مشاهير يدعون إلى عدم إطعام المتصيدين لكن عليهم ربط الأفعال بالأقوال

قبل أن نقلق بشأن وقف المستفزين، دعونا نحاول ألا نستنفزهم بالعصي حتى يصرخوا، أو نطلق العنان لهم كجيوش خاصة في نزاعاتنا

تعرضّت المغنية آريانا غراندي (إلى اليمين) لحملات حركها متصيدون رقميّون، وتولّت زميلتها هاسلي الدفاع عن الردود المرتبكة التي صدرت من آريانا. نموذج من التفاعل بين المشاهير والمتصيدين على الإنترنت. (موقع دبليوبيغ.آي هارت.كوم)

في مساء يومٍ من عام 1993، إبان العصر الحجري الحديث للاتصالات الرقمية، دخل مستخدم يدعى السيد بانغل إلى موقع "لامبادا موو" LambdaMOO المخصّص للعب الأدوار على الإنترنت. وفي غضون ساعة من الاسهاب اللغوي المسعور، أخذ يصف بشكل صارخ عدد من أعمال العنف الجسدي والجنسي التي كان يمارسها على لاعبين آخرين في العالم الافتراضي. وقد تحدث لاحقاً الصحافي جوليان هيبرت عن الأثر العميق الذي خلّفه هذا الحادث الفريد على مستخدمي منصات التواصل الاجتماعي الأولى. إذ تسبّبَ ذلك في إرباك عميق للحالمين المثاليين بالعالم الرقمي الجديد، فأضحوا فجأة قيد معاناة الشعور بعدم الأمان والضعف وخيبة الأمل إزاء ما بدا في وقت سابق، ملاذاً آمناً على الإنترنت.

لنبدأ من نقطة واضحة. لطالما حضر المتصيدين على شبكة الإنترنت منذ نشأتها، وشكّلت دعوات "عدم إطعام المتصيدين" مكوّناً أساسياً في مدونة قواعد السلوك لمستخدمي المنتديات ومنصات تبادل الرسائل ومواقع التواصل الاجتماعي.

واستطراداً، وعلى مدار 30 عاماً من تجاربنا السابقة، شكّلت تلك العبارة نصيحة لا تخلو من الخلل. ومنذ فترة طويلة، تعلم ضحايا المضايقات الموجّهة أن المعتدين عليهم ومُضايقيهم، يتفاعلون في الغالب مع التجاهل بزيادة شدة هجماتهم وقسوتها حتى لا يعود ممكناً تجاهلها. وحتى طريقة التدرُّج التي تبدأ بتجاهلهم ثم كتمهم ومنعهم في نهاية المطاف، لا تساعد كثيراً في وقف متحرش عنيد يمكنه العودة عِبْرَ حساب جديد في غضون دقائق.

ومع ذلك، تبقى عبارة "لا تطعم المتصيديين" نصيحةً جيدة واقتراحاً تلقائيّاً للتعامل مع المزعجين والمستفزين العابرين. إذاً، لماذا أشعر بعدم الارتياح إزاء التقرير الذي يُروّج له بشكل مكثف هذا الأسبوع من قِبَل "مركز مكافحة الكراهية الرقمية"؟

هناك نكتة قديمة متداولة على الانترنيت تُعرّف المتصيد على أنه الشخص الأقل شهرةً في جدال بين شخصين على الإنترنت. وعلى غرار جميع النكات الرائعة، فإنها تلك النكتة تحمل ما يتعدى مجرد لمسة خفيفة من الحقيقة. إذ يوضح تقرير "مركز..." بدءاً من صفحته الأولى أنه وثيقة للمشورة تستهدف "شخصيات عامة".  ومن خلال قائمة الأسماء الشهيرة المرفقة بالتقرير، يتضح أنه لا يستهدف الشخصيات التلفزيونية وحدها، بل يشمل الناشطين السياسيين والمنتخبين السياسيين. يحمل هذا دلالة واضحة على أن "الشخصيات العامة" ضحايا الإيذاء وتحتاج إلى الحماية من حشود الرعاع المتصيدين المثيرين للانقسام والكراهية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

