ملخص
مع أن بوتين رفض سابقاً تحديد موعد مؤكد لاستعادة هذه المقاطعة المجبولة بذكريات الحروب منذ قديم الزمان، لا سيما بأكبر معركة للدبابات في تاريخ الحروب جرت خلال الحرب العالمية الثانية، فإنه كان عازماً على تحريرها قبل حلول عيد النصر على ألمانيا النازية، الذي يصادف التاسع من مايو (أيار)، لذلك بذل الغالي والرخيص في سبيل استرجاعها ولم يتوان عن الاستعانة بجيش كوريا الشمالية في سبيل ذلك.
بدت الفرحة غامرة على وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وهو يهنئ السبت الـ26 من أبريل (نيسان)، قائد المجموعة العسكرية في كورسك، وقادة الوحدات المتميزة التي شاركت بعملية استرجاع وتحرير هذه المقاطعة من القوات الأوكرانية التي توغلت فيها، أغسطس (آب) الماضي، معرباً عن تقديره للعمل البطولي الذي قاموا به.
وأكد الرئيس الروسي في خطاب عبر محطات التلفزة الروسية، أن "مغامرة كييف بالتوغل في مقاطعة كورسك فشلت"، مشيراً إلى أن تحرير المقاطعة من القوات الأوكرانية يقرب هزيمة نظام كييف النازي".
ومع أن بوتين رفض سابقاً تحديد موعد مؤكد لاستعادة هذه المقاطعة المجبولة بذكريات الحروب منذ قديم الزمان، لا سيما بأكبر معركة للدبابات في تاريخ الحروب جرت خلال الحرب العالمية الثانية، فإنه كان عازماً على تحريرها قبل حلول عيد النصر على ألمانيا النازية، الذي يصادف التاسع من مايو (أيار)، لذلك بذل الغالي والرخيص في سبيل استرجاعها ولم يتوان عن الاستعانة بجيش كوريا الشمالية في سبيل ذلك.
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف، إن "الرئيس بوتين أجرى اتصالاً هاتفياً مع قائد المجموعة العسكرية في كورسك، وقادة الوحدات الذين تميزوا خلال عملية تحرير المقاطعة الروسية، وهنأهم بالنصر وشكرهم على عملهم البطولي".
وكان رئيس هيئة الأركان بالقوات المسلحة الروسية فاليري غيراسيموف، أبلغ الرئيس بوتين بإنهاء تحرير مقاطعة كورسك من المسلحين الأوكرانيين، مشيراً إلى أن قوات كييف تكبدت خسائر هائلة.
يذكر أنه في الصباح الباكر من السادس من أغسطس 2024، شنت القوات الأوكرانية هجوماً للاستيلاء على أراض في منطقة كورسك الروسية، وبدأت القوات الروسية إيقاف تقدمها وإجبارها على الخروج من كامل أراضي المقاطعة، مؤكدة أن العملية في كورسك ستكتمل بدحر العدو والوصول إلى حدود الدولة.
والسبت الـ26 من أبريل 2025 أبلغ رئيس هيئة الأركان الروسية الرئيس بوتين بتحرير مقاطعة كورسك الحدودية الروسية بالكامل مما سماه "نازيي كييف"، الذين تجرعوا هزيمة نكراء وتكبدوا أكثر من 76 ألف قتيل في المقاطعة الروسية المذكورة على رغم دعم رعاتهم اللامحدود.
وأشار غيراسيموف إلى أن القوات الروسية تواصل إنشاء منطقة عازلة بمقاطعة سومي شمال شرقي أوكرانيا على حدود كورسك، وحُررت أربع بلدات وأكثر من 90 كيلومتراً مربعاً فيها حتى الآن.
آخر قرى كورسك
ورفعت القوات الروسية العلم الروسي في قرية "غورنال" معلنة تحرير مقاطعة كورسك بالكامل من فلول "نازيي كييف"، وهذه القرية الحدودية هي آخر قرية طُردت القوات الأوكرانية منها لتُحرر المقاطعة بالكامل.
