Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دروس ووترغيت... كيف سيحبط الجمهوريون عزل ترمب؟

تمكن الجناح اليميني من تشييد نظام لا يسمح بإجبار الرئيس على التنحي بسهولة ومن دون مقاومة

مثلما حدث مع ريغان لن يكون من السهل أن يتخلى الجمهوريون حالياً عن ترمب (رويترز)

في خضم الجدل الساخن والاتهامات المتبادلة يومياً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وخصومه الديموقراطيين في شأن إذا ما كان خالف الدستور بما يستوجب عزله، يبدو عدد من قادة الجمهوريين في حالة اطمئنان، ليس لأنهم يعلمون أن ترمب بريء من اتهامات الديموقراطيين، وليس لكونهم يسيطرون على مجلس الشيوخ الذي سيحسم وحده مسألة عزل الرئيس في نهاية المطاف، ولكن لعدة ركائز أخرى نجح الجمهوريون في تشييدها وترسيخها، بعدما تلقوا دروساً لا تُنسى من استقالة الرئيس الجمهوري ريتشارد نيكسون عام 1974 تحت تهديد التحقيق معه في اتهامات فضيحة ووترغيت تمهيداً لعزله. 

خطة من ثلاث أذرع 

منذ فضيحة ووترغيت، وعلى مدى عقود من الصبر والحرص والعزيمة، تمكن الجناح اليميني في الولايات المتحدة من تشييد نظام لا يسمح بإجبار أي رئيس جمهوري على التنحي من منصبه بسهولة ومن دون مقاومة. نظام يرتكز على ثلاث أذرع رئيسة في مراكز السلطة المؤثرة. 

أولها، خلق بيئة إعلامية مواتية تدافع عن اليمين المحافظ والجمهوريين، وهو ما تمثل في شبكة أخبار فوكس نيوز وعدد من القنوات الأخرى والصحف والمواقع الإخبارية. 

ثانيها، تشكيل نخبة مثقفة ومؤثرة عبر تأسيس رابطة من أساتذة الجامعات ذوي الميول اليمينية، وإنشاء مراكز بحوث وتفكير ودراسات تمولها مؤسسات محافظة. 

ثالثها، العمل المؤسسي لاختيار فريق من القضاة المخلصين للتيار اليميني وأصحاب الولاء للحزب الجمهوري في المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية.

فهم المؤسسة الجمهورية 

من أجل فهم طبيعة المؤسسة الجمهورية، فإن الأمر يتطلب فهم ما حدث خلال فضيحة ووترغيت. 

وفقاً للمعايير المثالية، كانت ووترغيت نجاحاً للقيم الأميركية والتوافق بين أصحاب المبادئ في الحزبين الكبيرين الجمهوري والديموقراطي لحماية الدستور، في ظل زخم إعلامي ونخبوي قوي يتفق على أن تورط الرئيس نيكسون في التجسس على مقر حملة الحزب الديموقراطي صيف 1972 في مبنى ووترغيت داخل واشنطن، لا يمكن الدفاع عنه. 

لكن الحقيقة التي تتحدث عنها بعض الصحف الأميركية هي أن الحزب الجمهوري آنذاك لا يختلف كثيراً عن الحزب الجمهوري في الوقت الراهن، إذ كان يمكن أن تسير الأمور في اتجاه آخر، وخصوصا أن كثيرين من قادة الحزب الجمهوري في السبعينيات اعتقدوا أن نيكسون كان ضحية ظلم متوحش يجب ألا يتكرر مرة أخرى.

ما أشبه الليلة بالبارحة 

ووفقاً لما يراه بعض المراقبين، فإن ما حدث مع نيكسون شبيه بما يجري الآن مع تغيير بعض الأسماء، إذ فشلت المحاولات الأولى للتحقيق داخل الكونغرس في قضية ووترغيت، وتساءل قادة جمهوريون عما يعرفه الرئيس ومتى علم به سعياً لحمايته، كما وصف المتحدث الصحافي باسم البيت الأبيض تقرير "واشنطن بوست" الذي تحدث عن أن نيكسون تآمر ضد الديموقراطيين بأنها "صحافة رديئة مخادعة وسياسية الدوافع، بل ومُنسقة مع المرشح الديموقراطي جورج مكغوفيرن". 