انطلاقاً من ذلك، يبرز سؤال عن موقع عديد من كبار مثيري الكراهية على الإنترنت الذين يكونون بأنفسهم شخصيات عامة؟ وأين يمكن تصنيف شخصيات مثل (الإعلامية) كاتي هوبكنس أو (اليميني المتطرف) تومي روبنسون في هذه المعادلة؟

ومهما كانت ممارسة السياسة لدينا، يبقى السؤال عن سعادتنا بتشجيع السياسيين المنتخبين (سواء كان دونالد ترمب أو عمران صادق خان) على حماية أنفسهم من الخلاف أو الجدل أو الغضب الصادر من ناخبيهم؟

يمكننا جميعًا بطبيعة الحال أن نشير إلى أمثلة واضحة وصريحة عن سوء المعاملة والتهديدات وخطاب الكراهية، لا يمكن تبريرها أو التسامح معها مطلقًا. ولكن يبقى بعيداً كل البعد معرفة حدود المقبول أو المسموح به، ذلك أن من يعتبر متصيداً بالنسبة لشخصية ما مشهورة، قد يكون جندياً يدافع عن شخص مشهور آخر.

وبقول آخر، إذا اختار نجمٌ إعلامي استخدام حسابه الخاص على "تويتر" لإثارة نقطة خلافيّة للغاية حول موضوع مثير للجدال بطريقة حماسيو، سواء تعلق الأمر بموضوع البريكست أو حقوق المتحولين جنسياً أو معاداة السامية، هل يتعين عليه التمييز بين الردود الخلافية المقبولة أو العاطفية من جهة، والردود التي تشمل التصيد التعسفي من جهة اخرى، أو أنه يمكن حظر جميع المنتقدين باعتبارهم متصيدين؟

بإمكاننا جميعا التصرف بشكل أفضل في تشجيع السلوك الحضاري وتجسيده على الإنترنت. إذ لا تزال وسائل التواصل الاجتماعي في مهدها، وكذلك الحال بالنسبة لسلوكيات استخدامها. واستناداً إلى ذلك، نحتاج جميعنا إلى تقدير جماعي أفضل بشأن القسوة المشينة وحالات الاستمتاع بإيذاء الناس، التي تحصل خلال التدافع على الإنترنت. يجب علينا جميعًا، خصوصاً المشاهير من أصحاب العلامات الزرقاء الذين لديهم عدد كبير من المتابعين، أن نتعلم أن التعليق في "تويتر" مع الإشارة إلى تغريدة متهجم عشوائي، مهما كان غبيًا أو عدوانيًّا،  سيكون دائما تشجيعا لأتباعه على التلاحم ما يشكّل بحد ذاته شكلاً من أشكال التنمر. إن الرغبة في إثارة ردود سلبية كثيرة على تعليق شنيع لا يعدو في الغالب كونه انجذابًا مغريًّا لتطبيق عدالة الغوغاء.

بالتالي، نعم، يمكننا جميعًا الإصغاء إلى نصيحة تقرير "مركز مكافحة الكراهية الرقمية" ونمنع المتصيدين من متابعتنا على "تويتر". وفي المقابل، ربما يمكننا أن نذهب أبعد من ذلك بقليل، إذ قبل أن نقلق بشأن عدم إطعام المتصيدين، دعونا نحاول ألا نستفزهم بالعصي حتى يصرخوا، أو نطلق العنان لهم كجيوش خاصة في نزاعاتنا.

وسواء أكان متابعونا يُعَدّون بالعشرات أو بعشرات الملايين، فإن أول ما يجب أن نعرفه، كما في جميع قصص الوحوش الرائعة، هو أننا ربما كنا نحن المتصيدين طوال الوقت.

© The Independent

المزيد من منوعات وترفيه