Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بعد زيارة ماكرون... مصر تعمل لتحشيد الجهود ضد التهجير

القاهرة عولت على دور باريس في الأزمة ومراقبون: أوروبا لن تتمكن من الضغط على إسرائيل وإجبارها على إنهاء الحرب

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في مدينة العريش الحدودية المصرية (أ ف ب)

ملخص

"فرنسا لن تكون قادرة على الوجود بقوة داخل الإقليم. باريس تبحث عن دور داخل الشرق الأوسط، بعد أن فقدت دورها في سوريا ولبنان والساحل الأفريقي، والظروف ربما غير مهيأة حالياً لدور قوي لها في الشرق الأوسط، لكن إذا توافرت الإرادة السياسية يمكن أن يتزايد ذلك الحضور من جديد"

شهدت الأيام الماضية تحركات مصرية متواصلة نحو حشد دعم وتأييد دولي لموقف القاهرة من تهجير الفلسطينيين، آخرها زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مصر، والقمة الثلاثية بين القاهرة وباريس وعمان، مما عدَّ استباقاً لزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المنطقة، وإعلان موقف عربي - أوروبي داعم لرؤية مصر والأردن اللتين تعدان تهجير الفلسطينيين وإجبارهم على الفرار نحو شبه جزيرة سيناء والأردن خطاً أحمر غير مقبول يصل إلى إعلان الحرب، وفقاً لتصريحات المسؤولين الحكوميين في البلدين.

وتثير هذه التطورات تساؤلات المراقبين في شأن إذا ما كانت مصر بصدد محاولة تدشين محور جديد داعم لها لمقاومة مخطط التهجير وتصفية القضية الفلسطينية، ففي ضوء زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون القاهرة، وتصريحاته أخيراً بإمكانية الاعتراف بدولة فلسطينية قريباً، يبدو من الجدير التساؤل حول سيناريوهات هذا التحرك، وفرص نجاحه في ظل تنامي الخلاف بين عدد من الدول الأوروبية والإدارة الأميركية، وكذلك الإصرار الإسرائيلي المدعوم أميركياً.

دبلوماسية تعبوية

يرى المتخصص في مجال العلوم السياسية بجامعة قناة السويس سعيد الزغبي أن زيارة الرئيس ماكرون إلى مصر تعكس "تقارباً استراتيجياً بين البلدين"، ومن ثم يبدو أن "مصر تسعى إلى تشكيل محور داعم جديد بالتعاون مع فرنسا ودول أوروبية أخرى، لتعزيز موقفها الإقليمي ودعم القضية الفلسطينية، وبخاصة في ما يتعلق برفض التهجير والسعي نحو الاعتراف بالدولة الفلسطينية من خلال الدبلوماسية التعبوية التي تنتهجها السياسة الخارجية المصرية".

ويصف الزغبي ما يجري من شد وجذب على المستويين الإقليمي والدولي بأنها مباراة تدار الآن في المجتمع الدولي، من خلال المواجهة الأوسع بين الإدارة الأميركية وحزب الليكود اليميني المتطرف، وما بين طاولة مفاوضات بأسلوب غير مباشر جديد على علم المفاوضات السياسية بين دولتين انقطعت أواصر العلاقات الدبلوماسية والسياسية بينهما منذ يقرب من 45 عاماً تقريباً، وهما الولايات المتحدة وإيران، والمباراة الأخرى تدور في المنطقة العربية بقيادة مصر في التوقيت نفسه، وبجميع الآليات يلعب الطرفان مباراة في غاية الأهمية بفاعلين دوليين كبار، والآن نحن في انتظار النتيجة "إما التهدئة وإما الصراع المستمر في التصاعد".

ومن أهم مخرجات الزيارة أن ماكرون أعرب عن دعم فرنسا الكامل للمبادرة المصرية لإعادة إعمار غزة، ورفضه تهجير الفلسطينيين وضم الأراضي الفلسطينية، وهو ما يراه الزغبي ليس "وليد اللحظة لكن سبقه من قبل رئيس المجلس الأوروبى أنطونيو كوستا في كلمته التي أعلنت الدعم الكامل لرؤية مصر الاستباقية، في وضع آليات تنفيذ لخطة إعمار غزة دون تهجير أي غزي من أراضي القطاع الفلسطيني، خلال الرابع من مارس (آذار) الماضي في مؤتمر قمة فلسطين الاستثنائية الذي يمكن عدَّه بداية ولادة محور داعم جديد للقضية الفلسطينية".