ونشرت وزارة الدفاع الروسية عبر مختلف وسائل الإعلام مشاهد لرفع العلم الروسي فوق قرية "غورنال" التي طهرها الجيش الروسي من فلول القوات الأوكرانية.
وفي الأثناء، أكد نائب رئيس مجلس الأمن الروسي دميتري مدفيديف، أن "القوات الروسية ستواصل إبادة العدو على جميع الجبهات بعد تحرير مقاطعة كورسك، حتى تطهير أرض روسيا بالكامل من حثالة النازية إلى الأبد".
وكتب مدفيديف على تطبيق "تيليغرم"، "في أسبوع عيد الفصح المجيد هذا حُررت مقاطعة كورسك الروسية بالكامل، وقبيل عيد النصر العظيم يواصل جنودنا الأبطال سحق العدو على بقية الجبهات حتى تطهير أرضنا بالكامل وللأبد من حثالة النازية".
وأعلن مجلس النواب الروسي (الدوما) أن "تحرير كورسك يتيح الفرصة أمام قواتنا لتنفيذ مهام جديدة، وأكد رئيس لجنة الدفاع في مجلس الدوما الروسي أندريه كارتابولوف، أن تحرير مقاطعة كورسك يتيح للقوات الروسية فرصة تنفيذ مهام أخرى على محاور مختلفة ضمن إطار العملية العسكرية الخاصة، وقال إن "تحرير كورسك أتاح تفرغ جزء من القوات، والآن بات بإمكاننا إعادة نشرها لتنفيذ مهام جديدة على اتجاهات أخرى".
وعلى رغم التصريحات الداعية إلى استمرار الحرب بعد استعادة مقاطعة كورسك، أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن روسيا منفتحة على المفاوضات لتسوية أزمة أوكرانيا، لكن كييف لا تظهر حتى الآن قدرة على التفاوض. وقال في مقابلة مع صحيفة "غلوبو" البرازيلية "نحن منفتحون على المفاوضات، لكن الكرة ليست في ملعبنا، حتى الآن لا تظهر كييف قدرة على التفاوض، وإلا كيف يمكن تفسير فشل القوات الأوكرانية في التزام وقف استهداف بنى الطاقة 30 يوماً، أو وقف إطلاق النار 30 ساعة خلال هدنة عيد الفصح التي أعلنتها روسيا من جانب واحد؟".
وأضاف أن السلطات الأوكرانية أظهرت "غياب الإرادة السياسية لتحقيق السلام، وعدم الرغبة في التخلي عن استمرار الحرب"، وعن الاتصالات بين روسيا والولايات المتحدة حول تسوية الأزمة الأوكرانية، أشار إلى أن "موسكو تلاحظ أن الجانب الأميركي أصبح يفهم موقف روسيا بصورة فضلى".
وتابع لافروف "نأمل في أن يساعدهم ذلك على الحوار مع كييف ودول أوروبية معينة، أبلغني وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو في الـ17 من أبريل الجاري عن الاتصال الذي جرى في باريس، وأكد أن النقاشات سارت في إطار المشاورات السابقة بين موسكو وواشنطن".
إلا الاعتراف بالفشل
مع ذلك أشار وزير الخارجية الروسي إلى أن دول الاتحاد الأوروبي تواصل دعم نظام كييف لإنقاذ سمعتها المهزوزة وتفادي الاعتراف بهزيمتها، مقدمة ذلك على تحقيق السلام العادل والدائم، وقال "ينطلق الاتحاد الأوروبي من أن التخلي عن دعم أوكرانيا سيعني اعترافه بإخفاقه الاستراتيجي، وبعبارة أخرى، تقدم البيروقراطية في بروكسل محاولة إنقاذ سمعتها المهزوزة على تحقيق السلام العادل والدائم".
وأشار إلى أن الاتحاد الأوروبي يسعى إلى تقويض جهود التسوية، ويواصل تزويد كييف بالأسلحة وإعداد وحدات عسكرية لإرسالها إلى أوكرانيا، متحدياً تحذيرات موسكو، مضيفاً "ما يبعث نوعاً من التفاؤل أن الإدارة الأميركية الحالية، خلافاً لإدارة جو بايدن، التي زودت نظام كييف بأسلحة فتاكة وجرت أوكرانيا بنشاط إلى حلف الناتو، تحاول فهم الأسباب الجذرية للأزمة".
وفي مقابلة أخرى مع قناة "سي بي أس" الأميركية، أكد لافروف أن "روسيا في إطار العملية العسكرية الخاصة توجه ضربات فقط للأهداف العسكرية، أو للأهداف المدنية التي يستخدمها العسكريون. لقد تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن هذا الأمر مرات كثيرة، والوضع الآن لا يختلف عن السابق، وعلى عكس نظام فلاديمير زيلينسكي، نحن لا نضرب أبداً الأهداف المدنية بصورة متعمدة".
وأوضح الوزير أنه إذا كان هناك هدف يستخدم من قبل العسكريين الأوكرانيين، فإن وزارة الدفاع الروسية والقادة الميدانيين يملكون الحق في مهاجمة مثل هذه الأهداف، متابعاً "أستطيع أن أؤكد لكم أن الأهداف لم تكن مدنية بحتة، على عكس ضربات حلف الناتو لبلغراد عام 1999، حيث كانت تلك هجمات متعمدة على أهداف مدنية".
وأضاف وزير الخارجية الروسي "سنواصل توجيه الضربات إلى الأهداف التي تستخدمها القوات العسكرية الأوكرانية، والمرتزقة من الدول الأجنبية، والمدربون الذين أرسلتهم الدول الأوروبية رسمياً للمساعدة في شن الهجمات على المنشآت المدنية الروسية"، وتابع "إذا نظرتم، على سبيل المثال إلى الوضع في مقاطعة كورسك، فستجدون أنه خلال الأشهر الستة الماضية، لم تكن هناك أي أهداف عسكرية من بين الأهداف التي فتح الأوكرانيون النار عليها"، مشيراً كذلك إلى اقتراح قدمه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ويدعمه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بفرض وقف موقت للهجمات على البنية التحتية للطاقة لمدة 30 يوماً، ومشدداً على أن "جيش بلاده لم ينتهك قط هذا الالتزام الذي قدمه الرئيس بوتين، بينما الأوكرانيون انتهكوه مئات المرات، على رغم أن فلاديمير زيلينسكي كان قد أبدى تأييده له على ما يبدو. لقد أرسلت شخصياً إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، وإلى الأمم المتحدة، قائمة بهذه الهجمات، وهذه القائمة بالفعل تتحدث عن نفسها وتقدم صورة واضحة للوضع".
وكانت وزارة الدفاع الروسية أعلنت في وقت سابق شن ضربات مكثفة على منشآت صناعية أوكرانية للطيران والصواريخ والمدرعات، ولم ترد أي إشارة إلى ضربات على كييف في بيان وزارة الدفاع الروسية.
من جانبه أكد المتحدث باسم الرئاسة الروسية دميتري بيسكوف، في رده الخميس على سؤال في شأن ما تردد عن ضربة من القوات المسلحة الروسية على كييف، أن العسكريين الروس "يواصلون توجيه ضربات للأهداف العسكرية وشبه العسكرية، في إطار المهام التي حددها القائد الأعلى للقوات المسلحة".
فيلسوف بوتين يشيد
الفيلسوف والعالم السياسي الروسي ألكسندر دوغين، الذي يعتبر المنظر الأيديولوجي للكرملين ولبوتين شخصياً، أكد أن تحرير كورسك نجاح كبير، داعياً إلى تحرير سومي وخاركوف وأوديسا من النازيين.
وقال دوغين إن "من المهم للغاية عدم التوقف عند ما تم تحقيقه، فنحن لم نحرر منطقة خيرسون بالكامل، وكذلك منطقة زابوروجيا، ودونيتسك لا تزال بعض مناطقها تحت سيطرة العدو"، ووفقاً لدوغين، فإن الأراضي الروسية مثل منطقتي كورسك وبيلغورود من "المهم الدفاع عنها"، مضيفاً "يجب أن نفهم أراضينا بشكل واسع، ومن المنطقي تماماً أن تحرير كورسك من النازيين سيتواصل بتحرير سومي وبتحرير خاركوف من النازيين".
وشدد على أن روسيا "لا يمكن أن تتسامح مع النظام النازي، ليس فقط على أراضيها ولكن أيضاً على الأراضي الروسية الأصلية"، مشيراً إلى أنه يعتقد أن تحرير كورسك من غزو عدو رهيب "لحظة رائعة"، والنجاح العظيم هو تحرير جميع الأراضي الجديدة وكذلك خاركوف وأوديسا وخيرسون وغيرها.
وأكد حاكم جمهورية الشيشان الروسية رمضان قديروف، الذي شاركت وحدات من بلاده بفاعلية في عملية استعادة السيطرة على كورسك، أن تحرير المقاطعة بالكامل يكتب صفحة مجيدة أخرى في تاريخ القوات الروسية، ويؤكد قدرتها على تحقيق نجاحات مماثلة على باقي جبهات القتال.
وكتب قديروف في قناته على "تيليغرام"، "أصبح هذا الانتصار صفحة مجيدة أخرى في تاريخ القوات المسلحة الروسية. لقد أثبت أبناء وطننا الأوفياء مرة أخرى أن روسيا لا يمكن هزيمتها"، مضيفاً "أهنئ جميع مواطنينا بهذا الحدث المهم من أعماق قلبي، وأنا واثق من أن نتائج مماثلة ستتحقق في بقية الجبهات"، مؤكداً أن "خطط نظام كييف فشلت مرة أخرى فشلاً ذريعاً".
وتابع قديروف "بفضل التحركات الحاسمة، والشجاعة الكبيرة، والتفاني الكامل من قبل كل جندي روسي، أُحبطت أهداف العدو"، مشيراً إلى أن حصول جميع العسكريين على التقدير العالي من الرئيس بوتين كان شرفاً كبيراً لهم، وقال "لقد قدر الرئيس فلاديمير بوتين إسهام جميع الوحدات التي حررت مقاطعة كورسك، بما في ذلك مقاتلو (قوات أحمد) الخاصة التابعة لوزارة الدفاع الروسية تحت قيادة أخي العزيز أبتي علاء الدينوف، إن سماع هذا التقدير العالي من القائد الأعلى للقوات المسلحة يشرفنا جميعاً، نحن وأفراد (قوات أحمد)، كما وجه رئيسنا كلمات شكر خاصة لكل جندي وضابط أظهر الشجاعة في هذه المعركة الحاسمة".
هذا التحرك المغامر
وضجت الصحف الغربية السبت الـ26 من أبريل بخبر تحرير مقاطعة كورسك، ففي حين رأى بعضها أن كييف فشلت في استخدام المقاطعة كورقة تفاوضية، اعتبرت أخرى أن هذا التطور أزال عقبة كانت تعرقل جهود التسوية.
تحت عنوان "بوتين يعلن النصر في كورسك" نشرت صحيفة "تيليغراف" البريطانية تقريراً أشارت فيه إلى أن الجيش الروسي أعلن طرد القوات الأوكرانية من المقاطعة، وأوردت تصريحات رئيس الأركان الروسي فاليري غيراسيموف، مؤكدة لقرائها أن المقاطعة "تحررت بالكامل"، وقالت صحيفة "بوليتيكو" إن تحرير مقاطعة كورسك "قد يزيل أحد أبرز العراقيل التي تعترض سبيل المفاوضات بين كييف وموسكو".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من جانبها، رأت "نيويورك تايمز" أن المحللين العسكريين انقسموا منذ بداية الهجوم الأوكراني على كورسك حول مدى "حكمة هذا التحرك المغامر"، لافتة إلى أن "كييف كانت تأمل بإمكان التفاوض حول تبادل منطقة كورسك مقابل أراض أخرى، إلا أن موسكو وضعت حداً لهذا الأمر، معلنة رفضها الدخول في أي مفاوضات حول المقاطعة، وأكد الكرملين أن المآل الوحيد لهذه الأراضي هو استعادتها عبر انتصار القوات الروسية.
وفي السياق ذاته، أكدت صحيفة "برلينر تسايتونغ" الألمانية، أن السيطرة على أراضي كورسك كانت تمثل أهمية كبيرة لفلوديمير زيلينسكي، الذي كان يعول على مبادلتها بأراض في إقليم دونباس، ونقلت الصحيفة عن الرئيس بوتين قوله إن الهجوم الأوكراني في كورسك كان "مغامرة انتهت بالفشل".
بدورها، لفتت صحيفة "نيويورك بوست"، إلى أن هدف أوكرانيا كان "تشتيت انتباه موسكو عن معارك دونباس، لكن روسيا تمكنت على رغم ذلك من تحقيق تقدم ميداني على هذا المحور".
وقالت "فايننشيال تايمز" البريطانية، إن "خطة زيلينسكي للاحتفاظ بهذه المقاطعة كورقة مساومة باءت بالفشل"، مؤكدة أن روسيا "طردت القوات الأوكرانية من كورسك"، من دون أن تتراجع عن عزمها وتقدمها في الدونباس.
فشل آخر لأوكرانيا
وقال النائب الفرنسي في البرلمان الأوروبي تييري مارياني إن نظام كييف نفذ عملية دموية لغزو كورسك لكنها لم تحقق أي نتيجة على الإطلاق، وأكد مارياني "نحن نقول (منطقة كورسك) ولكن في الواقع أنتم تعرفون أكثر مني أن القوات الأوكرانية ظلت دائماً بعيدة من مدينة كورسك واحتلت في الواقع منطقة صغيرة. هذا الاجتياح الأوكراني سيظل، كما أريد أن أقول، عملية دموية للغاية بالنسبة إلى الجيش الأوكراني، من دون أي نتائج على الإطلاق".
وأشار السياسي الفرنسي إلى أن فكرة الاحتفاظ بجزء من أراضي منطقة كورسك لتسهيل المفاوضات مع روسيا كانت فكرة بريطانية على وجه الخصوص، ولكنها لم تسفر سوى عن مقتل الآلاف من الجنود الأوكرانيين وفقدان كمية كبيرة من المعدات، مضيفاً "أعتقد أنها حلقة كارثية كان بإمكاننا الاستغناء عنها، ومرة أخرى إذا تأكد أن ذلك تم بمبادرة من البريطانيين، فهذا فشل آخر".
كما لفت أيضاً إلى رمزية هذا الفشل الذي مني به الجيش الأوكراني، حين كانت معركة كورسك عام 1943 في الحرب الوطنية العظمى (الحرب العالمية الثانية) واحدة من أكثر المعارك الحاسمة في تلك الحرب.
وخلص عضو البرلمان الأوروبي إلى القول "اليوم، آمل أن تتواصل المفاوضات في أقرب وقت ممكن لتحقيق السلام، ولكن على أي حال من دون احتلال جزء من الأراضي الروسية".
يحرص الجانب الأوكراني على التزام الصمت حيال عدد الضحايا الذي ارتفع بصورة كبيرة منذ هدنة عيد الفصح، عندما صعد الجيش الروسي هجومه، ويفرض حظراً كاملاً على أي معلومات عن الأجانب القتلى، الذين شارك عدد كبير منهم في المعارك، وبحسب اعتراض الاستخبارات الروسية لمكالمات العدو، تحدثوا في منطقتي كورسك وبيلغورود باللغات الإنجليزية والبولندية والفرنسية والإسبانية.
وفي السياق قال المتخصص العسكري والمحارب القديم العقيد غينادي أليوخين لـ"اندبندنت عربية"، "تُسحب جثث المرتزقة الأجانب من ساحة المعركة في المقام الأول، حتى لا يكون هناك دليل يؤكد مشاركتهم في العمليات القتالية ضمن صفوف القوات المسلحة الأوكرانية. وقد سبق أن قلت إن جثثهم تُرسل عبر مدينة لفوف إلى مدينة رزيسزو البولندية، حيث توجد أكبر مشرحة عسكرية ميدانية في أوروبا الشرقية، وهي الآن مليئة فعلياً بجثث المرتزقة القتلى. وببساطة ليس هناك وقت لنقلهم بطائرات النقل العسكرية سواء إلى الدول الأوروبية أو إلى خارجها وإلى الولايات المتحدة وكندا".
وتحدث أليوخين عن ظهور "عشرات المشارح الميدانية العسكرية من صنع ألماني الآن في منطقة خاركوف ومدينة تشوغويف وفي اتجاه كوبيانسك، وقال "هناك ثلاجات مليئة بالجثث حتى التخمة، هناك كثير من المرتزقة، ولكنهم ليسوا أوروبيين بل من أميركا اللاتينية، من الذين لم يسارعوا إلى الفرار من ساحة المعركة، ولكن غالبية القتلى جنود أوكرانيون متعاقدون تراوح أعمارهم ما بين 18 و24 سنة".
ورأى الممثل التجاري السابق لتركيا في موسكو أيدين سيزر، أن تحرير مقاطعة كورسك يشكل هزيمة مدوية لنظام كييف على كل الجبهات، ويجرده من آخر أوراق الضغط على طاولة المفاوضات.
وأشار سيزر إلى أن كييف شنت الهجوم على منطقة كورسك بدعم من الغرب، ولا سيما من لندن، بهدف امتلاك ورقة ضغط للمفاوضات المستقبلية، وأضاف "بفضل إنهاء احتلال مقاطعة كورسك فقد زيلينسكي آخر فرصة كانت بحوزته للتفاوض. هذا التطور ستكون له تأثيرات بالغة الأهمية في المفاوضات الجارية حالياً، وكذلك على أي مفاوضات مستقبلية. زيلينسكي لم يعد يمتلك أي سردية على طاولة التفاوض يمكن أن تؤثر في ترمب أو في الغرب وبريطانيا، وفي الواقع هذا التطور يعد بمثابة إعلان لهزيمة نظام زيلينسكي على جميع الجبهات"، واختتم الممثل التركي السابق بالقول "أعتقد أننا سنشهد قريباً نتائج إيجابية لجهود ترمب الرامية إلى إحلال السلام في أوكرانيا".
وصرح اللواء التركي المتقاعد بيازيت كاراتاش، بأنه بعد تحرير كورسك من القوات الأوكرانية ستضطر كييف للجلوس إلى طاولة المفاوضات، وإلا فإنها تخاطر بفقدان كامل ساحل البحر الأسود، وقال "روسيا أزالت عقبة أمام المفاوضات السلمية المستقبلية بتحرير مقاطعة كورسك، بينما فقدت أوكرانيا ميزتها. يمكن الجزم بأن الزمن الذي كانت تستطيع فيه أوكرانيا تقديم مطالب مسبقة جديدة للمفاوضات قد ولى. حاولت كييف بدعم من الغرب كسب الوقت من خلال احتلال مقاطعة كورسك، لكن من دون جدوى. مشيراً إلى أن أوروبا تواصل عرقلة إجراء مفاوضات سلمية بين موسكو وكييف بكل الطرق.
من جانبه صرح اللواء المتقاعد في القوات الجوية التركية أردوغان كاراكوش بأن تحرير كورسك سيعزز موقف روسيا الاتحادية في المفاوضات، وحذر من خطر استئناف الولايات المتحدة إمدادات الأسلحة لأوكرانيا مما قد يطيل أمد الأزمة.
ما قدمه جيش كيم
وأكدت المتحدثة الرسمية باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن جيش جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية حارب في منطقة كورسك، وقدم إسهاماً كبيراً في تحرير أراضيها. وجاء في تعليق زاخاروفا الذي ظهر على الموقع الإلكتروني للوزارة "لقد ظهرت صفحة جديدة في السجلات المجيدة للأخوة القتالية بين الشعبين الروسي والكوري"، مضيفة أن مشاركة الجيش الكوري الشمالي جاء وفقاً لأحكام معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة بين موسكو وبيونغ يانغ، التي دخلت حيز التنفيذ في الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2024.
وأضافت زاخاروفا أنه بعد تحرير كورسك ستُحرر بالتأكيد جميع الأراضي الروسية التي ما زالت خاضعة لسيطرة نظام كييف في دونيتسك ولوغانسك وزابوروجيا وخاركوف، مشيرة إلى أن "تحرير الأراضي أصبح ممكناً بفضل الثبات الذي لا يقهر، وبطولة كثير من الأشخاص بذلوا قصارى جهدهم لهزيمة العدو يوماً بعد يوم".
