ملخص
حذر عدد من المتخصصين من هذه الوضعية غير الاعتيادية التي قد تؤثر في نسق نمو الاستثمار أحد أهم رافعات تحقيق النمو الاقتصادي لتونس، بعدما تراجعت نسبته إلى 1.4 في المئة عام 2024
تراجعت عمليات تمويل المصارف التونسية للاقتصاد الوطني من 4.8 في المئة من إجمال القروض البنكية عام 2023 إلى 3.2 في المئة عام 2024، وتلك الوضعية توضح جلياً مدى التناقض الكبير في المشهد الاقتصادي العام في البلاد بانقلاب المفاهيم رأساً على عقب.
فبدلاً من أن تقوم المصارف بدورها الطبيعي والأساس في تمويل الاستثمار والشركات، صارت منذ أعوام عدة تمارس هوايتها الجديدة في إقراض موازنة الدولة بنسب فائدة وبضمانات مهمة.
إلى ذلك، حذر عدد من المتخصصين من هذه الوضعية غير الاعتيادية التي قد تؤثر في نسق نمو الاستثمار أحد أهم رافعات تحقيق النمو الاقتصادي لتونس، بعدما تراجعت نسبته إلى 1.4 في المئة عام 2024.
وفي الأثناء ارتفعت الكتلة النقدية في السوق التونسية بنسبة 57.1 في المئة مقابل تواصل تعطل لافت للاستثمار وزيادة مستوى البطالة في البلاد، فضلاً عن تراجع مستوى الإنتاجية بنسبة 0.2 في المئة سنوياً خلال الأعوام الخمسة الماضية وفق بيانات منظمة العمل الدولي.
وعلى النقيض من ذلك زادت التمويلات الممنوحة من مؤسسات القرض (البنك المركزي والبنوك التجارية) بنسبة 10.6 في المئة عام 2024.
ويرجع ارتفاع الكتلة النقدية في البلاد، أساساً إلى العمليات المالية للدولة، إذ زادت عمليات إقراض البنوك للدولة 30.4 في المئة خلال عام كامل مقابل تسجيل زيادة طفيفة لعمليات تمويل البنوك للاقتصاد الوطني بلغت 3.2 في المئة فحسب مقابل 4.8 في المئة عام 2023.
احتكار الدولة لقائم القروض
وفي وقت تحتكر الدولة 1.6 في المئة من إجمالي القروض عام 2010 و16.1 في المئة خلال الأعوام الخمسة الماضية، قفزت هذه النسبة إلى أكثر من 30 في المئة حالياً من إجمالي القروض.
ومن أبرز سمات هذه الوضعية غير الطبيعية أن البنك المركزي التونسي، لم يكُن يمتلك ديوناً تجاه الدولة في الفترة ما بين عام 2010 وعام 2011، بينما وصلت قيمة الديون على الدولة إلى 36.4 في المئة من محفظته المالية.
وبحسب مؤشرات البنك المركزي التونسي وصلت الكتلة النقدية عام 2024 إلى 132.7 مليار دينار (42.8 مليار دولار) مسجلة نمواً بنسبة 10.7 في المئة مقابل 7.9 في المئة عام 2023.
ويترجم هذا التطور بحسب بيانات البنك المركزي تسارع الودائع لدى البنوك التي نمت 10.4 في المئة مقابل معدل 4.5 في المئة عام 2023، بينما تسارع نسق الأموال نقداً بصورة لافتة، إذ تطور بمعدل 11 في المئة العام الماضي مقابل 10.1 في المئة عام 2023.
وحصلت الدولة العام الماضي على قروض قياسية وصلت إلى 30.7 في المئة من إجمال القروض، بينما انخفض إجمال القروض الموجهة إلى الاقتصاد بنسبة 69.3 في المئة في 2024 مقابل نحو 90 في المئة منذ 10 أعوام.
ارتفاع لافت لخدمة الدين الخارجي
وشهدت قيمة خدمة الدين الخارجي لتونس خلال يناير (كانون الثاني) الماضي زيادة لافتة بلغت 4.5 مليار دينار (1.4 مليار دولار)، مقابل معدل سنوي 835 مليون دينار (283 مليون دولار) خلال الأعوام الخمسة الماضية.
واستأثرت خدمة الدين الخارجي بموجب هذا الارتفاع اللافت في يناير الماضي من هذا العام بنسبة 2.6 في المئة من الناتج الإجمالي المحلي.
واحتكرت خدمة الدين الخارجي للبلاد لوحدها نحو ثلاث مرات نصف عائدات القطاع السياحي وتحويلات التونسيين المغتربين، مما أثر في احتياط البلاد من العملة الصعبة الذي نزل من قدرته على تغطية 123 يوماً إلى 102 يومي توريد فقط، بحسب بيانات البنك المركزي التونسي.
تأثير في نسق نمو الاستثمار
واعتبر المتخصص في الأسواق المالية معز حديدان في تصريح إلى "اندبندنت عربية" أن هناك سببين رئيسين لضعف تمويل الاقتصاد من طرف المصارف، يتعلق الأول بلجوء الدولة إلى القطاع البنكي لتمويل نفقات الموازنة العامة، مما يتطلب موارد مالية كبيرة، خصوصاً أن المصارف التونسية لا تتحمل خطورة كبيرة على هذه القروض.
وأضاف أن "الأمر الثاني يتعلق بوضعية الشركات التي تشكو صعوبات، لا سيما أن هناك نسبة نمو ضعيفة للاستثمار"، موضحاً أن ليست هناك استثمارات كبرى لتموليها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
إلى ذلك رأى حديدان أن الشركات الكبرى التي لها ضمانات مالية محترمة لدى البنوك لم تطلب تمويلاً كبيراً لاستثماراتها، أما الشركات الصغرى فالمصارف التونسية صارت متخوفة وتحترز لإسناد قروض من دون ضمانات أو من دون مردودية اقتصادية لاحقة وهي حزمة من العوامل تفسر تباطؤ نسق القروض لفائدة الاستثمار، خصوصاً وتمويل الاقتصاد عموماً، مؤكداً أن هذه الوضعية لها تأثير في نسق الاستثمار بالتالي في النمو.
ورجح أن تنفرج الوضعية نسبياً في غضون هذا العام مرجعاً ذلك إلى أن جزءاً من قروض الدولة ستمول من البنك المركزي في حدود سبعة مليارت دينار (2.2 مليار دولار).
نسق ضعيف
من جانبه، قال المتخصص المالي بسام النيفر إن نسق القروض الموجهة لتمويل الاقتصاد ينمو بنسق أقل من الأعوام الماضية، معتبراً ذلك أمراً طبيعياً. وأشار في حديثه إلى "اندبندنت عربية" إلى غياب طلبات كبيرة للتمويل وأن الشركات لا تطلب تمويلاً من البنوك بهدف الاستثمار، بل تطلب قروضاً قصيرة المدى لتلبية حاجات يومية وللتسيير فحسب.
وبرر ذلك بأن الوضعية الاقتصادية للبلاد ليست جيدة وبغياب رؤية واضحة لكي تراهن المصارف على بعض الأنشطة الاقتصادية المربحة وتمويلها. وأشار النيفر من جانب آخر إلى أن هناك إشكالية ستطفو في الفترة المقبلة لتزيد من إشكالية التمويل للشركات، خصوصاً الصغرى والمتوسطة منها، تتعلق بمسألة تنقيح قانون الصكوك البنكية في تونس الذي دخل رسمياً حيز التطبيق في الثاني من فبراير (شباط) الجاري.
وفي هذا الشأن، أكد أن المؤسسة الاقتصادية بصدد الاقتراض من البنوك لتسيير شؤونها واليومية (لدفع أجور ومستحقات المزودين) على حساب الاستثمار طويل الأمد لغرض التطوير والتجديد. وأشار النيفر إلى أزمة يراها جوهرية من وجهة نظره، تتمثل في استمرار المصارف بإقراض الدولة على حساب تمويل الاقتصاد والاستثمار وأن عملية منح القروض تقتصر على قروض صغيرة وليست على علاقة بالمسائل الاستثمارية.