Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

بيكاسو يرسم بورتريه صديقته غيرترود شتاين بملامحه الشخصية

تجديد فني مستقى من أفريقيا أم حيلة مكنته من تفادي قبح الثرية الأميركية وبساطتها؟

جيرترود شتاين أمام البورتريه الذي رسمه لها بيكاسو (متحف الفن الحديث)

ملخص

يكاد البورتريه الذي رسمه الفنان بابلو بيكاسو لصديقته الثرية الأميركية غيرترود شتاين، أن يكون أكثر بورتريه أتعبه فقد استغرق إنجازه 86 جلسة عمل بين الإثنين، وفي النهاية حملت اللوحة ملامحه الشخصية

لعل في إمكاننا اعتبار طريقة الرسام بابلو بيكاسو في "تمرير" البورتريه التي رسمها لصديقته الكاتبة الثرية الأميركية غيرترود شتاين، واحدة من أطرف الألغاز في تاريخ الفن عند بدايات القرن الـ20. وذلك بالتحديد لأننا إن نظرنا إلى تلك اللوحة التي تعتبر منذ إنجازها خلال نهايات العقد الأول من القرن الـ20 أشهر بورتريه في ذلك القرن، سنكتشف خلال ثوان أنها لم تكن بورتريه لشتاين بقدر ما كانت بورتريه لـ... بيكاسو نفسه. بل لوحة تكاد في ملامحها تكون نسخة طبق الأصل من لوحة من نوع البورتريه الذاتي لبيكاسو نفسه رسمها في فترة مقاربة.

ومهما يكن من أمر لا بد أن نذكر هنا الحكاية التي تروى عن بيكاسو نفسه، وفحواها أنه ما إن انتهى من رسم "بورتريه غيرترود شتاين" وعرضه أمام الأصدقاء المشتركين في حضور الثرية الأميركية نفسها، وسأله مشاهدو اللوحة حائرين عما إذا كان لا يلاحظ أنه ليس ثمة تشابه على الإطلاق بين الرسم والمرسومة، حتى من على سائليه بواحدة من ابتساماته الغامضة الشهيرة مدمدماً: "سينتهي الأمر بأن يكون ثمة تشابه بل أكثر من تطابق، فلا تيأسوا!". وتتابع الحكاية أن أسارير غيرترود انفرجت أمام ذلك التأكيد لتعيش حياتها الطويلة منذ ذلك الحين وهي تترقب اللوحة يومياً، وكلها أمل ليس في أن ينتهي الأمر بأن تشبهها اللوحة، بل في أن ينتهي بأن تشبه هي تلك اللوحة.

نهاية انتظار طويل

ولا نعرف شيئاً عن نتيجة كل ذلك الانتظار الطويل، فكل ما نعرفه هو أن اللوحة وحتى اليوم تعتبر ذات الملامح التي تعبر رسمياً عن صورة غيرترود شتاين الراسخة في الأذهان بأكثر كثيراً مما تعبر عنها عشرات الصور الفوتوغرافية واللوحات الأخرى التي رسمت لها. فهل نحن حقاً أمام لغز كبير من ألغاز الفن، أم أمام أكبر ضرب احتيال مورس باسم الفن في القرن الـ20؟

الجوابان في حقيقة الأمر واردان. وربما يمكننا في هذا السياق أن نتحدث عن أسلوب بالغ الذكاء في حسن التخلص مارسه بيكاسو، وهو في مطلع شبابه وتسنمه مكانته الفنية في تلك المرحلة المبكرة من حياته، يوم ارتبط بتلك الصداقة الشهيرة مع ابنة العائلة الثرية الأميركية القاصدة باريس للعيش فيها عند النقطة الانعطافية بين القرنين الـ19 والـ20 برفقة أخيها ليو وبقية أشقائها ورهط آخر من أصدقائهما، وهم محملون جميعاً بتوق هائل لممارسة التجربة الأوروبية عبر الاندماج الاجتماعي وحتى الفني في الحياة الفنية الباريسية وحداثتها التي لم تكن لتضاهى في ذلك الحين.

بين الفن والثروة

وفي باريس راح الإخوة شتاين بزعامة غيرترود وليو معاً، قبل أن ينفصلا لاحقاً، يرتادون المعارض مقتنين كل ما يقع تحت أيديهم من لوحات لشبان الحداثة الفنية، ويتعرفون من خلال ذلك الاقتناء على أسماء لامعة وأخرى ستلمع بالتدريج جامعين كل ما يمكن جمعه من لوحات تكعيبية بل حتى انطباعية. وهم في هذا الإطار تعرفوا على بيكاسو الذي كان يخوض تجاربه التكعيبية الأولى. صحيح أن بيكاسو لم يكن المفضل، كفنان لدى عشيرة شتاين، لكنه عرف في الأقل كيف ينال رضا غيرترود الأقوى نفوذاً بين أثرياء العشيرة. وبلغت الصداقة بينهما أوجها حين راحت غيرترود ترسل تلميحاتها بأنها تتمنى لو يرسم بيكاسو بورتريه لها.