ويعتقد المتخصص في مجال العلوم السياسية أن نهج الدبلوماسية المصرية يعكس مقاربة جديدة من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يمكن تسميته الدبلوماسية التعبوية من أجل تعبئة الرأي العام العالمي دعماً لمبدأ حل الدولتين، وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 لعام 1948، موضحاً "مصر حشدت رأياً عاماً دولياً منذ زيارة السيسي النرويج وإيرلندا والدنمارك، وأخيراً الزيارة الأخيرة إلى إسبانيا تلك الدولة التي اعترفت أخيراً بالدولة الفلسطينية خلال مايو (أيار) 2024، ومن المتوقع أن تلتحق دول أوروبية أخرى بهذا التوجه، وبخاصة في ظل تنامي الخلافات بينها والإدارة الأميركية في شأن السياسات داخل الشرق الأوسط، وأيضاً فرض الرسوم الجمركية".

وخلال زيارة ماكرون، أجرى قادة مصر وفرنسا والأردن مكالمة هاتفية مشتركة مع الرئيس الأميركي على هامش القمة الثلاثية التي عقدت في القاهرة، وناقش القادة الثلاثة مع ترمب سبل ضمان وقف إطلاق النار بصورة عاجلة داخل قطاع غزة، مشددين على "أهمية تهيئة الظروف المناسبة لتحقيق أفق سياسي حقيقي وتعبئة الجهود الدولية لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني، واستعادة الأمن والسلام للجميع وتنفيذ حل الدولتين"، بحسب ما ذكر بيان صادر عن الرئاسة المصرية.

إرادة سياسية حقيقية... شرط النجاح

وبينما يتوازى التحرك المصري-الفرنسي مع اجتماعات ماراثونية تحت مظلة "التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين" الذي أطقته السعودية سبتمبر (أيلول) 2024، الذي أسفر عن رفع عدد الدول التي تعترف بالدولة الفلسطينية إلى 149 خلال عدة أشهر، يعتقد المتخصص في شؤون الأمن القومي اللواء محمد عبدالواحد أن الضغوط والتحركات العربية أسهمت بصورة كبيرة في "تشكيل موقف أوروبي مختلف"، من زيارة ماكرون واعتراف إسبانيا والنرويج وإيرلندا، وأخيراً اتجاه فرنسا أيضاً للاعتراف بالدولة الفلسطينية.

ويرى عبدالواحد أن دلالة زيارة الرئيسين السيسي وماكرون العريش قرب الحدود المصرية-الفلسطينية مهمة، وتعد "تعبيراً واضحاً على وجود محور سياسي ’عربي–غربي‘ داعم للتسوية السياسية وحل الدولتين، بعيداً من المحور ’الأميركي–الإسرائيلي‘ الداعم لمخطط التهجير والحل العسكري"، معتبراً أن ماكرون بعث رسالة من مصر إلى الولايات المتحدة وإسرائيل بأن "باريس داعمة للقضية الفلسطينية، وأن القرار الفرنسي مستقل بعيداً من الهيمنة الأميركية".

ويضيف عبدالواحد "باريس العضو الدائم في مجلس الأمن تمتلك قدرة كبيرة ومؤثرة في دعم القضية الفلسطينية على المستويين الدولي والإقليمي، من خلال موقعها داخل الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى رغبة القاهرة في الحصول على الدعم الأوروبي لخطتها في إعادة إعمار غزة، التي تواجه ضغوطاً أميركية وإسرائيلية".

وفي ظل قرب انعقاد المؤتمر الدولي للسلام خلال يونيو (حزيران) المقبل بنيويورك، أوضح متخصص الأمن القومي أن مصر "تحاول تدشين محور داعم لموقفها وللقضية الفلسطينية وعدم تهجير الفلسطينيين، من خلال توظيف الظروف الدولية الراهنة وتشدد الإدارة الأميركية تجاه أمور كثيرة، معولة على فرنسا نتيجة ثقلها الدولي في مجلس الأمن وداخل الاتحاد الأوروبي، وتلاقي مواقفهما إزاء توجهات الإدارة الأميركية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحول مدى نجاح ذلك المحور المرجح تشكيله يقول عبدالواحد "نجاحه يتوقف على وجود إرادة سياسية حقيقية لدى فرنسا، لحشد رأي عام أوروبي داعم للقضية، وكذلك قدرتها على مواجهة الضغوط الإسرائيلية والأميركية، فربما تفسر مواقف باريس على أنها مناهضة للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط أو ضد مصالحها، ومن ثم يمكن أن تخشى من ردود فعل أميركية وتفسيرات خاطئة، وعليه فرنسا لن تكون قادرة على الوجود بقوة داخل الإقليم. هي تبحث عن دور داخل الشرق الأوسط، بعد أن فقدت دورها في سوريا ولبنان والساحل الأفريقي، والظروف ربما غير مهيأة حالياً لدور قوي لفرنسا في الشرق الأوسط، لكن إذا توافرت الإرادة السياسية يمكن أن يتزايد ذلك الحضور من جديد".

