ملخص
على رغم الاختلافات الكبيرة بين شخصيات الكتاب، فإنها تشترك في بعض المآخذ، إذ يكتب كاسيدي أن "الرأسمالية على مدى القرون ظلت معرضة لاتهام مركزي ثابت ثباتاً لافتاً، هو أنها عديمة الروح، استغلالية، ظالمة، مضطربة، مدمرة، وفي الوقت نفسه متفشية طاغية".
لو أنني اخترت لهذه السطور عنواناً من قبيل "أعداء الرأسمالية المخلصون"، فلن يكون ذلك اتباعاً للحيل الرامية إلى جذب القراء بأي ثمن، فعلى الأرجح أن أول هؤلاء الأعداء سيدهشك حقاً لأنه ليس إلا آدم سميث نفسه، وهو أحد كبار آباء الرأسمالية. ولو استمرأت الفكرة وجعلت العنوان من قبيل "عيوب الرأسمالية كما حددها الرأسماليون" فلن أجاوز الحقيقة، لأن مفكرين منحازين لها ومؤمنين بها كانوا من أكثر من أشار إلى عيوبها، فرأى سميث أخطاءها في الاستعمار وتجارة العبيد، وألقى جون مينارد كينز الضوء على عدم استقرار نظام السوق ونقص آليات التصحيح الذاتي فيه، فضلاً عن آخرين حذروا من عدم الاتساق بين الرأسمالية والديمقراطية، ونبهوا إلى أخطار "الأمولة" والعولمة المفرطتين. هذه وغيرها من العيوب والانتقادات هي موضوع كتاب "تاريخ الرأسمالية ومنتقديها: من الثورة الصناعية إلى الذكاء الاصطناعي" للصحافي المرموق في مجلة "ذي نيويوركر" الأميركية جون كاسيدي، وقد صدر أخيراً عن دار "فارر وشتراوس وغيرو" في أكثر من 600 صفحة.
في استعراضه الكتاب، يكتب باري إيشنغرين ["فورين أفيرز" - مايو (أيار) الجاري] أن الرأسمالية تتعرض للانتقاد منذ قرون، وأن سردية كاسيدي تبدأ بهجمات على القوة الاحتكارية لشركة الهند الشرقية في القرن الـ18 وتمتد حتى حركة "إبطال النمو" المعاصرة التي تناهض آثار النمو الاقتصادي المدمرة للبيئة، وقد "تجاوز بعض هؤلاء المنتقدين تحديد عيوب النظام الرأسمالي إلى وصف سبل العلاج، لكن تنفيذ الإصلاحات قد يكون أمراً شاقاً، فإصلاح النظام الرأسمالي، بحسب ما يكتب كاسيدي، لا يقتضي فقط الإرادة السياسية، وإنما يستوجب أيضاً القدرة على التصرف في الوقت المناسب، ويعني هذا في الغالب حشد حركة سياسية في أثناء أزمة، وهذه مهمة تندرج في فئة الأقوال أسهل من الأفعال".
ذعر "وول ستريت"
استهل المتخصص في مجال السياسة والحكم في جامعة "ميريلاند"، سونيل داسغوبتا، استعراضه الكتاب ["واشنطن بوست" – الـ22 من مايو 2025] بسؤال "بانتصار دونالد ترمب في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، هل سقطت أخيراً الرأسمالية والديمقراطية التي تدعمها؟ أو هل سقطتا مرة أخرى؟"، ويجيب بأنه "في حين يرفض بعض المتابعين هذه الفكرة جملة وتفصيلاً، في ضوء أن انتخاب ترمب قد يعد إقراراً من الناخبين بكل ما يوشك على فعله في الخزانة الأميركية الهائلة، فإنه يتبين أن كثراً قد تنبأوا منذ أمد بعيد بسقوط الرأسمالية، وبعجز الديمقراطية عن احتواء الآثار المترتبة على هذا السقوط، إذ ذهب جون كاسيدي، الدارس في جامعة (أكسفورد)، إلى أن نقد الرأسمالية مولود مع ميلادها، وأن الاثنين متضافران منذ ذلك الحين".
تكتب جينيفر سالاي ["نيويورك تايمز"- الـ14 من مايو] أن كاسيدي كان يرمي في البداية إلى كتابة تاريخ للرأسمالية مائل إلى القصر يبدأ بانهيار الاتحاد السوفياتي، "ثم سرعان ما أدرك أنه في حاجة - من أجل فهم أفضل لجذور الاستياء من الرأسمالية - إلى مزيد من التعمق، في نحو 250 عاماً".
"وعلى رغم الاختلافات الكبيرة بين شخصيات الكتاب، فإنها تشترك في بعض المآخذ، إذ يكتب كاسيدي أن الرأسمالية على مدى القرون ظلت معرضة لاتهام مركزي ثابت ثباتاً لافتاً، هو أنها عديمة الروح، استغلالية، ظالمة، مضطربة، مدمرة، وفي الوقت نفسه متفشية طاغية".
تكتب سالاي أن كاسيدي يرتحل بنا منذ بواكير الثورة الصناعية إلى أن يختتم ببعض الأفكار عن الاضطرابات الاقتصادية التي قد يحدثها الذكاء الاصطناعي، وذلك عبر 28 فصلاً مخصصة لحياة وأعمال شخصيات مشهورة ومغمورة. فجاءت النتيجة تاريخاً للرأسمالية أقل تركيزاً على التجريدات الاقتصادية من قبيل الأسواق المتنافسة، وأشد انتباهاً إلى كيفية تكرار إخفاقات الرأسمالية، إذ يكتب كاسيدي أنه "ليس من المبالغة في شيء القول إن الرأسمالية دائماً في أزمة، فهي تتعافى من هذه لتولي وجهة تلك".
ولعل تكرار الأزمات هذا هو ما جعل بارتيناف أنيل يستهل استعراضه الكتاب ["ذي غارديان" – الـ21 من مايو 2025] قائلاً إن الرأسمالية كثيراً ما حيرت منتقديها، فهي أشبه بكيس الملاكمة في الملاهي، كلما طرحته ضربة قاضية أرضاً عاد يثب واقفاً من جديد، ومن ذلك أن "كاسيدي يحكي عن ذعر مالي انتشر عام 1857 في (وول ستريت) فتصور ماركس وإنغلز أن الانهيار وشيك. كتب الأول إلى الثاني أنها (أزمة أميركية جميلة)، ورد الثاني بقوله إنه (انهيار أميركي رائع)، وبدت للرجلين فرصة عظيمة سانحة للشيوعية".
لكن وزارة الخزانة الأميركية تدخلت فـ"أعادت رسملة البنوك باحتياطاتها من الذهب، وعلق قانون ميثاق البنوك في بريطانيا لتيسير طباعة مزيد من النقد. وهكذا هلك كتاب قواعد الرأسمالية، ولكن الرأسمالية نفسها نجت". ويمضي بارتيناف أنيل فيقول إن "الحال استمرت هكذا دائماً، فمع كل مرة تترنح فيها الرأسمالية تتدخل الدولة الكبيرة لتنقذها، في لعبة اسمها (الرأسمالية المدارة)".
يكتب داسغوبتا أن "سردية كاسيدي تبدأ في القرن الـ18 بموظف في شركة الهند الشرقية يدعى ويليام بولتس لم يكن معجباً برئيسه روبرت كلايف. وكان كلايف ممثل الشركة في كلكوتا في منتصف القرن الـ18 ومن ثم أول حاكم للرئاسة البنغالية. ولقد أرجع كلايف مرؤوسه بولتس إلى إنجلترا فبدأ الأخير من هناك في إطلاق صافرات الإنذار في شأن الممارسات الخاطئة للرأسمالية التجارية، ومنها استعمال العنف ضد منتجي النسيج الهنود، وإقامة احتكارات تفرض أسعاراً وضرائب باهظة على العملاء، بينما يستنزف مشرفو الشركات الأرباح لأنفسهم. ففي غضون ثلاثة أعوام فقط من الحكم أصبح كلايف أحد أثرى أثرياء بريطانيا كلها".
لما تواترت أنباء هذا السلوك الافتراسي، كتب أشهر عالم اقتصاد في التاريخ، أي آدم سميث كتابه "ثروة الأمم" فأصبح إنجيل الاقتصاد، ولا يزال كذلك بحسب ما يكتب داسغوبتا. وفي سفره هذا الصادر عام 1776 دعا سميث إلى نسخة أفضل من الرأسمالية تترك الحكومات بموجبها الأسواق وشأنها، وتسمح بتحديد الأسعار من خلال يد خفية يتقاطع عندها الطلب الحر مع العرض الحر.
"وسرعان ما جاءت الثورة الصناعية بعد ذلك لتزعزع وعد الرأسمالية، لا في شبه القارة الهندية فقط وإنما في أوروبا أيضاً. فقد أدى النزوح من الريف إلى جانب سوء ظروف المعيشة في المدن - كما خلدتها رواية "أوليفر تويست" - إلى موجة أخرى من تبادل الاتهامات. وبحلول منتصف القرن الـ19 كتب المهاجر الألماني إلى بريطانيا، أي كارل ماركس، سفره العظيم (رأس المال)، مؤكداً فيه أن الرأسمالية تتسبب في صراع طبقي - من جراء استغلال البرجوازيين العمال - وأن مصيرها هو النهاية على يد ثورة دامية".
أفكار في الصدارة
"على مدى 100 سنة تالية، راج القول إن ماركس أصاب التحليل وأخطأ التنبؤ. ففي كل مكان تقريباً جاء التحول إلى الأسواق الحرة مصحوباً بصدمات، للأسباب التي حددها ماركس، لكن الثروة الضخمة (التي تحققت أخيراً في القرن الـ20) جاءت على مطية التجارة الحرة والاستثمار بقدر ما جاءت على مطية النقابات ورواتب التقاعد والتعليم العام المجاني".
"يبدأ القسم الأحدث في كتاب كاسيدي بالثورة الروسية وصعود نيكولاي كوندراتييف وسقوطه، وكان كوندراتييف قد قال بنظرية الدوائر الطويلة في الإنتاج الرأسمالي نافياً بها ماركس. وكان كوندراتييف ثورياً اشتراكياً، لكن الاشتراكيين الثوريين (كما كان يطلق عليهم آنذاك) كانوا معتدلين حقاً، ولو بالمقارنة مع البلاشفة الراديكاليين. وعلى رغم اختلاف لينين مع كوندراتييف فقد سمح له بالإسهام في (الخطة الاقتصادية الجديدة) للاتحاد السوفياتي، ثم جاء ستالين، المخالف الدائم، فأمر بقتل كوندراتييف".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
"ساعد عالم الاقتصاد البريطاني جون مينارد كينز في إحياء رأسمالية القرن الـ20 بعد دورة سقوط بسبب الكساد الكبير بين الحربين العالميتين، ولكن كينز أقر بأن السوق لا تعمل للعمال ورأس المال مثلما تعمل للسلع والخدمات، فعند انخفاض كلفة العمال (أي الأجور) لم يكن الطلب يرتفع عليهم، وبالمثل، عند انخفاض كلفة رأس المال - أي أسعار الفائدة - لم تكن الشركات بالضرورة تستثمر مزيداً من المال".
ولأنه كان في المقام الأكبر من مفكري الرأسمالية لا منتقديها، فقد اقترح كينز "من أجل تخفيف الركود الدوري، أن تساعد الحكومة في زيادة الطلب الكلي، ولو بطبع النقود إذا لزم الأمر. وكان يقصد من علاجه هذا أن ينطبق في المقام الرئيس على فترات الركود، فتم استعمال إنفاق العجز الذي اقترحه في دعم دولة الرفاه، والابتكار التكنولوجي، والبنية التحتية، ثم حزم الإنقاذ الوبائي في وقت متأخر".
"ثار علماء الاقتصاد المناصرون لعدم التدخل الحكومي، من أمثال فريدريك هايك وجوزيف شومبيتر وميلتن فريدمان، على الإنفاق الكينزي، ودولة (الصفقة الجديدة) وما يترتب على ذلك من إفراط ضريبي. وجاء صعود مارغريت تاتشر ورونالد ريغان في السبعينيات والثمانينيات من القرن الـ20 ليضع هذه الأفكار في الصدارة، مجدداً تأكيد الحرية من خلال خفض الضرائب. وفي ظل حكم بيل كلينتون في التسعينيات، تبنت الولايات المتحدة أول مجموعة من إصلاحات الرعاية الاجتماعية الشاملة. وفي ظل حكم جورج بوش الأب الجمهوري في مطلع القرن الحالي، قللت أميركا ضرائب الشرائح العليا تقليلاً كبيراً، وعلى مدى الأعوام الـ20 التالية انتقلت الولايات المتحدة إلى مسارين متوازيين، أحدهما كينزي والآخر هايكي، فاعتمدت على الإنفاق الفيدرالي لإنعاش الاقتصاد في وقت ضخمت التخفيضات الضريبية الدين الوطني".
"على المستوى الدولي، أدى النظام الاقتصادي في ما بعد الحرب، أي نظام التجارة الحرة والاستثمار والهجرة، إلى تعثر أميركا اللاتينية، لكنه أدى بآسيا إلى نهضة مشهودة، فسدت اليابان وكوريا وتايوان ثم الصين والهند فجوة التفاوت بين البلاد وإن تفاقم التفاوت داخلها. وفي الولايات المتحدة أدى تخفيض الضرائب وركود الأجور إلى انقسامات عميقة أسفرت عن صعود الترمبية بوصفها قوة سياسية عام 2015. وجاء توماس بيكيتي أمير الاقتصاد في العقد الثاني من هذا القرن، بحسب مقال داسغوبتا، فسلط الضوء على الصراع الطبقي في العصر الذهبي الجديد الذي حكم فيه أصحاب المليارات وتخلفت الطبقة العاملة، ولم يكن مصادفة أن أطلق بيكيتي على كتابه الرائد عنوان (رأس المال في القرن الـ21) اقتداء بماركس نفسه".
ينهي داسغوبتا قراءته بقوله إنه ما لكتاب في الاقتصاد أو حتى لعرض له ألا يعالج السؤال الأشد إلحاحاً على الإطلاق "هل بوسع العالم أن يدعم التوسع الرأسمالي إلى ما لا نهاية؟ عام 1971، نشر عالم الاقتصاد روماني المولد نيكولاس جورجيسكو رويغن كتاب ’قانون الإنتروبيا والعملية الاقتصادية‘، محذراً فيه من أن استنزاف الموارد الطبيعية يحد النمو الاقتصادي، فأطلق بكتابه هذا شرارة حركة بيئية رامية إلى تغيير الرأسمالية مرة أخرى، وأجيزت قوانين الهواء النظيف والمياه النظيفة، ولكن إجمالاً، ازداد الاستهلاك في العالم، في كل من البلاد الثرية والبلاد التي سبق أن كانت فقيرة، فبات الصراع السياسي الآن يدور في الغالب حول ما ينبغي أو حتى ما يمكن القيام به في شأن تغير المناخ".
"وعلى رغم أن كل هذا معلوم بالفعل، فإن تأريخ كاسيدي الشامل الذي لا يطرح أية رؤى ثاقبة، هو بمنزلة مدخل عظيم للاقتصاد. وسواء أتفقتم مع نهجه ونتائجه أم لم تتفقوا، فلعلكم تأخذون عليه ضآلة اهتمامه بالذكاء الاصطناعي، على رغم وعد عنوان كتابه الفرعي. وبالنسبة إليَّ، فإن أوضح استبعاد في الكتاب هو استبعاد أمارتيا صن، عالم الاقتصاد الهندي الشهير بكتابته عن المجاعات لا بوصفها عجزاً في المحاصيل بل نتيجة خيارات سياسية وغياب لحرية الصحافة".
لنتخيل نهاية العالم
"مع ذلك فالرأسمالية ومنتقدوها كتاب ممتاز في تاريخ الفكر الاقتصادي، ومؤشر إلى قراءات أعمق كالتي يشار بها على طلبة الاقتصاد الجزئي والكلي. وليس بوسع الأساتذة بسهولة أن يعوضوا فجوات كاسيدي المستفزة وحسب، بل إن بوسعهم الاستفادة منها في إثارة نقاشات مهمة. وبتدريسي الاقتصاد السياسي فإنني أرى كتابه هذا جديراً بالحفظ".
يحسن بارتيناف أنيل الدفاع عن كاسيدي وكتابه في ما يتعلق بالاستبعادات، فيقول إنه "سيكون من الغلظة الشكوى من الاستبعادات في كتاب يفسح المجال لـ50 سيرة ذاتية موجزة بما يجعله أفضل تقدمة قرأتها على الإطلاق لليسار الاقتصادي"، ذلك أن نصف الكتاب، بحسب أنيل، مخصص لأمثال كارل بولاني وروزا لوكسمبورغ وجي سي كومارابا (صديق غاندي ورائد الاقتصاد البيئي)، وجوان روبنسن أستاذة الاقتصاد في جامعة كمبريدج التي هاجمت الرأسمالية من منطلق يساري، ومنظري التبعية في أميركا اللاتينية (الذين ذهبوا إلى أن العالم المتقدم يغترف من ثمار ارتفاع الإنتاجية على حساب العالم النامي)، وكثر غيرهم، بل إنه بلغ إلى حد الالتفات إلى توماس كارليل، كاتب القرن الـ19 الإيرلندي الذي افترض حول الرأسمالية والإنسانية عموماً افتراضات شديدة القتامة لم تترك احتمالاً لفرجة ينفذ عبرها التقدم الاجتماعي، فضلاً عن كونه - كما تشير سالاي - "مجاهراً بالعنصرية والمعاداة للسامية، يائساً من الديمقراطية، محتقراً الجماهير".
وعلى رغم دفاعه، لا ينهي بارتيناف أنيل مقاله بغير ضربة رقيقة يوجهها لكاسيدي وللرأسمالية معاً، فيكتب أن "كاسيدي كريم في أحكامه، وكريم في اتهاماته، فما من قول ساخر في كل صفحات كتابه، وعلى رغم أنه يحسن إخفاء أوراقه، فإنني أعتقد أنه قد يعترف بأنه كينزي المبدأ. ويكمن سر هذا في قوله إن (الرأسمالية قابلة للإصلاح)، فذلك ذكرني بقول فريدريك جيمسون الساخر الشهير إنه أسهل علينا أن نتخيل نهاية العالم من أن نتخيل نهاية الرأسمالية".
العنوان: CAPITALISM AND ITS CRITICS: A History: From the Industrial Revolution to AI
تأليف: John Cassidy
الناشر: Farrar, Straus & Giroux