وبعد انتخابات 1972، فسر السيناتور جيسي هيلمز عن ولاية نورث كارولينا تحقيقات الكونغرس ضد نيكسون بأنها كانت محاولة من الديموقراطيين للانقلاب على اختيار الشعب الأميركي للمحافظين في الانتخابات، فقد كان الديموقراطيون – حسب هيلمز - هم الأشرار الذين ارتكبوا جرائم تبدو معها فضيحة ووترغيت أشبه بنزهة مدرسية. 

لم يكن نيكسون من وجهة نظر الجمهوريين ومنهم رونالد ريغان الذي كان حينذاك حاكماً لولاية كاليفورنيا يستحق الإدانة والعزل، كما واصل مناصروه تأييده حتى في نيويورك معقل الديموقراطيين، لكن بحلول يوليو (تموز) 1974، وعلى الرغم من موافقة اللجنة القضائية في مجلس النواب على ثلاث فقرات اتهام ضد الرئيس، كان نيكسون قادراً على تحدي الاتهامات، خصوصاً أن ثلث الأعضاء الجمهوريين فقط في اللجنة القضائية، صوتوا لمصلحة الاتهامات. 

وعلى الرغم من أن الديموقراطيين سيطروا على مجلسي النواب والشيوخ في هذا الوقت، فإن عزل الرئيس كان يتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ أي 67 عضواً بينما كان للديموقراطيين 55 عضواً فقط.

المحكمة العليا أطاحت نيكسون 

غير أن ما أنهى رئاسة نيكسون بالفعل– حسب وصف المجلس الدستوري الوطني في الولايات المتحدة – هو حكم المحكمة العليا الذي صدر بالإجماع وأجبر نيكسون على تسليم شرائط تسجيل محادثات أجراها من المكتب البيضاوي إلى اللجنة القضائية في مجلس النواب، وكشفت إحداها أنه ناقش خططاً لعرقلة تحقيق أجراه مكتب التحقيقات الفيدرالي "إف بي آي"، في واقعة اقتحام مكتب حملة الحزب الديموقراطي في مبنى ووترغيت للتجسس عليه وسرقة وثائق منه. 

حينذاك، أصبح من المستحيل سياسياً حماية نيكسون، فذهب عدد من الأعضاء الجمهوريين في مجلسي الشيوخ والنواب إلى البيت الأبيض لمطالبة الرئيس بالاستقالة وهو ما تم بالفعل في اليوم التالي مباشرة. 

ولهذا، لم يتم اتهام الرئيس نيكسون في مجلس النواب، ولم تحدث إدانته في مجلس الشيوخ، لكن ما أجبره على الاستقالة هو تخلي الجمهوريين عنه. 

ندم جمهوري 

بعدما حدث، ظلت رقعة واسعة من النخبة الجمهورية تعتقد أنه ما كان ينبغي على النواب الجمهوريين في الكونغرس التخلي عن الرئيس باعتباره آثما، إذ ارتكبت ضده آثام عدة، فقد كتب وليام سيمون وزير خزانة نيكسون كتاباً عام 1978 تحت عنوان "لحظة الحقيقة"، قال فيه إن ما فعله نيكسون يعد أمراً تافهاً ووصف استقالته بأنها مُصيبة ضربت الأمة الأميركية. 

أما أليكسندر هيغ، رئيس هيئة موظفي البيت الأبيض في عهد نيكسون، الذي شغل منصب وزير خارجية الرئيس ريغان، فقد تملكه شعور بأن الأمر كله لم يكن شرعياً لأن الديموقراطيين انطلقوا لاعتقال الجميع سعياً لمكاسب حزبية. 

