ملخص
"الأخطار الصحية الحالية تشمل حمى الضنك والملاريا والتهاب الكبد الوبائي، وكذلك الحصبة والدفتريا، مع التفاوت في معدلات الإصابة والوفاة في الأمراض وبين الولايات المسجلة لها".
على نحو غير معهود ووسط تحذيرات من كوارث صحية وبيئية خلال الفترة المقبلة، اتجه آلاف السودانيين إلى شرب مياه النيل والآبار السطحية، وكذلك استخدام مصادر مياه مختلفة، مما أدى إلى تفشي الأمراض وبخاصة الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي A والجيارديا.
وأدى استهداف قوات "الدعم السريع" محطات الكهرباء في السودان بالمسيرات الانتحارية إلى توقف الإمداد المائي من الآبار الجوفية التي تعمل بالطاقة، علاوة على تلوث مصادر المياه نتيجة استخدام مواد سامة خلال القصف المتبادل بين طرفي الصراع، فضلاً عن تدهور الوضع البيئي بسبب تراكم النفايات وبقايا الجثث في الشوارع واختلاط المياه بالصرف الصحي.
الإسهال الوبائي
نجم الدين السناري أحد مواطني منطقة الريف الجنوبي بأم درمان، قال إن "غالبية السكان اضطروا لجلب المياه من النيل مباشرة بسبب العطش وتوقف الآبار نتيجة انقطاع التيار الكهربائي في الأحياء كافة".
وأضاف أن "المنطقة تشهد تفشياً لوباء الكوليرا بسبب عدم توافر مياه الشرب الصالحة والتلوث جراء رمي قوات ’الدعم السريع‘ الجثث المتحللة في النيل إلى جانب اختلاط المياه بالصرف الصحي".
ونوه السناري بأن "حالات الإصابة بالزحار أو الدوسنتاريا المسببة للإسهال ارتفعت بصورة ملحوظة، وكذلك بعض الأمراض المعدية المنقولة عبر المياه وانتشار الالتهابات الرئوية وسط الأطفال والكبار، فضلاً عن انعدام الرعاية الصحية".
إصابات ووفيات
وفي منطقة الصالحة جنوب غربي الخرطوم حصد وباء الكوليرا أرواح 10 أشخاص في الأقل وأصيب العشرات في ظل توقف جميع المراكز الصحية والصيدليات داخل المنطقة عن العمل.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وفي هذا الصدد، أشار أكرم محجوب من سكان منطقة جادين داخل أم درمان إلى أن "الوضع ينذر بالخطر، خصوصاً بعد وفاة أسرتين مؤلفتين من ثمانية أشخاص جراء التسمم بمياه ملوثة في المنطقة، إضافة إلى إصابة العشرات بالإسهالات المائية".
ولفت إلى أن "عدم حصول السكان على المياه النظيفة والخدمات الصحية والصرف الصحي داخل المناطق غرب وجنوب أم درمان أسهم في تفشي الأمراض، مما خلف مئات المصابين وأدى إلى وفاة عشرات".
وأوضح محجوب أن "غالبية المراكز الصحية توقفت عن العمل وكذلك الصيدليات، وحتى القليلة التي لا تزال تعمل رفعت كلفة العلاج، بالتالي عجز المرضى عن إجراء الفحوص الطبية وشراء الأدوية بسبب نفاد المدخرات المالية".
تدابير وقائية
وبحسب تقرير وزارة الصحة السودانية الوبائي، سجلت 2323 إصابة جديدة بالكوليرا، منها 51 حالة وفاة خلال الأسابيع الثلاث الأخيرة.
وأشار التقرير إلى أن "90 في المئة من الإصابات وحالات الوفاة حدثت داخل ولاية الخرطوم، وبخاصة محليتي كرري وجبل أولياء.
ولفت التقرير إلى أن "الأخطار الصحية الحالية تشمل حمى الضنك والملاريا والتهاب الكبد الوبائي وكذلك الحصبة والدفتريا، مع التفاوت في معدلات الإصابة والوفاة في الأمراض وبين الولايات المسجلة لها".
ووجهت وزارة الصحة باستعجال التدخلات لمكافحة الأوبئة بولاية الخرطوم خصوصاً الكوليرا وحمى الضنك، إضافة إلى وباء الكبد الوبائي بكسلا.
