استعادة ميدان التحرير و"جمعة" الثوار... التواصل الاجتماعي يخاصم الواقع في مصر

يصول المصريون ويجولون في حياتهم اليومية... عمل ومقاهٍ وبقايا مصيف واستعدادات لعام دراسي... لكن دون إفراط في الافتراض أو تفريط في "الكنبات"

حركة المرور في ميدان الجيزة القريب من جامعة القاهرة تشهدا زحاما معتادا وخاصة مع عودة الدراسة (حسام علي. إندبندنت عربية)

يقول البعض إنها "نوستالجيا ثورية" تهبّ مع نسائم الخريف والشتاء الأولى. ويفسرها البعض الآخر بأنها مخططات ومؤامرات تحاك عبر الحدود بهدف إسقاط الدولة والنيل من مؤسساتها الحامية القوية. وفريق ثالث يتحدث عن أنها موجة ثورية عميقة وهبّة ديموقراطية عنيفة ستشارك فيها الملايين ويدعمها بالدعاء والقلب والعقل ملايين أخرى حتى وإن التزمت كنباتها القابعة في بيوتها. ويظل هناك فريق رابع قابع فعلياً على كنباته في بيوته متيقناً من أنها "زوبعة مجنونة في فنجان الوطن".

حزب الكنبة

الفريق القابع في بيته، والمسمى شعبياً وفعلياً باسم "حزب الكنبة"، الذي طالما انضمت إليه الغالبية المطلقة من المصريين على مدار عقود طويلة، أبعد ما يكون عن التناغم أو التطابق أو حتى التشابه في مكوناته وتوجهاته، لكنه في هذه الأيام التي زاد فيها الشد والجذب، وتواتَر خلالها القيل والقال، وتأججت فيها حروب التغريدات، يبقى أعضاء الحزب "على قلب كنبة واحدة"، حيث لا ثورة ولا يحزنون، رغم أننا مأزومون ومضغطون ومتوترون.

توتر شديد يقفز من بين جنبات مواقع التواصل الاجتماعي حتى يُهيَأ للمتصفح أن الغضب الشعبي بلغ مداه، والحنق الثوري حقق منتهاه، وأن منظومة "جُمَع الغضب" المتواترة في أسابيع ما بعد أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 صارت على الأبواب. أبواب قنوات تلفزيونية ومواقع خبرية موصدة بسبب الحجب في عدد من دول المنطقة، ومنها مصر، مغلقة على محتوى خبري يدقّ على أوتار أربعة لا خامس  لها: ملايين المصريين يستعدون لثورة جامحة يوم الجمعة المقبل، المواطنون يستنفرون بعضهم بعضاً في كل مكان، المقاول الفنان محمد علي حديث على كل لسان، الغضب الشعبي في الشارع هادر وصاخب.

صخب آلات التنبيه وهدر الازدحام الرهيب في ميدان العتبة يشير إلى صحة ما يثار حول الشارع المصري. كمٌّ مذهل من الناس يبيعون ويشترون، مئات المركبات تتصارع من أجل أولوية المرور، وآلاف المواطنين يتجاورون في ملحمة مرورية شرائية تدور رحاها على مدار الساعة. الجميع يتكلم ويتحاور، يناقش ويجادل، يفاصل ويهادن لا سيما وأن العام الدراسي الجديد بات على الأبواب. هنا لا صوت يعلو على أصوات الرسائل المسجّلة سلفاً، حيث "بتسعة ونص وتعالى وبص"، أو "شنطة حمادة ورشا، الحق قبل الغلا"، أو "قرّب تعالى قرّب شوف، الجزمة والشوز على المكشوف".

ما يكشفه ميدان العتبة من صخب يختلف تماماً عما يكشفه من صخب على جانب من مواقع التواصل الاجتماعي. صحيح شكوى الأسعار تتردد في جنبات العتبة وصولاً إلى الموسكي والأزهر، وصحيح أيضاً أن الانتقادات تتردد مشيرة إلى ضغوط الأوضاع الاقتصادية الصعبة مع "تلسينات" عن قصور ضخمة يجرى بناؤها وعاصمة جديدة جارٍ تشطيبها. لكن بخصوص السؤال عن يوم الجمعة المقبل وما يتوقعونه من أحداث، تأتي الإجابات متراوحة بين "بيع وشراء عادي" أو "عطلة أسبوعية للنوم وتنظيف البيت" أو ردّ بسؤال استفساري "ماذا يحدث يوم الجمعة المقبل؟".