ووفقاً لكاتب خطابات نيكسون باتريك بوكانان، الذي رشح نفسه للرئاسة بعد ذلك، كانت ووترغيت انقلاباً سياسياً ضد أكبر اكتساح انتخابي في التاريخ الأميركي بهدف تدمير رئيس أهان المؤسسة الليبرالية بعدما فاز نيكسون في 49 ولاية أميركية.

الانتقام من المؤسسة الليبرالية 

تولد لدى الجمهوريين مشاعر حزينة بأن الأمور سارت في الطريق الخطأ بسبب المؤسسة الليبرالية المتمثلة في الإعلام الليبرالي وأساتذة الجامعات الليبراليين والقضاة الليبراليين. فجميعهم طعنوا نيكسون. 

كان التأثير الليبرالي طاغياً، لدرجة أن الحزب الجمهوري لم يكن يثق في قضاته بعدما صوّت خمسة من قضاة المحكمة العليا الذين عينهم رؤساء جمهوريون ضد الرئيس نيكسون، منهم ثلاثة عينهم نيكسون نفسه. 

ولهذا كان الرد الجمهوري هو العمل على تحقيق رؤية نيكسون نفسه، الذي قال عام 1973 لرئيس موظفي البيت الأبيض إن الجمهوريين في حاجة إلى خلق مؤسسة جديدة تبدأ بإنشاء قنوات إخبارية كي تنخرط في هجوم شرس ضد المعارضة.

إعلام وقضاء ونخبة 

وبالفعل، طالبت إدارة نيكسون من مؤيدين خارجيين شراء شبكة تلفزيونية، وهو ما وصفه البعض بأنه فكرة ممتازة ومنهم مستشار نيكسون روجر آيلس، الذي أصبح مديراً للأخبار في مؤسسة تي إن آي الإخبارية بتمويل من قطب المال المحافظ جوزيف كورز، الذي أسس بعد ذلك شبكة أخبار "فوكس نيوز" الشهيرة مع روبرت مردوخ. 

أما الجانب القضائي، فقد نشر المحامي لويس بأول، الذي رشحه نيكسون للمحكمة العليا عام 1971 بياناً قبل تعيينه يؤكد فيه أن القضاء هو أكثر أداة مهمة لإحداث تغيير سياسي واقتصادي واجتماعي، كما كتب جون إرلشمان مستشار نيكسون مقالاً عام 1982، جاء فيه أن نيكسون أراد أن يملأ المحاكم بقضاة صغار السن ليدافعوا عن الاتجاهات الجمهورية. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بعد استقالة نيكسون، تولى وزير خزانته وليام سيمون رئاسة "مؤسسة أولن" المحافظة من عام 1977 وحتى وفاته في 2000، حيث حصل على تمويل من أثرياء المحافظين والمؤسسات اليمينية الغنية لدعم الباحثين وعلماء الاجتماع والكُتاب والصحافيين بهدف مقاومة التيار الليبرالي القوي في المجتمع الأميركي، إذ قال إن "الأمر الوحيد الذي يستطيع إنقاذ الحزب الجمهوري هو خلق نُخبة مضادة". ما جعل مجلة "ناشيونال ريفيو" تَصفُ مؤسسة أولن بأنها مَصدر رأس المال الرئيس لمؤامرة يمينية واسعة على حد قولها. 

وهكذا ساعدت مؤسسة أولن في قفز أسماء يمينية إلى الشهرة دفاعاً عن تيار اليمين، كما دعمت العديد من أساتذة الجامعات ومراكز بحوث وتفكير مثل مؤسسة هيرتاج ومعهد مانهاتن. 

غير أن أهم ما فعلته مؤسسة أولن، كان مساهمتها القوية في تأسيس ودعم "الجمعية الفيدرالية" التي خرجت من رحم مؤتمر لأساتذة القانون وطلبته عُقِد عام 1982، فمثلما تعد شبكة فوكس نيوز مؤسسة إخبارية محافظة قوية وسط شبكات الأخبار، تُعد الجمعية الفيدرالية كذلك بالنسبة إلى نقابة المحامين الأميركية حيث أصبحت عضوية هذه الجمعية أشبه بأحد شروط اختيار الرؤساء الجمهوريين للقضاة المحافظين الذين يدافعون عن مواقف الجمهوريين ولا يتحولون عنها بعد توليهم منصب قاض حسب صحيفة بوليتيكو الأميركية. 