وأكدت زاخاروفا "لقد واجه العدو صمود وشجاعة جنودنا وضباطنا الذين لم يسمحوا للأوكرانيين بالتوغل في عمق المنطقة على حساب أرواحهم، ثم حرروها متراً بعد متر، ونتيجة لذلك هزم العدو تماماً وطُردت فلول قواته من منطقة كورسك".
وأكدت المتحدثة باسم الخارجية الروسية أنها استقبلت بدموع الفرح مع عائلتها بأكملها نبأ تحرير مقاطعة كورسك بصورة كاملة من القوات الأوكرانية. وكتبت في قناتها على "تيليغرام"، "بدموع الفرح في عيوننا استقبلت عائلتنا بأكملها خبر تحرير مقاطعة كورسك. كنا نتابع الأخبار يومياً ونصلي من أجل سكان هذه الأرض التي عانت كثيراً. الحمد لله، فرحة عيد الفصح ببعث السلام في كورسك".
من جهته، أكد رئيس هيئة الأركان العامة الروسية فاليري غيراسيموف أن مقاتلي كوريا الشمالية الذين عملوا جنباً إلى جنب مع القوات الروسية في مقاطعة كورسك أظهروا صلابة وبطولة. وقال خلال تقريره للرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول تحرير كورسك، "أود بصورة خاصة أن أذكر مشاركة عسكريي جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية في تحرير المناطق الحدودية من مقاطعة كورسك، الذين قدموا مساعدة كبيرة وفقاً لاتفاق الشراكة الاستراتيجية الشامل بين بلدينا في دحر مجموعة القوات الأوكرانية المتسللة".
بدورها، أعلنت كوريا الشمالية أن زعيمها كيم جونغ أون قرر إرسال قوات كورية شمالية إلى روسيا وفقاً للمعاهدة الموقعة بين موسكو وبيونغ يانغ، وأن الانتصار في كورسك "أفشل مغامرات الغرب". وجاء في بيان رسمي نشرته وسائل إعلام كوريا الشمالية فجر الإثنين، أن كيم جونغ أون "استنتج أن الوضع مشمول بالمادة الرابعة من معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة" بين روسيا وكوريا الشمالية، وبناء على ذلك "اتخذ قراراً بإرسال قواتنا المسلحة للمشاركة في العمليات القتالية" بمقاطعة كورسك الروسية التي تعرضت لهجوم من قبل القوات الأوكرانية منذ أغسطس 2024.
وقالت اللجنة العسكرية المركزية الكورية الشمالية في بيانها، إنه "بفضل هذا الانتصار الذي لا يقدر بثمن، أُنهي احتلال مقاطعة كورسك من قبل القوات المسلحة الأوكرانية، الذي استمر نحو تسعة أشهر، كما أُفشلت المغامرات السياسية والعسكرية لدول الغرب وسلطات كييف".
وشددت اللجنة على أن أنشطة القوات المسلحة الكورية الشمالية على الأراضي الروسية "تتجاوب كلياً مع بنود وروح ميثاق الأمم المتحدة وغيرها من الوثائق القانونية الدولية"، مشيرة إلى أن "الإتمام الناجح لعملية تحرير مقاطعة كورسك لم يصبح انتصاراً للعدالة على الظلم فحسب، بل ومرحلة تاريخية جديدة أظهرت تحالفاً قتالياً لا يقهر، وأعلى مستوى لعلاقات التحالف والأخوة بين شعبي جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وروسيا". وبحسب البيان، وجه كيم جونغ أون "تحية حارة" لجيش وشعب روسيا "اللذين حققا انتصاراً عظيماً".
وأشاد حزب العمال الكوري الشمالي بأداء وحدات القوات الكورية الشمالية في مقاطعة كورسك، مشيراً إلى أنها "أسهمت بقسط مهم في تحرير الأراضي الروسية"، ومؤكداً أن كوريا الشمالية "ستواصل دائماً وبصورة كاملة دعم قضية جيش وشعب روسيا المقدسة، وستبقى متمسكة بأي أعمال مبنية على روح المعاهدة بين جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية وروسيا".
ماذا بعد كورسك؟
تتضارب التقديرات حول مفاعيل تحرير منطقة كورسك الحدودية من القوات المسلحة الأوكرانية، قبل عيد النصر الـ80 على النازية، الذي تحتفل فيه روسيا باستعراضات هائلة هذا العام، فبينما يعتبر بعض المتخصصين الروس أن هذا التحرير سيكون الخطوة الأولى نحو وقف إطلاق النار في أوكرانيا، وخطوة كبيرة لدعم جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوقف النزف على الجبهة الأوكرانية، يعتقد المتخصص العسكري فاسيلي دانديكين أن الاستيلاء على مدينة بوكروفسك هو الهدف الرئيس للجيش الروسي بعد تحرير منطقة كورسك، لأنها النقطة الأكثر أهمية للقوات المسلحة الأوكرانية، التي تفتح الطريق أمام الجيش الروسي إلى اتجاه سلافيانسك- كراماتورسك.
وتدور حالياً معارك طاحنة في دونباس، وتحديداً حول بوكروفسك، وهي نقطة محورية للقوات المسلحة الأوكرانية وإمدادها اللوجيستي، فهذه المدينة هي التي تفتح الطريق أمام تجمع سلافيانسك-كراماتورسك. ويؤكد دانديكين "هذه منطقة ذات أولوية"، وبحسب قوله فإن إنشاء منطقة أمنية على الحدود مع منطقة سومي لا يقل أهمية الآن.
وتتفق الآراء على أنه بعد تحرير منطقة كورسك، خسر فلاديمير زيلينسكي ورقة رابحة مهمة في المفاوضات المستقبلية لحل النزاع، بحسب ما يعتقد رئيس لجنة مجلس الاتحاد المعنية بالسياسة الإعلامية والتفاعل مع وسائل الإعلام، أليكسي بوشكوف، مشيراً إلى أن وسائل الإعلام الأجنبية توصلت في هذا السياق إلى النتيجة نفسها.
وتجمع وسائل الإعلام الأجنبية على تقييمها العواقب السياسية لتحرير روسيا منطقة كورسك، والاستنتاج الرئيس هو أن زيلينسكي خسر ورقة رابحة مهمة في المفاوضات المستقبلية.
وفي وقت سابق اعترف زيلينسكي بأن هدف غزو القوات المسلحة الأوكرانية هو الإسهام السياسي في المفاوضات المستقبلية والاستيلاء على السكان من أجل تبادل لاحق للعسكريين.
إعلان روسيا عن هدنة مايو بمناسبة الذكرى الـ80 للنصر على النازية، إذ سيتم وقف الأعمال القتالية بتوجيه من الرئيس فلاديمير بوتين لأسباب إنسانية، لا يعني أن الحرب انتهت أو شارفت على التوقف، إذ هي ليست أكثر من استراحة محارب، وفرصة للجهود الدبلوماسية من أجل تحقيق تقدم لم تصل إليه لغاية اليوم.
لذلك أكد الكرملين في بيان أن "على أوكرانيا أن تحذو حذو روسيا وتعلن وقف إطلاق النار في الذكرى الـ80 للنصر، وفي حال انتهاك وقف إطلاق النار من قبل الجانب الأوكراني فإن القوات الروسية سترد رداً مناسباً وحاسماً".
وشدد البيان على أن "الجانب الروسي يؤكد مجدداً استعداده لإجراء مفاوضات سلام من دون شروط مسبقة، تهدف إلى معالجة الأسباب الجذرية للأزمة الأوكرانية، وإلى تعاون بناء مع الشركاء الدوليين في شأن تسوية الأزمة".
وأكد الكرملين أن "إعلان الرئيس بوتين هدنة مايو في أوكرانيا كان مدفوعاً باعتبارات إنسانية، ويعد مظهراً من مظاهر حسن نية رئيس الدولة الروسية، الذي يؤكد استعداده للخروج إلى مسار التسوية السلمية".