تلوث ومضاعفات
على الصعيد نفسه، أوضح عضو غرفة طوارئ بحري مؤمن الصادق أن "تلوث المياه أدى إلى ظهور بعض الأمراض في أحياء المدينة وضواحي الحاج يوسف وشرق النيل بسبب جلب السكان للمياه من الآبار المهجورة، بعدما توقفت محطات المياه منذ اندلاع الحرب".
ولفت إلى أن "الأطباء رصدوا أمراض الإسهالات المائية وحساسية الجلد وسوء الهضم والتقيؤ المستمر، مما أدى إلى مضاعفات يصعب علاجها وتفاقم الوضع وسط الذين يشكون من الفشل الكلوي".
ونوه عضو غرفة الطوارئ بأن "الغرفة تسعى إلى تذليل بعض العقبات التي تواجه السكان في مياه الشرب بالتنسيق مع المنظمات الدولية كالهلال الأحمر، والتي وزعت مواد تنقية في ظل تعذر وصول فرق الصيانة لمحطات المياه".
أوضاع كارثية
على صعيد متصل، وصف الطبيب المتخصص في مكافحة الأوبئة طارق مبارك الأوضاع في العاصمة الخرطوم بـ"الكارثية"، نتيجة أزمة مياه الشرب الصالحة ولجوء السكان إلى جلب المياه من النيل مباشرة، على رغم أخطار التلوث وتدهور الوضع البيئي بسبب تراكم النفايات وبقايا الجثث في الشوارع واختلاط المياه بالصرف الصحي".
وأضاف "من الأمراض التي رصدت الكوليرا والتيفوئيد والتهاب الكبد الوبائي A، وكذلك الجيارديا والإسهالات المائية، خلال وقت تعاني فيه المستشفيات والمراكز الصحية نقصاً حاداً في المحاليل الوريدية والأدوية وغياب الكوادر الطبية".
وتابع مبارك "يعود انتشار هذه الأمراض والأوبئة في الغالب إلى شرب المياه الملوثة، واستخدامها أثناء صنع الطعام والقيام بمهام أخرى مثل غسل الملابس أو الأواني".
مخاوف أممية
في غضون ذلك، أبدت منظمة "أطباء بلا حدود" مخاوفها من تفشي الكوليرا داخل مدن عدة وبخاصة بعد دمار البنية التحتية للمياه داخل 13 ولاية سودانية.
وتوقعت المنظمة استقبال مزيد من حالات الكوليرا في مستشفيات النو والبلك بمدينة أم درمان، بسبب استخدام السكان لمصادر مياه مختلفة.
وأوضحت أنها تنقل المياه عبر الشاحنات إلى مستشفى البلك، فيما جهزت سابقاً بئراً تعمل بالطاقة الشمسية داخل مستشفى النو.
وقالت منسقة الطوارئ في منظمة "أطباء بلا حدود" مارتا كازورلا إن "الهجمات على البنية التحتية الحيوية كمحطات الطاقة تؤدي إلى تداعيات مدمرة على صحة المجتمعات المحلية، وأن هذا الاستهداف يحد بشدة من قدرات النظام الصحي الذي يعاني في الأساس".
دمار وأضرار
في حين أشارت منظمة الأمم المتحدة لرعاية الطفولة "يونيسيف" إلى تضرر 70 في المئة من مرافق المياه داخل 13 من أصل 18 ولاية في السودان، جراء تدمير البنية التحتية.
واتجه كثير من السودانيين في تلك المناطق إلى شرب مياه النيل أو المياه الجوفية من آبار سطحية، مما أدى إلى تفشي الأمراض، إذ تفاقم الوضع مع توقف ما يصل إلى 80 في المئة من مرافق الرعاية الصحية داخل مناطق النزاع و45 في المئة داخل المناطق الأخرى.
وذكرت "يونيسيف" في بيان لها، أن "النزاع دمر البنية التحتية للمياه والطاقة داخل 13 ولاية، مما أثر في عمل مرافق المياه بنسبة 70 في المئة بسبب الأضرار الجزئية أو الكاملة".
وأكد البيان أن الضرر الذي لحق بمحطات معالجة المياه والآبار وخزانات التخزين وشبكات النقل أدى إلى حرمان نحو 9 ملايين امرأة وطفل من الحصول على مياه شرب آمنة في منازلهم ومدارسهم ومرافقهم الصحية.
وشددت المنظمة على أن النازحين في المخيمات ومراكز الإيواء يواجهون خطراً أكبر، إذ تقل فرص الحصول على مياه شرب آمنة وخدمات صرف صحي كافية.