والدليل على ذلك أن خمسة من القضاة التسعة في المحكمة العليا الأميركية بمن فيهما نيل غورسيتش و بريت كافانو  اللذّين عينهما ترمب كانا وما زالا  أعضاء في الجمعية الفيدرالية. وينطبق الأمر ذاته على 25 من بين 30 قاضياً فيدرالياً عينهم ترمب في محاكم الاستئناف.

قوة مؤثرة 

قوة المؤسسة الجمهورية التي رسم طريقها نيكسون في البداية، كانت فعالة جداً حتى خلال مراحلها الأولى، فخلال ما سُمِى بفضيحة إيران– كونترا في نهاية الثمانينيات، كان واضحاً أن الرئيس ريغان ارتكب جُرما قد يستوجب إدانته وعزله، إذ انخرط في بيع السلاح سراً لإيران بهدف تمويل متمردي الكونترا ضد الحكومة اليسارية في نيكاراغوا وضمان الإفراج عن معتقلين غربيين خطفتهم عناصر موالية لإيران. 

لكن المحقق الخاص الذي تم تعيينه للتحقيق في القضية كان جمهورياً ومحافظاً، كما لعب الإعلام اليميني مثل صحيفة واشنطن تايمز دوراً مهما لتشجيع السياسيين الجمهوريين على مواجهة الليبراليين الساعين لاتهام ريغان وعزله. وبالرغم من إدانة المحقق الخاص مسؤولين في إدارة ريغان، فإن ثلاثة قضاة في محكمة استئناف العاصمة واشنطن عينهم ريغان وكانوا أعضاء في الجمعية الفيدرالية، أسقطوا هذه الإدانة.

مكاسب ترمب 

ومثلما حدث مع ريغان، لن يكون من السهل أن يتخلى الجمهوريون حالياً عن الرئيس ترمب في معركته ضد الديموقراطيين، فالإعلام المحافظ اليميني النزعة يدافع عنه ويصف اتهامات الديموقراطيين بأنها "أكاذيب"، كما يرى مراقبون أن الناخبين المحافظين لا يتابعون سوى الإعلام المحافظ اليميني الذي يصدقون كل ما يقوله لهم باعتباره الحقيقة الكاملة، وبالتالي لن يتأثر سوى قطاع محدود من قاعدة المحافظين المؤيدين للرئيس ترمب. 

وحيث أن إدارة ترمب لا ترغب في التعاون مع مطالبات لجان مجلس النواب بتقديم وثائق لها حول المحادثة الهاتفية مع الرئيس الأوكراني، فقد يتحول الأمر إلى القضاء الذي قد يكرر سيناريو ريغان في فضيحة إيران– كونترا. 

أما داخل الكونغرس، فلم يوجه سوى نائبين انتقادات علنية للرئيس ترمب، بينما امتنع الآخرون، وهو ما يعطي انطباعاً بأنه لو نجح الديموقراطيون في اتهام ترمب في مجلس النواب حيث يتمتعون بالأغلبية، فإن الأمر سيختلف في مجلس الشيوخ حيث سيكون من الصعب انضمام 20 عضواً من الجمهوريين إلى جانب الديموقراطيين خلال الأشهر المقبلة وتحقيق شرط توفير 67 صوتاً تدعم عزل ترمب ما لم تحدث مفاجآت مدوية وتظهر أدلة لا يمكن الدفاع عنها. 

مع ذلك، يتفق كثيرون على أن ما حدث مع نيكسون قبل 45 عاماً لن يتكرر مرة أخرى. خسر نيكسون الرئاسة، لكن رؤيته التي أصبحت حقيقة نجحت بعد رحيله وأصبحت ووترغيت درساً لا ينسى.