أطراف النقيض

إجابة السؤال افتراضياً حاضرة في عراك تغريدي تدويني بالغ الصخب بين أطراف النقيض المصري: ثوريون، كارهون للثورة، معارضون، مؤيدون، أنصار الرئيس الأسبق مبارك ومعارضوه، أنصار الرئيس الأسبق الراحل محمد مرسي وكارهوه، ناصريون، إسلاميون، ليبراليون، علمانيون، بين البينين، عالمون ببواطن الأمور وملمون بظواهرها وقشورها، مصريون وغير مصريين. بمعنى آخر، ممثلون عن كل الاتجاهات والأهداف والأغراض، وذلك باستثناء أعضاء حزب الكنبة المكتفي أعضاؤه باستقاء ما يجري افتراضياً عبر وسائل الإعلام التقليدي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

التقليد الذي كان متبعاً طيلة أسابيع كثيرة وطويلة أعقبت أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011 يدقّ أوتاراً لدى البعض هذه الآونة. البعض يشعر بنوستالجيا شديدة لأجواء الميدان (ميدان التحرير)، حيث الأدرينالين الثوري وأحلام التغيير والهلال المتأبط ذراع الصليب، وأغنيات "ياه ياالميدان كنت فين من زمان" وأشعار أحمد فؤاد نجم ومطالبات تغيير الوضع القائم والشعور بالانتشاء الشعبي لخضوع الحاكم للمحكوم. البعض الآخر ممن اعتاد ركوب الأمواج الثورية مخفيا جوهره المازج للدين بالدولة والخالط للإسلام بالسياسة يمعن في التغريد ويبالغ في التدوين ويسهب في "لايك" دعوات الثورة والغضب، ويفرط في إعادة تغريد تغريدات تهديد الدولة وسبّ المؤيدين والتملق للمعارضين. آخرون يدقون أوتار الثورة في المطلق عبر الحدود، حيث شخصيات إعلامية عربية تتعامل مع الحراك التغريدي والعراك التدويني باعتبارهما ثورة قومية عربية وينبغي دعم "الأخوة في مصر" لإسقاط النظام.

أطياف سياسية

وفي خضم هؤلاء، يقبع آخرون ممسكون بتلابيب الرئيس مبارك "صاحب الضربة الجوية"، مدافعون عن عهده ومناصرون لعصره، ومتيمون بالرئيس الأسبق الراحل محمد مرسي وملوحون بأصابع رابعة الصفراء، ويساريون تدغدغهم أحلام اليسار المضمحل وتداعبهم آمال الاشتراكية التائهة، وآخرون يحلمون باستعادة منظومة "جُمَع الحراك الثوري"، ولكن كلٌ يغني على جُمْعَته.

عشرات الجُمَع شهدتها مصر على مدار ما يقرب من عامين بعد أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011. فمن "جمعة الرحيل" و"الغضب" من قبل رواد الميدان باختلاف أطيافهم قبل تنحي الرئيس الأسبق مبارك، إلى "جمعة إسقاط الدستور" و"لا للطوارئ" و"رد الشرف" و"تصحيح المسار"، والتي شهدت بوادر انقسام الميدان بين إسلاميين وغير إسلاميين، ثم "جمعة الشريعة" و"الدفاع عن الشرعية" و"الشرعية والشريعة"، وهي التي أرّخت للانفصال الحقيقي بين إسلاميي الميدان وليبرالييه. حتى جُمَع "استعادة الميدان" و"استعادة الثورة" وغيرهما من محاولات غير الإسلاميين استعادة الميدان، ومن ثم إصرار الإسلاميين على الانفراد بالميدان، دفعت القاعدة العريضة من المصريين إلى هجر الميدان، بل واتخاذ موقف مضاد له في كثير من الأحيان.

الحنين إلى الفعاليات الثورية وتنظيم "الجُمَع" الشعبية في ميدان التحرير يحرك البعض على أثير العنكبوت، وتحرك البعض الآخر رغبات انقضاضية وشهوات انتقامية. وتتشابك مشاعر هؤلاء مع أحاسيس أولئك عنكبوتياً وتتقاطع مع توجهات وسائل إعلامية ذات توجهات معروفة مسبقاً تبذل قصارى الجهد لتخرج بعناوين رنانة، مثل "بوادر ثورة عارمة يوم الجمعة"، "المصريون يخططون لاستعادة الميدان يوم الجمعة"، "بالعصا والجزرة: سبع خطوات تستخدمها سلطة السيسي لإجهاض مظاهرات الجمعة"، "دعوات للسيسي بالتنحي والاعتذار للمصريين"، وغيرها من العناوين التي تصول في أروقة المعجبين بفيديوهات المقاول الفنان محمد علي، وتجول في مقاطع الناشط المهندس وائل غنيم، وترحّب بانضمام شادي سرور أحدث المنضمين لصرعة الفيديوهات المثيرة للجدل.

أثير العنكبوت

الجدل حالياً يتحول إلى مواجهات عنيفة على أثير العنكبوت، حيث خطوات مهنية حثيثة تبذل للهيمنة على "الترند" والسيطرة على "الهاشتاغ" الأكثر تداولاً وتناولاً بين المحبين المؤيدين والمعارضين الكارهين. الصراع المحموم والتأجيج المفاجئ غير المفهوم وادّعاء امتلاك الجماهير والتيقن من توجهات الرأي العام تثير حنق الجماهير وتدفع الرأي العام نحو الاحتماء بـ"الكنبة" أكثر فأكثر.

الكاتب المصري المثير للجدل والمصنف "معارضة"، الدكتور علاء الأسواني، كتب في مقال منشور على موقع "دويتش فيله" أن "الحماس البالغ الذي استقبل به المصريون فيديوهات محمد علي يدل على أن الأفكار الدعائية التي طالما استعملها نظام السيسي لإسكات المعارضين لم تعد تقنع أحدا، كما أنه لم يعد مقبولا اتهام كل من يعارض السيسي بالعمالة والخيانة، إن الثورات قد تتأخر في تحقيق أهدافها لكنها أبدا لا تنهزم ولا تموت. إن حلم العدل والكرامة والحرية الذي أيقظته ثورة يناير في نفوس المصريين ومات من أجله آلاف الشهداء. هذا الحلم العظيم أراه الآن أقرب إلى التحقق من أي وقت مضى".

وفي المقابل قال الإعلامي المصري محمد الباز، والمصنف من أعتى المؤيدين في برنامجه التلفزيوني "90 دقيقة"، إن "هناك حربا حقيقية، صلبة وناعمة، على مصر. ومن لا يرى تلك الحرب وأضرارها فلا بد أن يعالج عينه"، وأن "الجماعة التي تشن الحرب ليس هدفها الرئيس عبد الفتاح السيسي، ولا الجيش المصري فقط. هي حرب أكبر مما نتخيل، وهي حرب على الشعب المصري". وقال إن "المصريين أمام خطة واضحة لهدم الدولة المصرية وذلك عن طريق ضعف أركانها القوية الراسخة التي تعبر عنها"، مؤكداً أن "مفيش حاجة هتحصل والمظاهرات اللي بيتم الدعوات ليها ولا ليها لازمة ولا حد هينزل".

وفي تلك الأثناء، يصول المصريون ويجولون في حياتهم اليومية، حيث عمل ومقاهٍ وبقايا مصيف واستعدادات على قدم وساق لعام دراسي جديد، مع بعض الترفيه والاستمتاع بعادة القيل والقال، انتظاراً لفيديو جديد ورد فعل غريب وجهود سيطرة على "الترند" ودفاعات مهيمنة على الهاشتاغ، لكن دون إفراط في الافتراض أو تفريط في الكنبات.