ويستكمل عبدالواحد "فكرة تشكيل محور مناهض للهيمنة الأميركية موجودة على الساحة الدولية لكن تنقصها الجرأة، فمحور ’بريكس‘ مناهض للهيمنة الأميركية لكنه غير فعال نتيجة تركيزه على الأبعاد الاقتصادية، والولايات المتحدة حريصة على مراقبة أية تحركات ضدها، وبخاصة أن سياسات ترمب المعادية للعالم كله ربما تخلق محوراً مناهضاً للولايات المتحدة أو تُنشئ تحالفات متعددة ضد الهيمنة الأميركية، وفي إطار حرصها على ذلك الانفراد بالخصم تنطلق واشنطن من منطقة إلى أخرى دون فتح أكثر من جبهة، فهي تعمل على تحييد موسكو وبكين بينما تزيد الضغوط والمواجهة ضد طهران"، وفق تعبيره.

أي تأثير تمتلكه فرنسا في الشرق الأوسط؟

على الوجه المقابل، يرى الباحث المتخصص في الشؤون الأوروبية داخل مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية بالقاهرة بهاء محمود عرابي أن الموقف المصري "ليس ضعيفاً، لكي يحتاج إلى دعم دولي في منع تهجير الفلسطينيين إلى أراضيها، فقد حققت القاهرة توافقاً عربياً على إعادة الإعمار وتواصل الوساطة من أجل الهدنة، وهناك موافقة على دعم إعادة الإعمار من جانب الأمم المتحدة. ولذلك، مصر ليست في حاجة إلى تشكيل محور لدعمها في منع التهجير".

ويعتقد عرابي أنه من غير المتوقع الآن بعد مرور ما يزيد على عام ونصف العام من العدوان أن تقوم الدول الأوروبية بخطوات ملموسة في مواجهة إسرائيل، موضحاً "تصريحات ماكرون خلال زيارته مصر لا تعكس التزاماً بالاعتراف بالدولة الفلسطينية. تصريح استهلاكي وإعلامي بالأساس، بدليل تأكيده الالتزام بأمن إسرائيل لاحقاً. ولا تزال فرنسا من بين أبرز الدول الداعمة لإسرائيل في هذه الحرب، ولم تمنع توريد الأسلحة إليها".

ويؤكد الباحث المتخصص في الشؤون الأوروبية أن دور باريس "محدود سواء في غزة أو لبنان، وهي غير قادرة على لعب دور للوصول إلى الهدنة أو الضغط على إسرائيل لإنفاذ دخول المساعدات الإنسانية قطاع غزة، ودورها في اتفاق الهدنة داخل لبنان جاء بعد تدمير إسرائيل قدرات وقيادات ’حزب الله‘ وليس نتيجة الدور الفرنسي، والخلاف الراهن بين الولايات المتحدة وأوروبا ليس جوهرياً، ولا يسمح لأوروبا بالتحرك مستقلة"، مشدداً على أنه لا تزال مواقف الغرب "تابعة للولايات المتحدة وتحت مظلتها الدفاعية والأمنية، وإدانتهم الحرب في غزة أو تحدي إدارة ترمب في ملف الحرب التجارية لا يعكس مواجهة بين ضفتي الأطلسي، ولا يزال الاتحاد الأوروبي يعاني انقساماً نتيجة عدم وحدة المواقف السياسية".

كذلك، يقول المتخصص في مجال العلوم السياسية الفلسطيني أيمن الرقب إن مصر بلورت موقفاً جماعياً من رفض التهجير منذ عقد المؤتمر الدولي للسلام خلال الأيام الأولى للحرب، وشكلت محوراً ضاغطاً باتجاه رفض التهجير، وأثرت في مواقف دول كثيرة وعلى رأسها الموقف الفرنسي الذي تحول من دعم العدوان الإسرائيلي إلى دعم الدولة الفلسطينية وحل الدولتين والوصول إلى إنهاء الحرب لإعادة الإعمار، والاعتراف بالدولة الفلسطينية خلال يوليو المقبل، وهي اللحظة التي تخطط لها السعودية أيضاً مع فرنسا عقب المؤتمر الدولي في نيويورك. وعليه هذه هي الصورة العامة، محور على الساحة الدولية يواجه المواقف الأميركية ويحدث حالاً من التوازن في العالم.

لكن الرقب يعود ويقول إنه "لا يمكن إغفال أن الجهة الوحيدة القادرة على الوقوف في وجه إسرائيل والضغط عليها هي الولايات المتحدة، وأوروبا حتى إن توحدت مواقفها لن تتمكن من الضغط على إسرائيل وإجبارها على إنهاء الحرب، والمثال على ذلك انسحاب المجر من المحكمة الجنائية الدولية لرفض تنفيذ قرار اعتقال نتنياهو خلال زيارته الأخيرة إلى بودابست".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير