نجيب محفوظ صمت 5 سنوات بعد ثورة يوليو والثلاثية... وعاد برواية "أولاد حارتنا"

علي بن تميم يحلل ظاهرة الانقطاع عن الكتابة... وسجال النقاد حولها

نجيب محفوظ وثورة يوليو في مصر (يوتيوب)

بعدما أصدر نجيب محفوظ عام 1957 رواية "السكرية" التي تعد الجزء الأخير من ثلاثيته الشهيرة، انقطع عن الكتابة ودخل فترة من الصمت دامت نحو خمس سنوات. هذا الصمت أعقب مرحلة قيام ثورة يوليو التي وضعت حداً فاصلاً بين ما قبلها وما بعدها، سياسياً وثقافياً وفكرياً. ولعلها كانت أيضاً حداً فاصلاً بين مرحلتين في مسار صاحب "خان الخليلي"، مرحلة ما قبلها وما بعدها. في فترة ما قبل الثورة كتب محفوظ روايات مهمة رسخت مدرسته التي أسسها وتفرد بها عربياً وتوّجها عبر "الثلاثية"، وفي فترة ما بعد الصمت أو الانقطاع كتب أيضاً روايات مهمة جداً، مواصلاً بلورة مدرسته ومتوجاً إياها مرة أخرى بروايته "أولاد حارتنا" الإشكالية. أثارت مرحلة الصمت سجالاً كبيراً في حينه بين النقاد والروائيين وطرحت أسئلة كثيرة وشاملة، خصوصاً أنها لم تكن متوقعة من كاتب شديد الغزارة. ماذا يعني أن يتوقف أكبر روائي عربي عن الكتابة لسنوات؟

قد تكون استعادة هذه القضية الآن في وقتها الملائم، لا سيما بعدما توالت خلال الفترة الراهنة، كتب وأبحاث تتناول زوايا جديدة أو مجهولة من تجربة محفوظ ومسيرته. ولعل العودة إلى كتاب الدكتور الإماراتي علي بن تميم "النقاد ونجيب محفوظ- الرواية: من النوع السردي القاتل إلى جماليات العالم الثالث" (دار أبو ظبي للثقافة والتراث) تساهم في إلقاء أضواء جديدة على صاحب "ميرامار" وفي تقديم مقاربة مختلفة ومتميزة بمنهجيتها الصارمة وشموليتها. فالكتاب الضخم الذي يعد واحداً من المراجع الأساسية في هذا الحقل، يتناول جوانب عدة من المدرسة المحفوظية بعين النقد والتحليل والنقد المقارن ويتوسع في قراءة أدب محفوظ الروائي. وقد خصص بن تميم فصلاً مهماً وشاملاً عن ظاهرة الصمت لدى محفوظ.

يتعمق بن تميم في تحليل صمت محفوظ ويسترجع على ضوئه ظواهر عدة عرفتها حركة الأدب والفكر العالميين، ويمنح هذا الصمت بعداً وجودياً وذاتياً، فلا يكتفي بحوافزه السياسية التي جرى الكلام حولها كثيراً. ومهما تم الربط بين صمت صاحب "الثلاثية" والمعطى السياسي، فما يجب تذكره هو أن الأدب لا يمكن حصر حقيقته في إطار الواقعية الصرفة، مهما كان هذا الأدب واقعياً أو طبيعياً. من هنا يكتسب بحث بن تميم في جذور الصمت الذي يعانيه الأدباء، في فترات، طويلة أو قصيرة، أهمية فريدة، وقد انقطع عن الكتابة روائيون وشعراء كبار وعانوا من هذا الانقطاع أو الصمت، وما لبث بعضهم أن تخطاه فيما رزح بعض آخر تحت وطأته. يقول بن تميم إن الصمت الأدبي أمر مخيف ومرعب حتى أنه ليماثل الموت، والكتّاب غالباً ما يتحاشونه، لما ينجم عنه من غياب وانقطاع أو حتى مرض. ويعود بن تميم إلى أطروحات ما بعد البنيوية التي منحت هذا الصمت معنى مجازياً مفاده أن الكتابة تقاوم حضور المؤلف في النص، فيكتب المؤلف من منطلق الصمت الذي يغيّب وجوده. ومن هنا تأتي مقولة الناقد الفرنسي رولان بارت "موت المؤلف" التي انطلق منها ميشال فوكو ليربط بين الكتابة والموت، فالكتابة حال من "الصمت المتكلم".

وينتقل بن تميم إلى المدرسة "التفكيكية" التي تعتبر أن الصمت يتيح فرصة التأمل في الوجود من أجل توسيع إمكانات التأويل في القراءة والكتابة. ويتحدث عن موقف الشاعر الفرنسي إيف بونفوا الذي رأى أن الصمت يتيح للمبدع إمكانات أكثر مما تتيحه الكتابة. ويرى بونفوا أن الصمت محاولة لتخطي محدودية النص إلى العالم المفتوح. ويتطرق بن تميم إلى التيارات النسوية وما بعد الكولونيالية معتبراً إياها قادرة على تعيين "المراد" بالصمت عن الكتابة أو عن الكلام. فالتيارات النسوية تعتبر أن الصمت الذي يتأتى عن طريق التاريخ الثقافي هو ظاهرة سلبية لا بد من كسرها ومقاومتها وتحدي إكراهاتها الداخلية والخارجية، وهكذا يصبح الصمت بمثابة "طقس عبور". أما الكولونيالية فترى أن الصمت ليس سلبياً دائماً بل هو قد يفيد المبدع، ويمنحه قدرة على الظهور في مظهر جديد، ويتيح له أن يعيد تسمية الأشياء والكلمات، ولا تقل قوة الصمت عن قوة الكتابة.

سجال ادبي

بعد هذه التوطئة التي رسخت ظاهرة الصمت أدبياً وفكرياً ينتقل بن تميم إلى صمت نجيب محفوظ الذي أثار سجالاً كبيراً بين النقاد، في مرحلة ما بعد ثورة يونيو، فانبروا يحللونه ويقاربونه كل على طريقته ومن موقعه السياسي أو الفكري. أما فترة الصمت فامتدت بين أربع وخمس سنوات أي من عام 1952 إلى عام 1957. وأثار تصريحه الشهير حينذاك الذي برر فيه انقطاعه عن الكتابة ضجة، فهو اعتبر أن الثورة حققت ما كان يصبو إليه، فلم يعد حافز الكتابة قائماً كما من قبل. وبدا هذا التصريح الذي لم يقنع بعض النقاد، نوعاً من الرد على الحرج من السلطة وإبعاد الشبهة السياسية عنه، بل خشية من أن تفهم السلطة صمته موقفاً رافضاً لها. ويورد بن تميم أسباباً أخرى، ومنها: أولاً، شعور محفوظ بأنه انتهى مع انتهاء مجتمع ما قبل الثورة الذي كان يعده مرجعه الروائي والنقدي الاجتماعي، على رغم أنه كان يملك موضوعات شتى وهي أضحت برأيه غير مبررة. ثانياً، تقلص الطبقة الوسطى بعد الثورة وهو كان يستوحيها دوماً في أعماله، ثالثاً، ما خفف من الرغبة في الكتابة لديه، إحساسه بحال من الجهد بعدما كتب ثلاثيته الشهيرة التي استغرقت منه وقتاً وتعباً وامتدت بين 1948 و1952. رابعاً، يقينه أن فنه الروائي ما قبل الثورة كان يعتمد أشكالاً تقليدية تلائم المرحلة السابقة، الثابتة والواضحة، وهذه الأشكال لم تعد تصلح لتناول مجتمع حافل بالتحولات والتغيرات العميقة. وفي رأي بن تميم أن هذه المسوغات التي قال بها محفوظ تشتمل على عاملين مختلفين، عامل نفسي يتمثل في عدم الرغبة في الكتابة والشعور بالانتهاء، وعامل فني يتمثل في الرغبة في الابتكار والتجديد والبحث عن أشكال ورؤى جديدة وقضايا راهنة وفي مساءلة الواقع السياسي والاجتماعي المترتب عن الثورة. ولعل عامل التجديد والتحديث يدفع عن محفوظ تهمة الواقعية الصرفة والالتزام المعمم اللذين جاء بها الفكر الاشتراكي، فأدب محفوظ غير قابل لأن يحدد بشروط ومعايير جاهزة، وواقعيته هي فعلاً "بلا ضفاف" بحسب عبارة المفكر الفرنسي روجيه غارودي، إنها واقعية مشرعة على نزعات عدة: تاريخية ورومنطيقية واجتماعية وطبيعية ونفسية وفلسفية... ولعل خير شاهد على رحابة أدب محفوظ واتساع رؤيته ومتانة فنه هو ما أصدر من روايات وقصص بعد مرحلة الصمت، وكلها أعمال فريدة، عميقة في تناولها ظواهر اجتماعية مصرية جديدة، ومصيبة في تحليلها المسائل الفردية والجماعية التي تعالجها، علاوة على قوة بنائها وتنوع شرائحها البشرية وتماسك أواصر شخصياتها والعلاقات المنسوجة بينها.

نواحي الخطاب النقدي

يتناول علي بن تميم نواحي عدة من الخطاب النقدي الذي رافق صمت محفوظ والذي شارك فيه عدد من النقاد والروائيين المعروفين، وكان لهؤلاء أن يختلفوا في شأن هذا الصمت وأبعاده وإشكالاته. لقد اختلفوا حتى حول فترة هذا الصمت وعدد السنوات التي امتد خلالها، فبعضهم قال سبع سنوات وبعضهم ست، لكن رجاء النقاش ارتأى أن ليس من تحديد زمني للفترة التي توقف فيها محفوظ عن الكتابة بعد إنهائه "الثلاثية". ويرى بن تميم أن توقف محفوظ لم يكن عشوائياً، بل كان له هدف محدد ومعين، خصوصاً أن "الثلاثية" عمل ضخم ولا بد لصاحبها من أن يتوقف بعدها كي يلتقط أنفاسه ويراقب رد فعل القراء عليها. ومعروف أن "الثلاثية" شغلت النقد العربي وما برحت تشغله حتى الآن. ويرى المؤلف أن صمت محفوظ لا يعد تراجعاً ولا انقطاعاً، فهو آثر، في أوج حضوره في الساحة الروائية بعد "الثلاثية"، أن يختار الصمت ليتمكن من النظر في الطريقة التي يجب عليه اعتمادها في إبداعه الجديد، وليتمكن أيضاً من إعادة تقييم مشروعه الخاص والخيارات الجديدة. فيوسف السباعي على سبيل المثل انتقل بعد الثورة إلى تدوين تاريخ الثورة، وسلك عبد الحليم عبدالله مسار الرومنطيقية، وانصرف عبد الحميد جودة السحار إلى مهمة التأريخ الإسلامي، وانهمك عبد الرحمن الشرقاوي بقضايا الفلاحين والعمال مكتسباً صفة الروائي الأيديولوجي. ولعل ما طرأ على هؤلاء الروائيين من تحولات غداة الثورة دفع محفوظ إلى التروي وإعادة النظر في مساره وإلى الصمت.

يتناول بن تميم مواقف بعض النقاد والروائيين من صمت محفوظ وهي مواقف متعددة حتى الاختلاف، علماً أن مقاربته الشخصية لهذا الصمت بدت شاملة ومحقة. ويقول إنه لم يحلل الخطابات التي فهمت كسر الصمت في معنى الكلام فحسب، فالصمت ظاهرة حيوية استطاع محفوظ عبرها صيانة ذاته وحمايتها من نسخ نموذجه الذي ترسخ في الثلاثية. ثم يتحدث عن البعد الأليغوري في هذا الصمت. الناقد محمود أمين العالم أصر على البحث عن سر الصمت في إبداع محفوظ نفسه وليس في ما صرح به شخصياً، فهو يقول: "أريد أن أفسر توقف محفوظ بعمله الفني وحده بحثاً عن مقياس موضوعي. من أين بدأ في "أولاد حارتنا"؟ بهذا المقياس وحده أجد التفسير". الناقد غالي شكري يرى أن محفوظ يميل إلى الرؤيا اليسارية التي لم تكن واضحة لديه، جراء "الظلمة الكثيفة". ويرى أن صمت محفوظ لم يحدث لأنه لم يجد ما يقوله بل لأنه غير قادر أيضاً على أن يكيف ما يريد أن يقوله". أما الناقدة ريتا عوض فرأت أن محفوظ صمت لسبب رئيسي، فحين مات عهد ما قبل الثورة انتفى في نظره أي مبرر للحديث عن ذلك العهد ولم يستطع أن يقول شيئاً عن عهد وليد لم تتحدد شخصيته بعد. وفي رأي عوض أن محفوظ لم يعد إلى الكتابة إلا حين أحس بوجوب الثورة على الواقع الجديد الذي لم يحقق عالم اليوتوبيا الذي يتوق إليه الفرد والجماعة.

قد تكون قضية صمت نجيب محفوظ حافزاً على قراءة آثاره قراءة مختلفة، تقوم على المقارنة بين المرحلتين اللتين هما مرحلة الثورة والمجتمع المصري في آن واحد. ولعل السؤال المطروح: هل كان لصمت محفوظ آثار بيّنة على إبداعه الروائي؟ لعل مرحلة "الثلاثية" وما قبلها كانت تنتظر هذا الصمت لتتجلى لاحقاً في مرحلة "أولاد حارتنا" وما بعدها.

المزيد من ثقافة