطلوب، لأن تزايد أعداد الطلاب الدوليين، ظل يمثل اتجاهاً إيجاباً في قائمة طويلة من التحولات الديموغرافية التي أسهمت تاريخياً في تشكيل الجامعات الأميركية نحو الأفضل، وبمرور الوقت، ينظر كثر إلى مساهمات الطلاب الدوليين في التعليم العالي الأميركي على أنها كانت نعمة لنظام التعليم الأميركي بدلاً من أن تكون عبئاً عليه.

المزيد من تقارير