هل تغير تركيا تحركاتها وتقر السياسة النقدية الجديدة لـ"أردوغان"؟

وزارة المالية تعتزم إعلان إجراءات لتعزيز المدخرات بالعملة المحلية


تعاني الليرة التركية من نزيف متواصل أمام العملات الأجنبية مما دفع الأتراك إلى تحويل مدخراتهم بالدولار واليورو (رويترز)

في 28 يناير (كانون الثاني) من العام 2004، أعلنت تركيا حذف 6 أصفار من عملتها المحلية، وهي خطوة لم تكن متوقعة، لكن الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها العملة التركية وانهيارها مقابل الدولار الأميركي في هذا الوقت، دفعت إلى أن تتخذ الحكومة التركية بقيادة أردوغان هذا القرار.

ومنذ أن حققت تركيا معدلات نمو تفوق متوسط الـ7 بالمئة خلال العام 2017، بدأت المؤشرات الاقتصادية تتهاوى، ليشهد العام 2018 أكبر نزيف لليرة التركية التي فقدت أكثر من 30 بالمئة من قيمتها مقابل الدولار، وما تبع ذلك من معدلات تضخم مرتفعة بشكل غير مسبوق، مع تأثر الميزان التجاري والمدفوعات، إضافة إلى الديون الخارجية الضخمة التي تتفاقم بشكل مستمر.

وعلى الرغم من التحركات المكثفة للحكومة التركية لاحتواء الأزمات الاقتصادية التي يواجهها الأتراك، لكن البيانات الرسمية تشير إلى أن الأتراك يواجهون أزمة بطالة خانقة مع ارتفاعها بنسبة 2.8 بالمئة خلال شهر يونيو (حزيران) الماضي لتسجل نحو 13 بالمئة، وفق بيانات حديثة صادرة عن هيئة الإحصاء التركية.

سياسة جديدة لتعزيز المدخرات بالعملة المحلية

وأخيرا، أعلن وزير الخزانة والمالية التركي، براءت ألبيرق، أن بلاده تعتزم الإعلان عن سياسة جديدة لتعزيز المدخرات بالعملة المحلية وتقليل الاعتماد على رأس المال الأجنبي، وهو ما يأتي في إطار عدد من الإجراءات التي تتبناها الحكومة التركية منذ فترة ليست بالقصيرة من أجل محاصرة عدد من المشكلات الاقتصادية، والتي يأتي على رأسها تراجع قيمة العملة الوطنية (الليرة). كما يأتي بعد فترة وجيزة من ارتفاع حيازات الأتراك من العملات الأجنبية وبلوغها مستوى قياسياً.

وتنطوي هذه المساعي التركية على العديد من الدلالات، كما أن الإقدام عليها يثير العديد من التساؤلات بشأن مدى كفاءة هذه الإجراءات في حد ذاتها في تحقيق الأهداف المتعلقة بإنقاذ العملة المحلية، وقدرتها على محاصرة المشكلات الآنية وطويلة الأمد التي تواجه الاقتصاد التركي بشكل عام.

هذا في الوقت الذي يعيدنا إلى العام 2004 حينما أقدمت الحكومة التركية على التدخل في سوق الصرف وحذفت 6 أصفار من قيمة عملتها بعد انهيارها أما الدولار الأميركي، وهو الإجراء الذي دفع إلى استقرار ربما مؤقت في سوق الصرف وعمل على تعزيز الليرة التركية مقابل العملات الدولية، لكنه في الوقت نفسه قفز بمعدلات التضخم إلى مستويات غير مسبوقة، وتأثرت جميع القطاعات الاقتصادية وخاصة الشركات العاملة في السوق التركي بهذا القرار.

الديون الخارجية قصيرة المدى تقترب من 123 مليار دولار

على صعيد الديون الخارجية قصيرة المدى، تشير بيانات البنك المركزي التركي، إلى ارتفاعها بنهاية شهر يونيو (حزيران) الماضي بنحو 5 في المئة مقارنة بنهاية عام 2018 السابق لتسجل نحو 122.9 مليار دولار. وتراجعت ودائع المقيمين بالخارج من الليرة بنحو 2.5 في المئة مقارنة بنهاية العام الماضي لتسجل 13.7 مليار دولار.

وارتفعت ديون واردات القطاعات الأخرى بنحو 2.8 في المئة مقارنة بنهاية عام 2018 لترتفع إلى 41 مليار دولار.

وعلى صعيد المدينين، ارتفعت الديون الخارجية قصيرة المدى للقطاع العام، التي يتشكل أكملها من البنوك الحكومية، بنحو 4.1 في المئة مقارنة بنهاية العام السابق لتسجل 23.4 مليار دولار، كما ارتفعت الديون الخارجية قصيرة المدى للقطاع الخاص بنحو 5 في المئة لتسجل 93 مليار دولار.

وعلى صعيد الدائنين تراجعت الديون قصيرة المدى للمؤسسات المالية تحت بند الدائنين الخاصين بنحو 3.5 في المئة مقارنة بنهاية العام السابق لتسجل 6.8 مليار دولار، بينما ارتفعت ديون المؤسسات غير المالية بنحو 10.8 في المئة لتسجل 75.2 مليار دولار.

وبالنظر إلى توزيع العملات الأجنبية في الدين الخارجي قصير المدى فإن الدولار يشكل 50.5 في المئة من إجمالي الديون، في حين يشكل اليورو نحو 30.7 في المئة، وتشكل الليرة التركية 13.1 في المئة، وتشكل العملات الأخرى 5.7 في المئة.

وبلغ نصيب القطاع العام من إجمالي الديون نحو 18.5 في المئة، في حين بلغ نصيب البنك المركزي 3.6 في المئة، وبلغ نصيب القطاع الخاص 77.9 في المئة. ومن المتوقع أن يتجاوز الدين الخارجي لتركيا مستوى الـ 600 مليار دولار بنهاية العام الحالي.

هذه الاستثمارات هربت من تركيا

على صعيد الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا، يشير تقرير منظمة "اونتكاد" التابعة للأمم المتحدة، إلى أن هناك تراجعا حادا في الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا خلال السنوات الثلاث الماضية، كاشفاً عن تراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة في تركيا خلال الفترة من عام 2016 حتى نهاية عام 2018.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأظهر التقرير أنه في عام 2015 جذبت تركيا نحو 18.989 مليار دولار، ثم بدأت الاستثمارات تتراجع بشكل حاد. ففي العام 2016 تراجعت الاستثمارات في تركيا إلى نحو 13.705 مليار دولار، ثم تراجعت أيضا في 2017 لنحو 11.478 مليار دولار، ثم واصلت الاستثمارات التراجع لتسجل نحو 12.944 مليار دولار بنهاية العام الماضي.

ويواجه الاقتصادي التركي العديد من الأزمات والتي تتضمن انخفاض سعر الليرة، وارتفاع نسبة البطالة، وتراجع تصنيف المؤسسات المالية لتركيا، بالإضافة إلى ارتفاع معدلات ارتكاب الجرائم التي جعلت من إسطنبول مكانا غير آمن، إضافة إلى تعرض المستثمرين لجميع أنواع النصب والاحتيال، خصوصا في مجال العقارات.

هذا وتقدر خسائر المستثمرين الكويتيين في سوق العقار التركية بنحو 12 مليار دينار (39.48 مليار دولار)، وفقاً لتقديرات غير رسمية.

سلسلة من خفض التصنيفات الائتمانية تنتظر الديون السيادية

ودفعت هذه المؤشرات السلبية وكالة "فيتش" للتصنيفات الائتمانية إلى خفض تصنيفها للديون السيادية لتركيا من BB  إلى BB- مع نظرة مستقبلية سلبية، قائلة إن عزل محافظ البنك المركزي التركي السابق يسلط الضوء على تدهور في استقلالية البنك وتماسك السياسة الاقتصادية ومصداقيتها. وتوقع محللون وخبراء اقنصاديون سلسلة من التخفيضات والتقييمات السلبية من قبل وكالة التصنيف والائتمان الدولية للديون التركية، بخاصة الخارجية، ومناخ الاستثمار في تركيا خلال الفترة المقبلة.

وذكروا أن تخفيض تصنيف وكالة التصنيف الائتماني "فيتش" للديون السيادية التركية أمر متوقع في ظل التدخلات المستمرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان في السياسات النقدية والمالية في البلاد، والتي وصلت إلى عزل محافظ البنك المركزي التركي الرافض لتوجيهاته.

وتشير التوقعات إلى أن التصنيف الأخير لوكالة "فيتش" سيسهم في ارتفاع الفوائد على أدوات الدين التركية، بخاصة السندات المطروحة أو المزمع طرحها في البورصات العالمية، يعقبه ارتفاع تكلفة الديون التركية بمستويات كبيرة تنعكس سلبا على عجز الموازنة التركية المتفاقم بالفعل.

الأتراك يتخلصون من الليرة ويهرعون إلى الدولار واليورو

وذكر تقرير حديث أعده مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، أن الأتراك عمدوا خلال الفترة الماضية إلى شراء الدولار واليورو كوسيلة للتحوط في مواجهة هبوط قيمة الليرة، وهو اتجاه أبقى على العملة التركية غير مستقرة طوال الفترة المنقضية من العام الحالي، حيث تراجعت قيمة الليرة أمام الدولار الأميركي إلى ما يزيد على 6.5 ليرة لكل دولار في عام 2018، بما يعني أنها خسرت 30 بالمئة من قيمتها مقارنة بالدولار خلال العام الماضي، وارتبط ذلك بهجرة رؤوس الأموال الأجنبية من السوق المالية التركية، بنسبة تصل إلى 40 بالمئة بين بعض فئات المستثمرين الأجانب.

ونتيجة لذلك، اتجه الأتراك إلى الاستغناء عن الليرة والتحوط من تدهور قيمتها بحيازة العملات والأصول التي تتمتع بالمزيد من الاستقرار. وقد أظهرت بيانات البنك المركزي التركي أن الودائع والموارد المالية بالعملات الأجنبية والمعادن النفيسة الموجودة بحوزة الأتراك، سواء الأفراد أو الشركات، بلغت 188.97 مليار دولار بنهاية أغسطس (آب) الماضي، وذلك بعد أن بلغت مستوى قياسياً وصل إلى 190.51 مليار دولار في منتصف الشهر ذاته.

وبجانب أزمة الليرة، وتأثيرها في مظاهر الاستقرار المالي، عانى الاقتصاد من عجز في الميزان التجاري تبلغ نسبته ما يناهز 5.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2018، وهي نسبة كبيرة وقياسية بالنسبة إلى هذا الاقتصاد منذ سنوات طويلة. وارتبطت هذه المشكلة بأزمات أخرى قريبة منها من حيث التصنيف القطاعي، ولا سيما أزمة ارتفاع الدين الخارجي.

وقد ذكرت وكالة "فيتش" أن الاقتصاد يحتاج ما يقارب 230 مليار دولار من أجل التخلص من أزمة تضخم الدين الخارجي الخاصة به، سواء تعلق الأمر بالديون المستحقة بالفعل أو الديون الآجلة.

ولا تعتبر الديون الخارجية للحكومة، أو للمؤسسات والكيانات التابعة لها، هي المظهر الوحيد لأزمة الدين الخارجي، ولكن هناك جانباً آخر لهذه المشكلة يتمثل في استدانة الشركات بالعملات الأجنبية، ولقد صنفت الشركات التركية في عام 2018 بين أكثر الشركات استدانة من الأسواق الدولية في العالم آنذاك. وقد تسببت أزمة تراجع قيمة الليرة خلال الفترات الماضية في تضخيم أزمة المديونية الخارجية سواء بالنسبة إلى الحكومة أو الشركات، لا سيما أن القروض الخارجية تصبح أكثر تكلفة.

أردوغان يواصل ضغوطه على "المركزي التركي"

وشهدت تركيا خلال ما يزيد على عام حالة من الشدّ والجذب فيما يتعلق بسعر الفائدة والسياسة النقدية المتبعة من قبل البنك المركزي، وقد مارس الرئيس رجب طيب أردوغان ضغوطاً كبيرة على البنك من أجل دفعه إلى تخفيض أسعار الفائدة، كما عزل محافظ البنك المركزي خلال الفترة الماضية، وقام بتعيين محافظ جديد أكثر قرباً منه، على نحو توقع معه أنه سيتمكن من تحقيق ما يصبو إليه، بتحفيز النمو الاقتصادي عبر تخفيض الفائدة.

لكن الفترة الأخيرة دللت على أن الظروف الاقتصادية التي تواجهها تركيا لا تمكنها من التحرك في الاتجاه الذي يرغبه أردوغان، بل إنها على العكس من ذلك تماماً، حيث إنها باتت مطالبة برفع الفائدة وليس خفضها، لا سيما أن التضخم ما زال أعلى كثيراً من المستهدف، فقد كان لدى المصرف المركزي هدف الحد من التضخم إلى 5 بالمئة خلال العام الماضي، لكنه لم يستطع ذلك، حيث ظل معدل التضخم أكثر من ذلك، ببلوغه 15 بالمئة، أو بمعنى آخر ظل قريباً من 20 بالمئة أو أكثر من ذلك.

وفي هذا الإطار، رجحت وكالة "بلومبيرغ" أن يخسر أردوغان الرهان المتعلق بخفض أسعار الفائدة على المدى البعيد. واستندت الوكالة إلى استطلاع شارك فيه خبراء اقتصاديون، أشاروا إلى أن استبدال محافظ البنك المركزي حسم عملية التيسير النقدي الأعمق في الفترة المقبلة، لكن المحافظ الجديد الذي يرجح أن يخفض الفائدة إلى 19 بالمئة بنهاية العام، مقارنة بنحو 21 بالمئة لدى توليه المنصب، سوف يبطئ وتيرة تخفيض سعر الفائدة في الأجل المنظور وصولاً إلى عام 2021.

خسائر أخرى تنتظر الليرة مع خفض الفائدة

وتعتبر قيمة الليرة بدورها كلمة السر أيضاً على طريق عودة أسعار الفائدة إلى الارتفاع في تركيا، حيث إن تخفيض الفائدة من شأنه أن يتسبب في تفاقم أزمة الليرة، التي يتوقع أن تفقد قسماً من قيمتها، وسيكون الاقتصاد من جديدة طارداً لرؤوس الأموال الأجنبية، وسيندفع الأتراك، أفراداً ومؤسسات، إلى التحصن بالعملات الأجنبية والمعادن النفيسة.

ويبدو أن التصريحات التي أدلى بها وزير الخزانة والمالية التركي براءت ألبيرق، قبل أيام والتي ذكر فيها أن بلاده تعتزم الإعلان عن سياسة جديدة لتعزيز المدخرات بالعملة المحلية وتقليل الاعتماد على رأس المال الأجنبي، تأتي في الاتجاه المعاكس، بل وتمثل مؤشراً على أن الحكومة قد تراجعت عن هدفها المتعلق بتخفيض سعر الفائدة، بل إنها ستتجه خلال الفترة المقبلة إلى فعل ما هو عكس ذلك تماماً، حيث إن تشجيع الأتراك على الادخار بالليرة لن يتحقق من دون رفع أسعار الفائدة، وهو ما قد يدفع الحكومة إلى تغيير نهجها، والسير في الاتجاه المعاكس بأسرع مما هو متوقع.

ومن المتوقع أن تكشف الأيام المقبلة عن حقيقة الأهداف الاقتصادية التي تسعى الحكومة إلى التركيز على إدراكها مستقبلاً، ومن المرجح أن يحظى استهداف التضخم بالأولوية بالنسبة إليها، ورغم أن مثل هذا الهدف يعد منطقياً في مثل هذه الظروف التي تواجهها تركيا في الوقت الراهن، لكن تعقد الأوضاع الاقتصادية وتفاقم الأزمات التي عانتها طوال الفترات الماضية، وكذلك تضخم حجم المديونيات الحكومية والخاصة بالعملات الأجنبية وعزوف المستثمرين الأجانب عن الدخول إلى الأسواق التركية بنفس الوتيرة التي كانت مألوفة طوال العقدين الماضيين، كل ذلك من شأنه أن يثقل كاهل الاقتصاد، ويبقيه في منطقة الأزمات لفترة ليست بالقصيرة في المستقبل.

المزيد من اقتصاد