في ذلك الحين كانت معظم البورتريهات التي يرسمها الفنان الإسباني الشاب بورتريهات ذاتية، أي يرسم فيها نفسه، غير أن رحلة كان قام بها في تلك الأثناء إلى منطقة غوسول الإسبانية جعلته يقع تحت إغراءات الخوض في تجارب فنية مستوحاة لديه من منحوتات محلية اكتشفها هناك واجداً فيها إحالات إلى منحوتات وأحفورات أفريقية وصلت إلى إسبانيا من طريق العرب والبربر الذين كانو سادة تلك المنطقة من العالم في أزمان سابقة. كان في اختصار إذاً تواقاً لتجربة استلهام تلك الأساليب في رسم الوجوه في لوحات جديدة له. ومن هنا أمام طلب غيرترود شتاين الملح ووعود المكسب المالي، تجمعت لدى بيكاسو ثلاث رغبات في آن معاً: الرغبة في تلبية رغبة الثرية الأميركية، والرغبة في رسم نفسه من جديد، ثم خصوصاً الرغبة في السير على خطى المنحوتات والأحفورات الإسبانية التي سحرته في غوسول.

هكذا ولدت اللوحة الشهيرة

ومن تلك الرغبات الثلاث ولدت على أية حال بورتريه غيرترود شتاين وتحديداً انطلاقاً من شطارة بيكاسو وسلوكه درب ما سميناه بحسن التخلص. فالحقيقة أن الصديقة الأميركية لم تكن فقط قبيحة - في نظر فنان عاش حياته يعشق جمال المرأة وأناقتها ودقة ملامحها واشتهر بعلاقاته النسائية التي جعلت "ضبع النساء" لقباً رسمياً له، إلى درجة أن آخر معرض أقيم للوحاته قبل فترة من يومنا هذا في باريس جعل من ذلك اللقب شعاراً له -، بل كانت كذلك ذكورية الملامح إلى حد لا يستهان به. ومن هنا قرر أن يجري لها في البورتريه "عمليات تجميل" شديدة التعقيد تنتهي بأن تجعلها شبيهة به إلى أقصى حدود الشبه، حتى ولو انتهى به الأمر إلى تلقي سهام النقد وإصرار الجميع على أنه إنما رسم نفسه ولم يرسم السيدة شتاين في تلك اللوحة. وذلكم ما حدث بالفعل كما أشرنا إليه أول هذا الكلام. لكن بيكاسو كان مستعداً لذلك، وكان كما أشرنا أيضاً أعد جوابه. ومهما يكن من أمر هنا، ترى ألا نعرف منذ زمن بعيد أن واحدة من "معجزات" الفن الكبرى تكمن عادة في ذلك السحر الذي يمارسه الفن، ولا سيما في عصر السينما. وهو سحر يمكننا هنا اختصاره في سؤال مزدوج: ترى من بعد ظهور فيلم "لورانس العرب" من بطولة بيتر أوتول هل يمكن أحداً من مشاهدي الفيلم أن يتخيل لورانس الحقيقي على غير صورة أوتول الذي يزيد طوله نحو متر عن طول لورانس؟ ومن بعد فيلم "ناصر" المصري من بطولة أحمد زكي - والأدهى من ذلك، فيلم "أيام السادات" لمحمد خان من تمثيل زكي نفسه - ألم تستقر ملامح ناصر والسادت تحت ملامح أحمد زكي نفسه؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

86 جلسة فقط!

حسناً، نعود هنا لبورتريه شتاين، أو بالأحرى إلى بورتريه بيكاسو الإضافية من خلال غيرترود شتاين لنذكر نقلاً عن سيرتي الثرية من ناحية والفنان من ناحية أخرى، أنها تكاد تكون اللوحة التي أتعبته أكثر مما فعلت أية لوحة أخرى من لوحاته. فالواقع أن رسم اللوحة استغرق الإثنين 86 جلسة عمل كانت غيرترود تجلس خلالها في حضرة الرسام وهو منكب على ألوانه وخطوطه وخياله الواسع، وعلى الأرجح بشكل مماثل تماماً للشكل الذي يظهر به في اللوحة الأخرى "بورتريه ذاتية مع الملونة" - التي نرفقها على أية حال بهذه الوقفة -. وسيروى لاحقاً عن بيكاسو أن بدءه في تنفيذ لوحة غيرترود مثل بالنسبة إليه أول الأمر رعباً حقيقياً. وفي الأقل حتى اللحظة التي اتخذ فيها قراره "النهائي" بأن ينجز اللوحة تبعاً للرغبات الثلاث التي استبدت به بعد تفكير طويل. وكان ذلك بعد أشهر قليلة من اللقاء الأول بينهما. وكان على أية حال لقاء اجتماعياً أكثر منه فنياً. فهي، كما أخوها ليو، لم تكن أول الأمر تنظر بعين الجدية لا إلى التكعيبية ولا إلى بقية تجديدات بيكاسو، مؤثرة من بين أعماله ما كان ينتمي إلى مرحلتيه الوردية والزرقاء. بل حتى مؤثرة عليه سيزان وماتيس اللذين راحت تقتني لوحاتهما بالعشرات، معتبرة لوحة الأول "السيدة سيزان بالمروحة" ولوحة الثاني "متعة الحياة" أعظم ما تحقق من حداثة فنية، واشترتهما بمبالغ كبير من المؤكد أنها أسالت لعاب بيكاسو. ولعل هذا الجانب من الحكاية كان وراء اللعبة التي مارسها من خلال "بورتريه غيرترود شتاين" التي قلبت المعايير كلها وحولته إلى "فنان غيرترود شتاين المفضل" من دون أن يكلفه ذلك أكثر من أن يرسم بورتريه أخرى لنفسه متبعاً إياها بذلك التأكيد، الذي ربما يكون استوحاه من عنوان رواية "صورة دوريان غراي" لأوسكار وايلد، في لعبة لفظية نجحت على أية حال نجاحاً يضاهي نجاحاته الأخرى في حياته.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة