فضيحة جديدة لـ"فيسبوك" وتجدّد شبح انتهاكه الخصوصيّة

تضج مواقع الإعلام العالمي ببوادر مشكلة عويصة يواجهها الموقع الأبرز في التواصل الرقمي الاجتماعي. يتعلّق الأمر مجدداً بانتهاك خصوصيّة الأفراد، خصوصاً الشباب.

فكّر في كل صُنّاع كل تطبيق رقمي قبل تثبيته (موقع سِنسورتكفورم.كوم)

 لم تكد تهدأ الضجة الكبرى التي أثارها إعلان موقع "فيسبوك" خططه بشأن إدماج "ماسِنجر" Messenger و"واتس آب" WhatsApp و"آنستاغرام"Instagram، وهي خطط حركَّت هواجس بشأن التعامل مع خصوصيّة بيانات الأفراد واتّصالاتهم، حتى انبعثت روائح فضيحة جديدة باتت تتهدد ذلك الموقع البارز في شبكات التواصل الاجتماعي. ويزيد في حدّة المشكلة  الجديدة أنها تبدو كأنها استكمال لمسلسل مستمر من تخبّط "فيسبوك" في التعامل مع مُعْطى الخصوصيّة عند مستخدميه. والأرجح أن الحلقات الأبرز في ذلك المسلسل ابتدأت عقب الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة في 2016 وما رافقها من معطيات عن تدخّل إلكتروني روسي مفترض، كان أبرز أشكاله هو التلاعب بالرأي العام الأميركي باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي. وآنذاك، تبيّن أن "فيسبوك" وقع في فخ الإعلانات السياسيّة التي كانت من الأدوات الأساسيّة في ذلك التدخل. ثم انفجرت الفضيحة المدوّية لشركة "كامبردج آناليتكا" Cambridge Analytica التي تبيّن أنها تمكّنت من الوصول إلى حسابات عشرات الملايين من جمهور "فيسبوك"، واستخدمتها في التأثير على آراء شرائح واسعة من  الناخبين الأميركييّن إبّان رئاسيّات 2016. وانكشف أن "فيسبوك" لم تكن على قدر المسؤولية في حماية تلك البيانات، إضافة إلى تورطّها في تجارة البيانات. وقد اعترف مارك زوكربرغ مؤسّس "فيسبوك" ومديره التنفيذي بتلك الأمور عندما استُدِعي للمثول أمام برلمانات عدّة، أولها الكونغرس الأميركي. وحاول زوكربرغ الدفاع عن انخراط "فيسبوك" في تجارة البيانات، لكنه بدا كمن يحاول التحرك فيما قدماه غارقتان في رمال متحركة، فلا تزيده الحركة إلا غرقاً فيها.

 

إندماج يصنع سلطة طاغية

قبل أيام قليلة، تناقل الإعلام العام أخباراً أكّدها "فيسبوك" من دون أن يعطي تفاصيل عنها، تفيد أنه بدأ في خطة لدمج ثلاثة تطبيقات رقميّة في الاتّصال والتراسل بين الجمهور، تعمل خصوصاً عبر الهواتف الذكيّة، هي "ماسِنجر" و"واتس آب" و"آنستاغرام". وتذكيراً، استحوذ "فيسبوك" على تلك التطبيقات الثلاثة في أوقات سابقة، ما أثار شبح تحوّل ذلك الموقع إلى شركة احتكار كبرى في التواصل الرقمي. وفي السياق ذاته، أثار ناشطون في الحقوق الإلكترونيّة مسألة التهديد الذي يحمله إدماج ثلاثة وسائل رئيسة في الاتّصالات التراسليّة، لأنها تصبح مستندة إلى قاعدة تقنيّة موحّدة، ما يضع كل بيانات المتصلة بكل فرد، في سلّة واحدة. ويفتح ذلك الأمر أبواباً واسعة أمام "فيسبوك" في تجارة البيانات بفضل الكميّات الضخمة التي ستصبح في قبضته، خصوصاً بعد اندماج تلك التطبيقات الثلاثة. ويضاف إلى ذلك أنّ حدوث أي تقصير في حماية البيانات، أو تطوّر في وسائل اختراق موقع "فيسبوك" مثلما حدث في أوقات سابقة، يجعل كل تلك الكميّات المذهلة من بيانات المستخدمين في مهب الريح، مع ما تحمله من مخاطر الانكشاف الواسع للجمهور أفراداً وجماعات.

وفي نهاية شهر يناير 2019، تجدّدت تلك الأجواء المقلقة عينها بصورة غير مباشرة، بل غير متوقّعة. إذ أعلنت شركة "آبل" التي تعاني مشاكل لا حصر لها حاضراً، أنها نجحت في جهودها لإيقاف التطبيق الرقمي "فيسبوك ريسرتش" المُخصّص للهـواتف الخليويّة، وأجبرت "فيسبوك" على إزالة ذلك التطبيق عن هواتف "آي فون" وكل الأجهزة التي تعمل بنظام "آي أو أس" iOS الذي تصنعه "آبل". وفي سياق ذلك الإعلان، تبيّن أن "فيسبوك" كان يمنح "هدايا" ماليّة بقرابة 20 دولار شهرياً، لمجموعات كبيرة من الأفراد الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و35 عاماً، مقابل أن يسمح هؤلاء للشركة بتثبيت التطبيق الرقمي "فيسبوك ريسرتش" Facebook Research على الهواتف وأجهزة الـ"تابلت" الخاصة بهم، سواء أكانت تعمل بنظام "آندرويد" Android المفتوح المصدر أو "آي أو أس". ويتضمن "فيسبوك ريسرتش" نظاماً لشبكة افتراضيّة شخصيّة، تسمّى تقنيّاً Virtual Personal Network واختصاراً "في بي آن" VPN. وتالياً، تصبح هواتفهم مرتبطة مباشرة بخوادم شركة "فيسبوك"، فتنقل شبكة "في بي آن" إليها كل أنواع الاتّصالات التي تُجرى على تلك الهواتف، أيّاً كان نوعها. بقول آخر، كانت "فيسبوك" تدفع 20 دولاراً لقاء زرع جاسوس تقني على هيئة شبكة افتراضيّة شخصيّة مرتبطة مركزياً معها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وسبق لـ"فيسبوك" أن جرّبت أمراً مماثلاً في العام 2013، عبر التوزيع المجاني لتطبيق "أونافو بروتكت" Onavo Protect. وأدّت جهود بذلتها شركة "آبل" أيضاً إلى إزالة "أونافو بروتكت" من مخزن "آب ستور" App Store الذي تديره "آبل"، ما يعني إزالته من هواتف "آي فون" والمنتجات المشابهة التي تصنعها "آبل".

ربما يبدو للبعض أمراً نافراً أن تبذل شركة للتواصل الاجتماعي الرقمي كل تلك الجهود والأموال، للحصول على تفاصيل الاتّصالات وأنواع التراسلات التي يستعمها جمهور شبكات التواصل الاجتماعي. لكن، هل الأمر غامض فعلياً؟ ألأ يشكّل التعرّف على ميول الجمهور وذائقته الركن الأساسي لتجارة الإعلانات (خصوصاً الإعلانات المُشَخْصَنَة التي تستهدف كل فرد بمواصفاته الشخصيّة الخاصة)؟ الأهم من ذلك هو التعرّف إلى ثقافة  الجمهور وميوله، وهو أمر تهتم به شركات الإعلانات ومنتجو السلع والخدمات بأنواعها كلها، بل أنه الشاغل الأساسي للمؤسّسات الأمنيّة والرقابيّة والاستخباراتيّة عالميّاً. ألم يكن ذلك هو القلب من فضيحة "كامبريدج آناليتكا" وقبلها قضية التجسّسس الإلكتروني الشامل التي فجّرها خبير المعلوماتيّة الأميركي المنشق إدوارد سنودن في عام 2013؟

الأرجح أن تلك الأمور لن تغادر الحياة اليومية المعاصرة، ما يوجب العودة إليها في نقاشات أوسع.

المزيد من اتصالات